سياسة عربية

صحيفة مصرية تروي ما يحدث بمهاجع تنظيم الدولة بسجن طرة

إدارة سجن "طرة" تسمح لسجناء تنظيم الدولة بتجنيد الشباب صغار السن- أرشيفية
كشفت صحيفة "الشروق" المصرية عن الظروف التي يعيشها السجناء في سجن "طرة"، واصفة إياه بأنه "مركز حكومي لتجنيد الدواعش".

وفي تحقيقها الذي نشرته "الشروق" الجمعة، نقلت الصحيفة عن سجناء سابقين وحاليين في السجن، مشيرة إلى أن التنظيم يقوم بنشاط مكثف لاستقطاب الفئات العمرية الصغيرة من السجناء، معتبرة أنها "نجحت" بالفعل في الحصول على مبايعة عدد من هؤلاء الشباب.

300 مبايع في عنبر واحد

ونقلت الشروق عن سجين سابق يدعى "محمد" قضى عاما بسجن طرة،المكون من "أربعة عنابر، وكل عنبر مكون من عدة طوابق، وكل طابق من 28 زنزانة، وفي كل زنزانة 13 سجينا"، مشيرا إلى أنه التقى خلال معايشته في عنبر واحد بما لا يقل عن 300 سجين بايعوا التنظيم بعد وصولهم للسجن.

وتوزعت عنابر سجن "طرة" بحسب الانتماءات، إذ إن سجناء داعش لهم زنازينهم الخاصة بهم، ولهم "طقوسهم" حيث يتجمعون في حلقات، ومنظمون ضمن خلايا، بحسب محمد، الذي أكد أنه "مع دخول منتصف الليل يبدأ أعضاء تنظيم داعش في السجن بالهتاف من خلف باب الزنزانة، وترديد الأناشيد الخاصة بهم، ويكون ذلك على مرأى ومسمع من إدارة السجن"، مضيفا أن من بين ما يقومون بترديده: الآن الآن بالسيف وبالقرآن نقول لخليفتنا قولا ندرك معناه.. لو خضت بنا يا أبا بكر بحر الموت لخضناه".

"أمل الأمة"
 
وأعرب محمد عن تعجبه من سماح إدارة السجن لأعضاء تنظيم الدولة الاختلاط ببقية السجناء، وخصوصا صغار السن، الذين "لا يأخذ الأمر أكثر من عشرة أيام بين أيديهم إلا ويكون أعلن بيعته للتنظيم»، مضيفا: "تحدثت مع أحد الشباب كان زميلا لي في بادئ الأمر قبل أن يعلن انضمامه لهم، وما الذي دفعه لذلك فأجاب: إنهم أمل الأمة ويعلمون من الدين ما لا نعلمه".

وتابع محمد بقوله: "للأسف أعضاء التنظيم داخل السجون يجيدون التلاعب بالنصوص سواء الأحاديث أو القرآن، في وقت معظم الشباب الصغير فيه ثقافتهم الدينية ضئيلة جدا أو أنها سماعية في الأساس".

وأكد محمد أن إدارة السجن تمنع دخول أي من المشايخ و"علماء الدين الوسطيين" للرد على ما يروجه أعضاء التنظيم بين السجناء، أو حتى من باب الثقافة الدينية لهؤلاء الشباب الصغار الذين تتراوح أعمارهم بين 19 و23 عاما".

"طاغوت أو مرتد"

أما عن تعامل أعضاء التنظيم مع إدارة السجن وزملائهم السجناء، فقال محمد إنهم "يرفضون أكل التعيين وكذلك يمتنعون عن أكل الزيارات التى يحضرها أهالي زملائهم ممن لا ينتمون للتنظيم، كون هؤلاء من وجهة نظرهم مرتدين ولا يجوز أكل طعامهم، بل إن بعضهم لا يأكل من الطعام الذي ترسله أسرته نظرا لأنه يكفرهم"، مضيفا أنهم ينادون الضباط والجنود داخل السجن بالمرتدين.

وبحسب أدبياتهم، يرى أعضاء التنظيم الدولة المصرية الحالية "طاغوتا"، كما يرون في الرئيس المصري محمد مرسي والإخوان المسلمين "مرتدين"، وكانوا ينادون أفراد الأمن بالسجن بذلك، إذ قال محمد، في تحقيق "الشروق" إنهم كانوا ينادون السجناء بـ"يا صول يا مرتد شغل الكهربا في العنبر".

وأشار محمد إلى أن "معظمهم مستواهم المادي جيد جدا، وغالبيتهم طلبة فى كليات مرموقة مثل الهندسة والطب"، مضيفا أنه تحدث إلى أستاذ بإحدى كليات الهندسة كان مبايعا للتنظيم عبر شبكة الإنترنت، موضحا أن هذا المهندس "ظل 120 يوما مختفيا في مقر الأمن الوطني، دون أن يعلم أحد من ذويه مكان احتجازه قبل أن يتم عرضه على النيابة ونقله لسجن استقبال طرة".

سجالات

ولفت محمد، إلى حدوث سجالات كثيرة بين أعضاء تنظيم الدولة، والإخوان داخل السجن بسبب قيام أفراد تنظيم الدولة باستقطاب شباب الإخوان من غير الراضين عن تعامل قياداتهم مع الأزمة، قائلا "في إحدى المرات سألت قياديا إخوانيا بالسجن: لماذا لا تتعاملون مع استقطابهم لشبباكم، فرد (الموضوع أكبر منا، وإحنا فعلا مش عارفين نعمل فيه حاجة)".

واختتم محمد حديثه قائلا إنه "خلال العام الذي قضيته في السجن كان يسيطر على ذهني سؤالان هما: لماذا تسمح إدارة السجن لأعضاء التنظيم بالتحرك بهذه الحرية بين السجناء، والثاني لماذا لم تضعهم في سجن خاص، أو حتى تخصص لهم عنبرا بعيدا عن بقية السجناء حتى لا يتفشوا بينهم؟".

في العقرب أسرع

وقال سجين سابق خرج حديثا ورفض كشف هويته من سجن العقرب، إن الظروف هناك مختلفة "فالظروف المعيشية الصعبة والتعنت داخل السجن، يجعل معدل انضمام الشباب صغير السن للتنظيم أسرع".

وأضاف السجين لصحيفة "الشروق"، الذي قضى بسجن العقرب نحو خمسة أشهر احتياطية قبل أن يخلى سبيله أدرك أن "الأوضاع غير الإنسانية والمعاملة القاسية، تجعل كثيرا من الشباب صغير السن يرى في تنظيم الدولة البطل المخلص الذي سيأتي ليحطم أسوار السجن ويخرجهم منه، لفقدانهم الأمل في الخروج منه بشكل قانوني، وهو ما يجعل الشاب من هؤلاء لا يستغرق سوى جلسة واحدة في أيدي أفراد التنظيم داخل السجن، ليعلن بيعته لأبي بكر البغدادي زعيم التنظيم الذي يتخذ من العراق مقرا له".

وتابع السجين السابق: "أن يكون أكبر نضالاتك داخل السجن الحصول على (شبشب) وألا تقف حافي القدمين، أو أن يسمح لك بإدخال فرشاة أسنان، أمر يصيب الشباب المليء بالحماس بفقدان الأمل في أي حياة سوية، ويبدأ في التفكير بالانتقام"، موضحا أن التفكير "السوداوي" يعانق أساطير أفراد التنظيم داخل السجن حول القوة الخيالية لتنظيم الدولة، فيدعم عند الشباب الصغير الذين يملؤون السجن صورة "المُخلّص" والبطل الذي سينتقم لهم ويعيد أمجاد دولة الخلافة، أمام خنوع قياداتهم وإصرار بعضهم على السلمية.

وأضاف: "داخل أسوار السجن يستغل أعضاء التنظيم ممن بايعوه في وقت سابق ضحالة الفكر الديني لدى الكثير من الشباب، ويبدؤون بتطويع النصوص الدينية، وسرد أساطير مختلقة تصل لحد أن أحدهم قال في جلسة مع بعض الشباب، إن تنظيم الدولة نظم عرضا عسكريا بحريا على بعد 10 كيلومترات فقط من السواحل الأوروبية، لتلمع بعد ذلك أعين هؤلاء الشباب، الذين جلسوا حوله ليعلو بعدها صوتهم بتكبيرات النصر"، بحسب "الشروق".

وأوضح السجين السابق أن "معظم الشباب الذين بايعوا التنظيم داخل السجن لا يعرفون عن التنظيم سوى بعض الفيديوهات التي شاهدوها على موقع يوتيوب قبل دخوله السجن، في وقت يحافظ فيه أفراد التنظيم على أن يكون لهم شكل موحد بإطالة شعر رأسهم.

وأشار السجين السابق إلى أن الخطر في العقرب يكون أكبر "فالعنبر يكون كوكتيل من السجناء، وبينهم أعضاء من تنظيم الدولة، وإخوان، وطرف ثالث هم الشباب الذين لم يكونوا من الإخوان ولكن كان بعضهم يشارك في مسيرات الجماعة وهؤلاء كُثر، مما يجعل الخلافات مشتعلة بين أعضاء الجماعة وأفراد تنظيم الدولة، للحد الذى يصل في كثير من الأحيان إلى الاشتباك بينهم، والأخطر في السماح بخلط أعضاء تنظيم الدولة وهم معروفون بين السجناء، حيث يتيح أمامهم الفرصة لضم أعضاء جدد".

الجماعة الإسلامية تعالج

وأكد السجين السابق أن قيادات الجماعة الإسلامية هم الذين كانوا يحاولون عرض تجربتهم السابقة مع استخدام العنف، داعين الشباب الصغار إلى عدم تكرارها، لما كان لها من أخطاء كثيرة معظمها شرعي وديني.

من جانب آخر، أكد سجين حالي تواصلت معه صحيفة "الشروق" أن معظم أفراد تنظيم الدولة يتركزون في سجن الاستقبال الذي قضى فيه فترة ليست بالقصيرة قبل أن ينتقل إلى سجن آخر، يوصف بأنه من السجون الأكثر قسوة، مضيفا أن "أعضاء التنظيم (مستبيعون)، لذلك تخشاهم إدارة السجن بدءا من العساكر الصغار وحتى الرتب الأعلى"، مضيفا أن "أحدهم اشتبك مع عدد من سجناء الإخوان عقب مناظرة معهم، فوقف يهتف بزهو وبصوت مرتفع وسط السجن (أنا جندي الدولة يا كلاب) في إشارة إلى أنه مبايع تنظيم داعش".

تجارب سابقة

وأشارت "الشروق" إلى أن هذه التجربة حصلت في وقت سابق في سجن "أبو غريب" العراقي مع بداية الاحتلال الأمريكي، قبل أن تنتقل التجربة إلى سجن بوكا جنوب العراق، بعد فضيحة أبو غريب.

وذهب دبلوماسي عراقي حالي، لم يذكر اسمه، إلى أن "ما حدث في أبوغريب على وجه التحديد كان عملا أمريكيا ممنهجا وليس وليد المصادفة، لتحويل القيادات العسكرية السابقة بالجيش العراقي إلى متطرفين، ثم الإفراج عنهم في مرحلة لاحقة ليكونوا نواة داعش بعد تعرضهم لبيئة مصنوعة داخل السجن غيرت بوصلتهم".

وتابع الدبلوماسي: "لاحظنا أن هذه الأطراف عندما دخلت إلى السجن لم تكن محملة بطابع أو أفكار جهادية، لكنها بعد فترة قضوها بسجن أبو غريب وسجن بوكا خرجوا حاملين فكرا جهاديا تكفيريا؛ نتاج اختلاطهم بجهاديين وتكفيريين قدامى، بعد أن تم تهيئة البيئة داخل السجن لذلك".

وأكد هذه الرواية قيادي سابق بتنظيم الدولة يدعى أبو أحمد، كان رفيقا للبغدادي في "بوكا"، في مقابلة أجرتها معه صحيفة "الجارديان" البريطانية، في وقت سابق، قال فيها إنه "لو لم يكن هناك سجون أمريكية في العراق لما خرج تنظيم داعش للوجود، لقد كان بمنزلة مصنع أنتجنا جميعا وكون نهجنا الفكري، كان كل الأمراء يجتمعون بشكل منتظم داخل السجن وأصبحنا قريبين جدا بعضنا من بعض"، مضيفا "كان لدينا الكثير من الوقت لنجلس ونخطط"، واصفا هذه البيئة بأنها "كانت مثالية"، ودفعتهم للاتفاق واللقاء عند الخروج.

لم يكن سجنا عاديا

وأضاف أبو أحمد، أن "سجن بوكا الذي كانت تشرف عليه أمريكا لم يكن سجنا عاديا، بل كان مدرسة ضمت تشكيلة متنوعة من الأفكار والمواهب والطاقات العراقية، فقد كان نزلاء المعتقل ضباطا في الجيش والمخابرات وجهاز الأمن الوطني، وعناصر وموظفي منظومة التصنيع العسكري العراقي، وموظفي منشأة تموز النووية، وعلماء وخبراء عراقيين بارزين، إضافة إلى أعضاء حزب البعث العراقي، وعناصر المقاومة العراقية الوطنية الرافضين للاحتلال بالكلمة أو السلاح، ثم سرعان ما اُضيف إليهم عشرات المعتقلين الجهاديين من تنظيم القاعدة وغيرها من الجماعات الجهادية المقاتلة في العراق وقتها".

يأتي هذا في الوقت الذي تشير فيه إحصائيات غير رسمية، إلى أن 17 شخصية من 25 يديرون تنظيم الدولة، قضوا فترات بالسجون الأمريكية في العراق، في الفترة مابين 2004 و2011.