قضايا وآراء

الكيان المحتل وحتمية السقوط (1)

مظاهرات في تل أبيب تطالب بإسقاط نتنياهو- إكس
قد يبدو لكثير من الناس أن عبارة "تحرير فلسطين من البحر إلى النهر" لا تعدو كونها ضربا من الوهم أو البلاهة وقلة الدراية المصحوبة بالعواطف والأماني؛ ذلك أن هؤلاء يقيسون الأمور بمقاييس القوة المادية وموازين القوى، ولا أنكر أنها مقاييس أساسية يجب عدم إغفالها، إلا أنهم لا ينظرون إلى دورة التاريخ، ولا يتوقعون حدوث تغيرات في هذه الموازين، ولا يجيدون المقارنة بين الشعبين العربي واليهودي من حيث الفارق الكبير في العقيدة القتالية والقيم النضالية، والفارق في الروح المعنوية بين اللص وصاحب الأرض..

أدرك جيدا بل جيدا جدا أن الحسابات المادية تصب في صالح الكيان المحتل حتى اللحظة، لكنني أدرك أيضا أن ثمة حسابات أخرى لا بد من النظر إليها وتفحّصها والبناء عليها؛ فثمة دوائر خمس، تتشكل يوما بعد يوم، وهي على درجة من الأهمية لا بد من النظر إلى أبعادها بعين الوعي والإدراك، بعيدا عن الاستسلام للغطرسة والهمجية الصهيونية.

الدائرة الأولى: التشققات في جدار الكيان المحتل

الحسابات المادية تصب في صالح الكيان المحتل حتى اللحظة، لكنني أدرك أيضا أن ثمة حسابات أخرى لا بد من النظر إليها وتفحّصها والبناء عليها؛ فثمة دوائر خمس، تتشكل يوما بعد يوم، وهي على درجة من الأهمية لا بد من النظر إلى أبعادها بعين الوعي والإدراك، بعيدا عن الاستسلام للغطرسة والهمجية الصهيونية

بلغت الخلافات بين مختلف أطياف المجتمع الصهيوني، ومكوناته السياسية والعسكرية مبلغا كبيرا؛ فقد أصبح نتنياهو معزولا، وبات خصومه أكثر قدرة على مهاجمته وإخضاعه، وجعله صغيرا في عين الشعب اليهودي الذي بات ينظر إليه نظرة المسؤول المحتال والكذاب الذي يسعى فقط لتثبيت حكمه، والبقاء فيه أطول مدة ممكنة؛ هروبا من الاستحقاقات القضائية التي تنتظره، والتي قد تأخذه إلى السجن صاغرا؛ فهو مدان قانونيا، ومكروه شعبيا على نطاق واسع؛ لأسباب كثيرة أهمها تخليه عن الأسرى لدى المقاومة في غزة، وإصراره على إدامة فترة الحرب، ليدوم له البقاء في السلطة، على حساب سلامة الجنود وعودة الأسرى، وبسبب التعديلات التي أجراها على الهيكل القضائي بغية الهروب من الأحكام القضائية التي يضيق حبلها على عنقه يوما بعد يوم على الرغم من التغيرات التي حاول إحداثها في الهيكل القضائي.

ثمة احتمال أن تؤدي هذه الخلافات بين طائفة كبيرة من الشعب اليهودي مدعومة بطبقة من السياسيين العلمانيين المناوئين لمعسكر نتنياهو المدعوم بالأحزاب اليمينية المتطرفة، إلى حرب أهلية، أو فوضى سياسية عارمة، بعد انتهاء العدوان على قطاع غزة، لا سيما حين يخرج الفلسطينيون منتصرين على الرغم من الدمار المادي الذي حاق بهم؛ ففي حين نجد المقاومة بكل أطيافها على قلب رجل واحد؛ نجد في المقابل تشتتا كبيرا في التركيبتين السياسية والاجتماعية للكيان المحتل، وهو مما يضعفه ويقلل من قدرته على التعامل مع المقاومة الفلسطينية التي تتسم بالصبر والعناد والقدرة على التضحية التي لا يحتملها الجانب الآخر.

الكيان اليوم منقسم على ذاته فيما يتعلق بوقف الحرب وتبادل الأسرى، ففي حين لا تتوقف الاحتجاجات والتظاهرات والقصف الإعلامي المتبادل، يزداد التفاف الشعب الفلسطيني حول مقاومته رغم الخسارات الكبرى في الأرواح والبنية التحتية وهدم البيوت ومعاناة الجوع والعطش وانهيار القطاع الصحي. وإذا ما أضفنا إلى ذلك تصريحات ساسة الكيان ومفكريه ومؤرخيه عن اقتراب نهاية الكيان، وما ينتج عنه من اهتزاز الثقة بإمكانية العيش الآمن في ظل الخوف والقلق من القادم، وفي المقابل الأثر الإيجابي على الروح المعنوية للفلسطينيين؛ فإننا نضيف عاملا مهما من عوامل الانهيار المرتقب لهذا الكيان.

الدائرة الثانية: داعمو الكيان وحلفاؤه:
القضية الفلسطينية اتخذت شكلا مختلفا واكتسبت حضورا طاغيا، بفعل معركة طوفان الأقصى التي أذلت الكيان، ثم بفعل الدمار والقتل الذي تمارسه قوات الاحتلال كنوع من الانتقام من الأطفال والنساء، علما بأن معظم دول أوروبا هي الآن ضد استمرار الحرب

بعد طوفان الأقصى، تغيرت كثير من المعادلات، وانقلبت كثير من الموازين؛ فلأول مرة تطفو القضية الفلسطينية على سطح الكرة الأرضية، فتصير الشغل الشاغل لحكومات العالم وشعوبه ومؤسساته الدولية والمحلية، ولتفرض نفسها بقوة على الصفحات الأولى للصحف والمجلات وشاشات التلفزة والإذاعات، ولأول مرة تغير بعض الدول سياساتها وبرامجها المتعلقة بفلسطين، بحيث باتت كثير من الدول التي ظلت تصطف إلى جانب الكيان المحتل، تقف منه موقفا مغايرا. فبعد نحو 40 يوما من طوفان الأقصى، قام رؤساء وزراء كل من إسبانيا وإيرلندا وبلجيكا ومالطا، بتوجيه رسالة تطالب بهدنة إنسانية تنهي الحرب في قطاع غزة، وبعد أيام قليلة من هذه الدعوة انعقدت جلسة الأمم المتحدة للتصويت على مشروع قرار لوقف العدوان، صوتت لصالحه 153 دولة، وعارضته 10 دول، وامتنعت عن التصويت 23 دولة.

ولم يكن ذلك ليحدث لولا أن القضية الفلسطينية اتخذت شكلا مختلفا واكتسبت حضورا طاغيا، بفعل معركة طوفان الأقصى التي أذلت الكيان، ثم بفعل الدمار والقتل الذي تمارسه قوات الاحتلال كنوع من الانتقام من الأطفال والنساء، علما بأن معظم دول أوروبا هي الآن ضد استمرار الحرب، ومن غير المستبعد أن تبدأ كثير من دول أوروبا بالتخلي عن الكيان المحتل شيئا فشيئا، بعد أن بدا لها إجرامه وإصراره على مواصلة قتل المدنيين الفلسطينيين..

إذا نظرنا إلى الدعوى المقدمة أمام المحكمة الدولية في لاهاي، فإننا نرى مشهدا لم نره من قبل، فقد فضحت الدعوة المرفوعة، بشكل سافر، أكاذيب الاحتلال وإجرامه وتنكيله بالأطفال والنساء واستهدافه للمستشفيات والمدارس والمساجد والبيوت والبنية التحتية وتجويع المدنيين وإعطاشهم، ومنع الدواء والعلاج عنهم، وحرمانهم من أبسط مستلزمات الحياة

وإذا نظرنا إلى الدعوى المقدمة أمام المحكمة الدولية في لاهاي، فإننا نرى مشهدا لم نره من قبل، فقد فضحت الدعوة المرفوعة، بشكل سافر، أكاذيب الاحتلال وإجرامه وتنكيله بالأطفال والنساء واستهدافه للمستشفيات والمدارس والمساجد والبيوت والبنية التحتية وتجويع المدنيين وإعطاشهم، ومنع الدواء والعلاج عنهم، وحرمانهم من أبسط مستلزمات الحياة كالكهرباء والوقود وخدمة الإنترنت، هذا إذا استثنينا خداعهم للمدنيين وملاحقتهم في الشمال والجنوب على حد سواء، بعد أن أقنعتهم بأن الرحيل إلى الجنوب سيؤمن لهم سلامتهم وسلامة أبنائهم..

إلى ذلك؛ فإن الغالبية العظمى من دول العالم اليوم تقف موقفا مؤيدا لوقف العدوان على قطاع غزة، وكل هذه الدول، بما فيها الولايات المتحدة، تطالب بحل الدولتين، الذي لم يعد يلبي رغبات الفلسطينيين بعد طوفان الأقصى الذي عزز في نفوس الفلسطينيين بخاصة، والعرب والمسلمين بعامة فكرة تحرير كل فلسطين من البحر إلى النهر، وزين هذه الفكرة في عيونهم، وباتوا يرونها أمرا ممكنا بل ربما متحققا ولا ينقصه إلا القليل من الوقت..

يتبع..