كتب

تاريخ المقاومة الفلسطينية للاستعمار الصهيوني الاستيطاني.. قراءة في كتاب

لم تتمكن الحركة الصهيونية العالمية من زرع مشروعها الاستيطاني في فلسطين لولا دعم القوي الإمبريالية العظمى..
الكتاب: "حرب المئة عام على فلسطين ـ قصة الاستعمار الاستيطاني والمقاومة 1917- 2017"
الكاتب: رشيد الخالدي
الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون ـ بيروت ، الطبعة الأولى 2017
(358صفحة من القطع الكبير).

يعدُّ الباحث رشيد الخالدي أستاذ كرسي إدوارد سعيد للدراسات العربية بجامعة كولومبيا ورئيس تحرير مجلة الدراسات الفلسطينية، من أبرز المؤرخين الفلسطينيين، فهو يؤرخ لمأساة الشعب الفلسطيني التي كانت نتيجة لمعطيات وأهداف الاستعمارالأوروبي الذي خطط وباشرفي تنفيذ خططه في الاستيلاء على المنطقة العربية، وفي إقامة دولة "إسرائيل"،على أرض فلسطين ـ بوصفها التجسيد المادي لمشروع الحركة الصهيونية العالمية ـ التي حصلتْ على الدعم والتأييد من الإمبريالية البريطانية لزرع نفْسِها على أرض فلسطين.

وكما أكد جابوتنسكي لا يمكن أن تجري الأحداث إلا بهذه الطريقة، لأنَّ البريطانيين وحدَهم كان لديهم  الوسائل لإطلاق الحرب الاستعمارية التي كانت ضرورية لقمع المقاومة الفلسطينية  ضد الاستيلاء على وطنهم.

لم تتمكن الحركة الصهيونية العالمية من زرع مشروعها الاستيطاني في فلسطين لولا دعم القوي الإمبريالية العظمى، بريطانيا أولاً،ثم أمريكا لاحقًا. وبدلاً من كتابة بحث مفصلٍ لتاريخ فلسطين، اختار الأستاذ الخالدي  التركيز على ست نقاطٍ تحوَّلٍ في الصراع على فلسطين: بدأ من وعد بلفور عام 1917 الذي حدَّد مصير فلسطين، إلى الحروب الأخيرة التي شنها الكيان الصهيوني على قطاع غزة في العقدين الأولين من القرن الحادي و العشرين.

يتكون هذا الكتاب: "حرب المئة عام على فلسطين"، من المقدمة ،إضافة لست فصول كبير، والحاتمة، وهو يضم حوالي 358 صفحة من القطع الكبير، وطبعته الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت عام 2017.والكتاب من تأليف رشيد الخالدي، الذي أصبح باحثاً بارعاً كذلك في انسجامٍ مع تقاليد عائلته وثقافته الإسلامية الغربية.

بداية المقاومة الفلسطينية منذ إعلان وعد بلفور

يشرح الأستاذ الخالدي في هذا الفصل بدايات تشكل الهوية الفلسطينية مع بداية انهيار الإمبراطورية العثمانية، وبداية ضعف الولاء من جانب الشعب الفلسطيني لهذه الإمبراطورية الإسلامية التي كانت تدافع عن القدس، حينما بدأ الأساس الديني للإمبراطورية يضعف وتزايدت خسائر العثمانيين العسكرية والجغرافية وتطورت أفكار القومية وأخذت تنتشر.

سرعت سهولة المواصلات والحصول على التعليم من هذه التغيرات، كما لعب انتشار الطباعة وسهولة الحصول على الكتب دوراً مهماً، فقد تأسست 32 صحيفة ومجلة في فلسطين في الفترة 1908 ـ 1914 وارتفع عددها أكثر من ذلك في العشرينيات والثلاثينيات، بدأت ولاءاتٌ مختلفة بالظهور مثل القومية، وبرزت أفكار جديدة عن تنظيم المجتمع وتضامن الطبقة العاملة ودور المرأة في المجتمع لتتحدى انتماءاتٍ اجتماعية سابقة، كانت هذه الأشكال من الانتماء في بداية تكوّنها سواء كانت وطنية أو قومية أو طبقية أو مهنية، وشملت انتماءاتٍ وولاءات متداخلة، مثلاً أظهرت رسالة يوسف ضياء إلى هرتسل سنة 1899 انتماءات دينية وعثمانية وتمجيداً محلياً لمدينة القدس وارتباطاً واضحاً بفلسطين
.
يقول الأستاذ الخالدي: "في العقد الأول من القرن العشرين كان جزء كبير من اليهود الذين يعيشون في فلسطين يشبهون كثيراً سكان المدن المسلمين والمسيحيين ويعيشون معهم بشكل مريح معقول، كان أغلبهم من الأرتودوكسيين متشددين وغير صهاينة من طائفة المزراحي (الشرقيين) أو من طائفة السفارديم (أحفاد اليهود الذين طُرِدوا من إسبانيا)، أو سكان مُدنٍ من أصولٍ شرق أوسطية أو متوسطية ممن تحدثوا غالباً باللغة العربية أو التركية كلغةٍ ثانية أو ثالثة، وعلى الرغم من وجود تمييز ديني واضح بينهم وبين جيرانهم إلا أنهم لم يُعتَبروا أجانب ولم يكونوا أوروبيين أو مستوطنين، بل كانوا يرون أنفسهم وكما يراهم الآخرون يهوداً ينتمون إلى المجتمع المحلي ذي الغالبية المسلمة، كما أن بعض الشباب من يهود الأشكنازي الأوروبيين الذين استقروا في فلسطين في تلك الفترة بمن فيهم صهيونيين متعصبين مثل ديفيد بن غوريون وإسحاق بن زفي (أصبح واحد منهم رئيساً للوزراء والثاني رئيساً لإسرائيل) قد حاولوا في البداية نوعاً من الاندماج في المجتمع المحلي، بل وحصل بن غوريون وبن زفي على الجنسية العثمانية ودَرَسا في إسطنبول وتعلَّما اللغة العربية والتركية"(ص 37)..

على عكس ما توصل إليه بعض المؤرخين والباحثين الغربيين إلى الاعتقاد خطأً بأن مجتمعات الشرق الأوسط بما فيها فلسطين كانت راكدة وغير متطورة، بل حتى "متدهورة"، فإنَّ الباحث الخالدي يعتقد أن الصدماتُ الخارجية القوية لها تأثيرات عميقة على المجتمعات خاصة على شعورها بالهوية، خصوصا في ظل تدهور أوضاع الإمبراطورية العثمانية بعد سلسلة طويلة من الحروب المؤلمة منذ الحرب الليبية في 1911 ـ 1912 وتَبعتْها حروب البلقان في 1912 ـ 1913 ثم التمزقات الضخمة في الحرب العالمية الأولى، إذ جلبت سنوات الحرب الأربع نقصاً شديداً وفقراً ومجاعة وأمراضاً ومصادرة الحيوانات وتجنيد أغلب العاملين من الرجال الذين أرسِلوا إلى الجبهة، يَقدر أن سورية الكبرى التي شملت فلسطين وما هو الآن الأردن وسورية ولبنان قد فقدت حوالي نصف مليون شخص في الفترة من 1915 إلى 1918 بسبب المجاعة وحدها (التي زاد من وطأتها هجمة من الجراد).

فقد خسرت الإمبراطورية العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى أكثر من ثلاثة ملايين قتيل (15% من عدد السكان الكلي)، وكان أغلبهم من المدنيين (كانت أكبر هذه الفئات هم ضحايا المجازر التي ارتكبت بأوامر السلطات العثمانية في 1915 و1916 من الأرمن والآشوريين وغيرهم من المسيحيين)، وبالإضافة إلى ذلك فقد قُتِلَ خلال الحرب 750000 من الجنود العثمانيين الذين كان عددهم حوالي 2.8 مليون أصلاً، وبالمثل، كانت الخسائر العربية مرتفعة لأن الوحدات العسكرية التي جُنّدت من سوريا الكبرى والعراق تَوَاجَدَتْ بكثافة في مسرح العمليات الدموية مثل الجبهة العثمانية الشرقية ضد روسيا وفي غاليبولي وسيناء وفلسطين والعراق، قدّر الباحث السكاني جوستن مكارثي أن عدد سكان فلسطين كان يتزايد بحوالي 1% كل عام حتى سنة 1914 ولكنه انخفضَ بنسبة 6% خلال الحرب.

من تداعيات الحرب العالمية الأولى أنَّها شكلت سلسلة كاملة من الصدمات لسكان منطقة الشرق الأوسط، وأدّت إلى زيادة تأثير التغيرات السياسية المؤلمة بعد الحرب، إِذْ أجبَرت الناس على إعادة التفكير بهويتهم السابقة. مع نهاية القتال، وجد الناس في فلسطين وفي كثير من أرجاء العالم العربي أنفسهم تحت احتلال جيوش أوروبية، وبعد أربعمئة عام من الحكم العثماني واجهتهم الآفاقُ المقلقة للحكم الأجنبي وسرعة غياب السلطة العثمانية التي كانت النمط الوحيد من الحُكم الذي يَعرفونه على مدى عشرين جيلاً، في غمرة هذه الصدمة الكبيرة ومع نهاية عصرٍ وبداية عصرٍ جديد على خلفيةٍ بائسة من المعاناة والخسارة والحرمان.. سمع الفلسطينيون شذراتٍ متفرقة عن وعد بلفور.

أعلن ذلك التصريح الخطير وزير الشؤون الخارجية آرثر جيمس بلفور باسم الوزارة البريطانية في 2 نوفمبر 1917 منذ حوالي قَرن مضى وعُرف فيما بعد باسم: وعد بلفور، وكان يتألف من جملة واحدة: "تنظُرُ حكومةُ صاحب الجلالة بِعين العطف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذا الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر".

أدرك كثير من الفلسطينيين المتبصّرين قبل الحرب العالمية الأولى مخاطِر الحركة الصهيونية واعتبروها تهديداً، إلا أن وعد بلفور أدخل عنصراً مخيفاً جديداً، ففي اللغة الدبلوماسية الناعمة المخادعة وتعبيرها الغامض وافقت بريطانيا على "إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين" وأعلن الوعد عملياً تأييد بريطانيا لأهداف ثيودور هرتزل في إنشاء وطن قومي لليهود وسيادتهم وسيطرتهم على الهجرة إلى كل فلسطين.

يقول الأستاذ الخالدي في هذا السياق: "من المهم أيضاً أنَّ بلفور لم يذكر الغالبية العربية العظمى في سكان فلسطين (التي بلغت آنذاك حوالي 94%) سوى بطريقة مواربة بصفتهم "الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين"، أي أنهم قد وصفوا باصطلاح "غير" وبشكل مؤكد أنهم لم يوصَفوا كأمة أو كشعب، ولم تظهر مفردات "الفلسطينيين" أو "العرب" بين مفردات الوعد التي بلغت 67 كلمة، وُعِدت هذه الأغلبية العظمى من السكان فقط "بحقوق مدنية ودينية" وليس بحقوق سياسية ولا وطنية، وبالمقارنة، مَنَح بلفور حقوقاً وطنية لما وصفه "الشعب اليهودي" الذي كان سنة 1917 أقليةً ضئيلة (6%) من سكان المنطقة"(ص44).

وكانت نوايا الصهاينة قبل الاحتلال البريطاني أواخر سنة 1917 مبهمة، لا بسبب عدم وضوح الرؤية والهدف لديهم، بل لخشيتهم من أن تقوم الحكومة في إسطنبول بطردهم من البلاد، ولكن، عندما كانت ثمة حاجة إلى نشر صورة أوضح للمستقبل، لم يكن هنالك أي إبهام. فما كان الصهاينة يفكرون به ويخططون له، هو إقامة دولة يهودية في فلسطين، للهروب من تاريخ من الاضطهاد في الغرب، وكان السبيل إلى ذلك، هوالاستناد إلى مزاعم توراتية.

إنَّ اللحظة التي منح فيها وزير الخارجية البريطاني اللورد بلفورالحركة الصهيونية وعده سنة 1917 بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، قد فتحت الباب على مصراعيه لصراع لا ينتهي، سرعان ما عصف بالبلاد وأهلها.. ولم يكن بالإمكان تحقيق المشروع الصهيوني إلا من خلال خلق دولة يهودية خالصة في فلسطين، كملاذ آمن لليهود من الاضطهاد. وكمهد لقومية يهودية جديد، وكان لابد لمثل تلك الدولة أن تكون يهودية حصراً، لا في تركيبها الاجتماعي السياسي وحسب، بل في تركيبها العرقي كذلك.

دأت فكرة الكيان الصهيوني عندما كانت الإمبرياليتان الفرنسية والبريطانية تصارعان من أجل اقتسام تركة الرجل المريض عامة بينهما، والعالم العربي خاصة، وترعرعت مع ازدياد النفوذ الاستعماري وقوته.وأعلن قيام "دولة إسرائيل" بعد الحرب العالمية الثانية ،وخروج الحلفاء منتصرين على المحور.
لقد سمحت سلطات الانتداب البريطاني للحركة الصهيونية منذ البداية، أن تقيم لنفسها كياناً مستقلاً داخل فلسطين، ليكون بمنزلة البنية التحتية لدولة تقوم في المستقبل. . وقد تضمنت الاستعدادات الصهيونية للاستيلاء على الأرض بالقوة، فيما لوفشل تسليمها لليهود من خلال الدبلوماسية، إنشاء منظمة عسكرية فعالة، بمساعدة الضباط البريطانيين المتعاطفين، والبحث عن موارد مالية سخية، يمكن بوساطتها تهجير اليهود إلى فلسطين.

كانت الحركة الصهيونية مشروعاً استعمارياً يبحثُ عن راعٍ من القوى العظمى قبل أن تضمن الدعم البريطاني، بعد أن فشل ثيودور هرتسل في الحصول على دعم الإمبراطورية العثمانية والألمانية وغيرهما، تمكّن خليفته حاييم وايزمان وزملاؤه من النجاح أخيراً في اتصالاتهم مع وزارة الحرب البريطانية برئاسة ديفيد لويد جورج وحصلوا على دعم أعظم قوة في ذلك العصر، واجه الفلسطينيون أكبر خصومهم في ذلك الوقت وكانت القوات البريطانية في تلك اللحظة تتقدم شمالاً وتحتل بلادهم، كانت تلك القوى في خدمة الحكومة التي قدمت ذلك الوعد بزرع "وطن قومي" حيث تعني الهجرة غير المحدودة تحقيق أغلبية يهودية في المستقبل.

تم تحليل أهداف الحكومة البريطانية وغاياتها في ذلك الوقت بإسهاب على مدى القرن الماضي، كان من بين دوافعها الكثيرة رغبات رومانسية وطموح ديني مؤيد للسامية و"عودة" اليهود إلى أرض الكتاب المقدّس وغايات معادية للسامية في تقليل هجرة اليهود إلى بريطانيا ترتبط باعتقاد أن "العالم اليهودي" لديه القدرة على إبقاء روسيا الثورية الجديدة في الحرب وإقناع الولايات المتحدة الأمريكية بدخولها، وفيما وراء هذه الدوافع، كان الهدف الرئيسي لبريطانيا هو السيطرة على فلسطين لأسباب جيوسياسية استراتيجية سَبقت الحرب العالمية الأولى وقوَّتها أحداث الحرب، ومهما كانت الدوافع الأخرى مهمّة، إلا أن هذا الهدف كان مركزياً: لم تتحرك الإمبراطورية البريطانية أبداً بدافع من الإيثار، دعم وتأييد المشروع الصهيوني كان يخدم جيداً المصالح البريطانية الاستراتيجية، مثلما كانت تحركاتها الأخرى في المنطقة أثناء الحرب والتي كان من بينها وعودٌ قدِّمت سنة 1915 و1916 بمنح الاستقلال للعرب بزعامة الشريف حسين في مكة (الواردة في مراسلات حسين ـ ماكماهون) واتفاق سرّي سنة 1916 مع فرنسا (اتفاقية سايكس ـ بيكو) التي وافقتْ فيها القوَّتان البريطانية والفرنسية على تقسيم استعماري للدول العربية .

جاد رد فعل الفلسطينيين على وعد بلفور متأخراً، وكان في البداية مُخفّفاً وخافتاً، انتشرت أخبار التصريح البريطاني في أغلب أرجاء العالم الأخرى فور إعلانه، غير أن الصحف المحلية في فلسطين كانت قد أُغلقت منذ بداية الحرب من جهة المراقبة الحكومية وبسبب نقص مواد الطباعة نتيجة الحصار البحري الخانق للموانئ العثمانية، بعد أن احتلت القوات البريطانية مدينة القدس في ديسمبر 1917، منع النظام العسكري نشر أخبارٍ عن وعد بلفور، وبالفعل، لم تسمح السلطات البريطانية للصحف بالظهور في فلسطين فترة سنتين، وعندما وصلت أخبار وعد بلفور إلى فلسطين أخيراً فقد تسرّبت ببطء وانتشرت بالمُشافهة ثم في نسخٍ من الصحف المصرية التي جُلِبت من القاهرة.

أصابت القنبلة مجتمعاً واهناً منهكاً في تلك المرحلة المتأخرة من الحرب بينما كان الناجون من الفوضى العارمة يعودون تدريجياً إلى بيوتهم، هناك أدلة على أنهم صُدِموا بالأخبار، وفي ديسمبر 1918 عاد 33 فلسطينياً منفياً في الأناضول ودمشق حيث كان لديهم اطّلاع على الصحف (وكان بينهم العيسى) وأرسَلوا رسالةَ احتجاج إلى مؤتمر السلام الذي عُقِد في فرساي وإلى وزارة الخارجية البريطانية، وأكّدوا على أنّ "هذه البلاد بلادنا" وعبّروا عن خشيتهم من ادّعاء الصهاينة "بأن فلسطين ستتحول إلى وطن قومي لهم".

فقد بدأت فكرة الكيان الصهيوني عندما كانت الإمبرياليتان الفرنسية والبريطانية تصارعان من أجل اقتسام تركة الرجل المريض عامة بينهما، والعالم العربي خاصة، وترعرعت مع ازدياد النفوذ الاستعماري وقوته.وأعلن قيام "دولة إسرائيل" بعد الحرب العالمية الثانية ،وخروج الحلفاء منتصرين على المحور.

إنشاء الكيان الصهيوني 1947- 1948

تحت قيادة الشخصية السياسية السائدة لدافيد بن غوريون استشرفت الحركة الصهيونية التغير في توازن القوة في العالم، ظهر الحدث الأبرز في هذا التوجّه الجديد في إعلان سنة 1942 أثناء مؤتمر صهيوني رئيسي عُقيد في فندق بيلتمور في نيويورك فيما سُمِّي برنامج بيلتمور، دعت الحركة الصهيونية للمرة الأولى علناً لتحويل كامل فلسطين إلى دولة يهودية: كان المطلب بدقة هو "أن تصبح فلسطين كومنولث يهودياً"، ومثلما كان اصطلاح "وطن قومي" كان هذا تعبيراً آخر عن سيطرة اليهود التامة على كامل فلسطين التي كانت دولةً ثلثا سكانها من الغالبية العربية، لم تكن مصادفة أن هذا المشروع الطموح قد أُعلن في الولايات المتحدة وفي نيويورك بالذات حيث كانت المدينة وما زالت تضمّ أكبر جالية يهودية في العالم.

قبل أن يمرّ وقتٌ طويل كانت الحركة الصهيونية قد جَنَّدت كثيراً من السياسيين الأمريكان وجَمَعت الرأي العام تأييداً لهذا الهدف، وكان ذلك نتيجةً لجهود العلاقات العامة الدؤوبة الفعّالة لهذه الحركة والتي لم يتمكّن الفلسطينيون ولا الدول العربية الوليدة من مجاراتها، وكذلك بسبب الرعب المنتشر مع ظهور الدمار الكبير الذي لحِق باليهود الأوروبيين على يد النازيين في المحرقة، بعد أن تبنّى الرئيس الأمريكي هاري ترومان هدف إنشاء دولة يهودية على أرض غالبيتها من العرب في سنوات ما بعد الحرب، أصبحت الصهيونية جزءاً من مشروع السيطرة الأمريكية الناشئة في الشرق الأوسط بعدما كانت مشروعاً استعمارياً تدعمه الإمبراطورية البريطانية المتراجعة.

حدث أمران مهمان بعد الحرب في تسلسل سريع وكانت لهما دلالة رمزية تشير إلى العقبات التي سنُواجه الفلسطينيين، كانت علاقاتهم مع كثير من الأنظمة العربية محفوفةٌ بالمخاطر بسبب ارتباط الزعماء العرب ببريطانيا وتدخلهم لإنهاء الإضراب العام سنة 1936 وفي مؤتمر قصر سانت جيمس الفاشل في 1939، أصبحت الأمور أكثر سوءاً في مارس 1945 عندما شكَّلتْ سِت دول عربية الجامعة العربية تحت مظلة بريطانيا العظمى، وصف الدكتور حسين في مذكراته خيبة أمل الفلسطينيين المريرة بقرار الدول ا لأعضاء عدم ذِكر فلسطين في البيان الرسمي التأسيسي للجامعة العربية واحتفاظَهم بالسيطرة على اختيار ممثلين عن فلسطين.

جاء قيام الكيان الصهيوني عام 1948 ضمن مخطط استعماري استهدف المنطقة كلها بما فيها فلسطين. وكان الوجود الصهيوني في فلسطين جزءاً منه، إذ قام المخطط الاستعماري على تجزئة العالم العربي، وضمان تخلفه، وتنصيب فئات رجعية قيادات في كل "دولة" من دوله. وهدف الوجود الصهيوني الحفاظ على هذه الفسيفساء. وظل الكيان الصهيوني مرتبطاً بحركة الرأسمالية العالمية عندما كان مركزها في أوروبا،وأصبح جزءاً من المخطط الإمبريالي الأمريكي حين انتقل مركز هذه الرأسمالية العالمية إلى أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية.

ففي أيلول ـ تشرين الثاني 1947، لابدأت الجمعية العمومية دراسة التقريرالمقدم بشأن المسألة الفلسطينية،وقد أكدت هذه الدراسة من جديد الفرق المبدئي بين مواقف الدول الإمبريالية الأوروبية والاتحاد السوفياتي. فتحت ستار الحل "المتفق عليه" (أي الحصول على موافقة العرب واليهود) راحت بريطانيا تحاول بشتى الوسائل التخلص من قرارات هيئة الأمم المتحدة.أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد أيدت من جانبها "مشروع الأكثرية" للجنة الفلسطينية، ولكنها استمرت تحاول الوصول إلى أية أسس "قانونية" بغية تنفيذ أطماعها الإمبريالية في فلسطين في المرحلة الانتقالية، وهذا ما تجلى ـ جزئياً ـ في الاقتراحات الأمريكية حول تأسيس قوات بوليسية في فلسطين عن طريق "التطوع".

وفي 29 تشرين الثاني 1947، وانطلاقا من المبادىء الأساسية في النظام الداخلي، قررت الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة بنسبة ثلثي أعضائها إلغاء الانتداب على فلسطين، وتقسيمها إلى دولتين منفصلتين: عربية ويهودية، مع الإبقاء على الوحدة الاقتصادية فيما بينهما. وقد صوتت إلى جانب المشروع 33 دولة، بما في ذلك الاتحاد السوفياتي، والولايات المتحدة الأمريكية،وعارضته 13 دولة، وامتنعت10 دول عن التصويت بما في ذلك بريطانيا. وقد جاء في القرار:" يلغى مفعول الانتداب على فلسطين في أقرب وقت ممكن،ولكن ليس بعد 1آب 1948.وسحب الجيوش الإنكليزية ليس بعد 1 آب  1948".

وعلى الرغم من أن الاتحاد السوفييتي كان متبنياً للرؤية الإيديولوجية الماركسية اللينينية التي حاربت الحركة الصهيونية العالمية على الدوام، فإنَّ مندوبه السابق في الأمم المتحدة أندريه غروميكو أيدّ قرارالتقسيم. وكشفت أرشيفات وزارة الخارجية السوفييتية الدعم الكبيرالمقدم من جانب الرئيس الأسبق للاتحاد السوفييتي جوزيف ستالين للمشروع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين بالسلاح والعمل الدبلوماسي وتخفيض نسبة العرب، علماً أن الحزب الشيوعي السوفييتي في عهد لينين حارب بشدّةحزب البوند بوصفه حزباً رجعياً مرتبطاً بالحركة الصهيونية العالمية.

وكانت صحيفة "يديعوت أحرونوت" نشرت تقريراً موسعاً عما قالته إنه دور ستالين استناداً لوثائق سرِّية كشف عنها الأرشيف الروسي مؤخراً وفيه استذكرت "الصحوة" اليهودية في الاتحاد السوفييتي بالنصف الثاني من عام 1947 وطيلة عام 1948 واعتبرتها نتيجة للسياسات السوفييتية بقيادة ستالين التي شملت تشكيل الدولة اليهودية والتعاون الوثيق مع قادة الاستيطان اليهودي في فلسطين.

ويلفت التقرير إلى أن عام 48 شهد تحولاً مهماً في العلاقات بعدما كان الاتحاد السوفييتي والحزب الشيوعي يعاديان الأفكار الصهيونية وإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

وأشار التقرير إلى أن تصريحات غروميكو فاجأت قادة الحركة الصهيونية والغرب والبلدان العربية ونوه إلى أن مندوب موسكو في الأمم المتحدة طرح أربعة بدائل لمستقبل فلسطين في خطابه في أيار/مايو47 ولفت إلى أن الدولة المشتركة لليهود والعرب هي المفضلة بالنسبة لبلاده ،وإذا تعذر ذلك فلا بد من فحص فكرة تقسيم البلاد لدولتين. وأضاف "وبذلك اعترفت موسكو لأول مرة بإمكانية قيام دولة يهودية في فلسطين وهذا موقف سوفييتي جديد".

إن شعور أوروبا بالذنب و الندم على ما اقترفته لاساميتها من مجازر وحشية بحق اليهود ، والتي بلغت ذروتها مع ما سمي بالمحرقة النازية، جعلتها تقدم الدعم المكثف لـ "إسرائيل" التي باتت شرعية وجودها ناصعة البياض في مواجهة المطالب العربية الشرعية.
وقال التقرير إنَّ الخطاب المذكور عكس مجمل الموقف السوفييتي في حينه ولفت إلى مذكرة داخلية موقعة في 30/7/،1947 من قبل مسؤول الشرق الأوسط في وزارة الخارجية إيفان باكولين تؤكد أن الخطاب هذا يشكل موقفا رسميا وتدعو للسماح بهجرة مائة ألف يهودي روسي الى فلسطين.

وأضاف التقرير أن مولوتوف يبلغ نائبه بالتنسيق مع ستالين في 15 أكتوبر/ تشرين الأول 1947 بضرورة التفاهم مع اليهود في القضايا المهمة ولاسيما القدس، وأضاف :" كما لا بدّمن الاهتمام بألا تتشكل أقلية عربية كبيرة في "إسرائيل" وفي كل الحالات ألا تتجاوز نسبتها 50% والعمل على تسريع جلاء البريطانيين".

في ضوء ذلك، يعتبرالموقف السوفييتي الذي صوّت لمصلحة قرارتقسيم فلسطين خطيئة إيديولوجية ماركسية كبرى، ألحقت الضررالكبيربالشعب الفلسطيني. وقد رفض العرب الموقف السوفياتي المؤيد لقرار التقسيم  في 29 تشريم الثاني / نوفمبر 1947 ـ الذي على الرغم من تشريد شعب فلسطين، فإن الاتحاد السوفييتي اعترف بالكيان الصهيوني عام 1948 ـ و رأوا في قرارالتقسيم "غبناً تاريخياً".

إن شعور أوروبا بالذنب و الندم على ما اقترفته لاساميتها من مجازر وحشية بحق اليهود ، والتي بلغت ذروتها مع ما سمي بالمحرقة النازية، جعلتها تقدم الدعم المكثف لـ "إسرائيل" التي باتت شرعية وجودها ناصعة البياض في مواجهة المطالب العربية الشرعية. ذلك أن هذا الغرب، لا يريد أن يعي جوهر الثقافة العربية الإسلامية ، والتي لم تعرف طيلة تاريخها مثل هذه العنصرية و الإقصائية تجاه اليهود أو غيرهم من الجماعات السكانية. فعندما سقطت الأندلس، وطرد اليهود منها، انتقلوا للعيش في البلدن العربية والإسلامية، وعاشوا في كنف  من السلام والوئام مع العرب و المسلمين، ولم يعرف تاريخ الإمبراطورية العثمانية التي حكمت العالمين العربي و الإسلامي طيلة أربعة قرون متواصلة  أي اضطهاد لليهود في عهودها.

يقول الأستاذ الخالدي: "والذي حدث معروف جيداً للجميع بالطبع، غَير أنه في صيف 1949 كان الكيان الفلسطيني قد دُمِّر ونُزعت جذور مجتمعه، أُجبِر بالقوة 80% من السكان العرب على الهجرة من المنطقة التي أصبحت بعد الحرب دولة إسرائيل الجديدة وفَقَدوا أراضيهم وممتلكاتهم، أصبح 720000 من 1.3 مليون فلسطيني لاجئين، وبفضل هذا التحول القسري سيطَرت إسرائيل على 78% من فلسطين التي كانت تحت الانتداب وأصبحت تحكم أكثر من 170000 فلسطيني عربي تمكّنوا من البقاء، وهو أقلّ من خُمسِ عدد السكان العرب في فلسطين قَبل الحرب، وضِعَتْ أسسُ هذه "النكبة" كما يُسميها الفلسطينيون على هزائم الثورة الكبرى سنة 1939 كما أرادتها الدولة الصهيونية التي كانت مترصدة كامنة، كما أدّت إليها عوامل كانت حية جلية في القصة التي رواها لي والدي: التدخل الأجنبي والصراعات المريرة بين العرب، وزادت من تأثير هذه المشكلات تلك الخلافات الداخلية المعنِّدة بين الفلسطينيين والتي استمرّت بعد هزيمة الثورة، وكذلك غياب مؤسسات الدولة الفلسطينية الحديثة، لم تتحقق النكبة في النهاية إلا بفضل التغيرات الدولية الهائلة التي حدثت في الحرب العالمية الثانية"(ص89).

تمتّع الصهاينة بدعم دولي قوي وواسع بالمقارنة مع ضعف وتمزّق الحركة الوطنية الفلسطينية وكانت الدول العربية التي استقلّت حَديثاً (العراق والأردن ومصر وسورية ولبنان) هشّةً ومصابة بالتمزق والخلافات الحقودة، وكان على الفلسطينيين النضال في طموحاتهم المتنافِسة والمتصارعة، كان الملك عبد الله في نزاعٍ تنافسي على الفلسطينيين مع الملك فاروق في مصر والملك عبد العزيز في السعودية، وخاضَ زعماءٌ عرب آخرون أحياناً مفاوضات معقدة غامضة سرية مع الحركة الصهيونية لم تكن غالباً في مصلحة الفلسطينيين.

في الوقت نفسه استمر كثيرٌ من الزعماء العرب في الاعتماد على علاقات شخصية مع مستشارين بريطانيين لا يمكن الاعتماد عليهم على الرغم من اضمحلال القوة البريطانية، اعتَمَد الملك عبد الله في الأردن وأخوه الملك فيصل في العراق والمَلك عبد العزيز آل سعود على مسؤولين بريطانيين حاليين أو سابِقين.