ملفات وتقارير

"الحرب على الطاولة".. لماذا يصعّد نتنياهو ضد السلطة الفلسطينية رغم دورها الأمني؟

شدد نتنياهو على عزمه عدم السماح للسلطة الفلسطينية بالعودة إلى قطاع غزة- الأناضول
يواصل رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، تصعيد لهجته الهجومية على السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة، في وقت يتواصل فيه العدوان الوحشي على قطاع غزة، في خطوة أشار مراقبون تحدثوا لـ"عربي21" إلى أنها تهدف إلى فتح مواجهة شاملة ضد الشعب الفلسطيني، من أجل خدمة أهداف الحكومة اليمينية الأكثر تطرفا في تاريخ "إسرائيل"، الرامية لتصفية القضية الفلسطينية.

وقال نتنياهو خلال مشاركته في جلسة للجنة الخارجية والأمن في الكنيست الإسرائيلي، إنه يستعد لاحتمالية الحرب مع السلطة الفلسطينية، مكررا تعهده بمنع تولي السلطة في رام الله مسؤولية إدارة قطاع غزة عقب انتهاء العدوان المتواصل.

وساوى رئيس الحكومة اليمينية المتطرفة بين اتفاق أوسلو وما حصل في السابع من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، لافتا إلى أنها كارثة أسفرت عن نفس عدد القتلى الإسرائيليين الذين لقوا حتفهم في معركة "طوفان الأقصى".

وأضاف أن اتفاقات أوسلو "كانت أكبر خطأ ارتكبته إسرائيل"، مشيرا إلى أن "كلا الطرفين (حماس والسلطة) من المجتمع الفلسطيني يريد بشكل أساسي القضاء على إسرائيل".

واعتبر نتنياهو أن "الفرق بين حماس والسلطة الفلسطينية هو أن حماس تريد تدميرنا هنا والآن، أما السلطة الفلسطينية فتريد أن تفعل ذلك على مراحل".

وزعم أنه الوحيد القادر على إبقاء قطاع غزة تحت السيطرة العسكرية بعد انتهاء الحرب دون السماح للسلطة الفلسطينية بالعودة إلى إدارته، وهو ما يتعارض مع الرؤية الأمريكية المعلنة لمرحلة ما بعد انتهاء الحرب، التي تقوم على افتراض أن الاحتلال سينجح بالقضاء على حركة المقاومة الفلسطينية "حماس"، رغم الخسائر الكبيرة التي يتكبدها على أيدي مقاتلي المقاومة منذ بدء العدوان قبل 67 يوما.

وفيما بدا تحولا لافتا في الخطاب الأمريكي، جدد الرئيس الأمريكي جو بايدن دعوته لتبني حل الدولتين، داعيا نتنياهو إلى تغيير حكومته "الأكثر تطرفا" من أجل ضمان حل طويل الأمد للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.


وأضاف أن على نتنياهو القيام بتحركات لتعزيز السلطة الفلسطينية وتقويتها، موضحا أن هذا الأخير لا يمكنه الحديث عن عدم وجود دولة فلسطينية على الإطلاق في المستقبل.

وفي حين دعا إلى توحيد الإسرائيليين بطريقة تقود إلى اختيارهم حل الدولتين، شدد بايدن على أن وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال إيتمار بن غفير ورفاقه لا يريدون أي شيء له علاقة بحل الدولتين يريدون الانتقام فقط ومن جميع الفلسطينيين.

التنسيق الأمني وشرعية السلطة المقوضة
تنعكس تصريحات نتنياهو ووزراء حكومته المتطرفين ضد السلطة الفلسطينية، على الأرض بشكل متواصل منذ بدء العدوان الوحشي على قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، حيث يشن جيش الاحتلال حملات اقتحام واعتقالات واسعة بوتيرة يومية في عموم مدن الضفة الغربية المحتلة، أسفرت عن استشهاد واعتقال آلاف الفلسطينيين.

ورغم التصعيد على الصعيدين الميداني والسياسي ووضع نتنياهو سيناريو الحرب على الطاولة، فإن السلطة الفلسطينية لم تعلن تعليق التنسيق الأمني مع الاحتلال، الذي يعدّ سلاحا فلسطينيا في يد الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ضد المقاومين والشعب الفلسطيني في الضفة الغربية المحتلة.

ويرى مراقبون أن استمرار السلطة الفلسطينية بالتنسيق الأمني مع الاحتلال رغم العدوان الوحشي المتواصل على غزة، الذي أسفر عن مجازر ومذابح مروعة بحق الشعب الفلسطيني فضلا عن الانتهاكات المتصاعدة وحصيلة الشهداء المرشحة للارتفاع بشكل يومي في الضفة، يقوض شرعية السلطة الفلسطينية التي تعدّ الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني أمام المجتمع الدولي.

وبالعودة إلى اتفاقيات أوسلو التي يصفها نتنياهو بالكارثة، فإنه لم يبق شيء من الاتفاقية التي أسست لقيام السلطة الفلسطينية سوى ورقة التنسيق الأمني، التي تشهرها دولة الاحتلال في وجه النظام الذي يترأسه محمود عباس لضمان أمنه وبقائه.

من جانبها، دعت حركة "حماس" السلطة الفلسطينية وأجهزتها إلى تجاوز مفاعيل اتفاقيات أوسلو، ووقف كافة أشكال التنسيق الأمني مع الاحتلال، والانتقال إلى مربع المقاومة الشاملة، وحشد كافة الطاقات لمواجهة الاحتلال وقطعان مستوطنيه، حتى تحرير الأرض والمقدسات، وتحقيق تطلعات شعبنا بانتزاع حقوقنا الوطنية كاملة من احتلال لا يفهم إلا لغة القوة.

جاء ذلك في بيان أصدرته الحركة عقب تصريحات نتنياهو، التي أشار فيها إلى جهوزية جيش الاحتلال لمهاجمة السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية في الضفة الغربية.

واعتبر البيان أن تصريحات نتنياهو "تؤكد نوايا الاحتلال الرامية لاستهداف شعبنا الفلسطيني، سواء في غزة أو الضفة، وبأنه لا يكترث حتى بمن قبل بالتسوية السياسية معه، وبأنه يسعى لترسيخ الاحتلال في أراضينا المحتلة، وفي مقدمتها القدس والمسجد الأقصى".

الباحث في الشؤون الإسرائيلية صلاح الدين العواودة، رأى أن سبب عدم تراجع السلطة الفلسطينية عن التنسيق الأمني يرجع إلى سعيها لتجنب إثارة غضب الولايات المتحدة والاحتلال من أجل الحفاظ على الشرعية الأمريكية.

وأشار العواودة في حديثه لـ"عربي21"، إلى أن السلطة تدرك خطورة المرحلة من جهة وتحاول الاستثمار فيها من جهة أخرى، وتعلم أن حكومة نتنياهو و إيتمار بن غفير تتربص بهم بدرجة لا تقل عن تربصها بحركة المقاومة الإسلامية "حماس".

وأوضح أن كافة خيارات السلطة الفلسطينية "سيئة جدا"، لافتا إلى أن الضرر عليها متحقق بكل الأحوال، بمعنى أنه "إذا انتصرت المقاومة فهي نهاية فتح والسلطة، وإذا انتصر نتنياهو فهم كما باقي الشعب الفلسطيني سيدفعون الثمن"، بحسب تعبيره.

وشدد على أن تراجع السلطة الفلسطينية عن التنسيق الأمني يعجل في نهايتهم، واستمرارها فيه لن يشفع لها عند اليمين الصهيوني المتطرف.

مواجهة شاملة مع الفلسطينيين
ومع استمرار حربه المدمرة على قطاع غزة بهدف القضاء على حركة حماس، يفتح نتنياهو حربا موازية على الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، محولا مدنها إلى ساحة معركة مفتوحة ضد المدنيين.

ويواصل الاحتلال تصعيد عدوانه على الفلسطينيين في مدن الضفة الغربية المحتلة، بالتوازي مع حربه البربرية المدمرة على قطاع غزة، ما أسفر عن ارتقاء أكثر من 278 شهيدا منذ بدء معركة "طوفان الأقصى". 

ووفقا لآخر بيانات نادي الأسير الفلسطيني، ارتفع عدد حالات الاعتقال بحق الفلسطينيين إلى أكثر من 3700 منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وهذه الحصيلة تشمل من جرى اعتقالهم من المنازل، وعبر الحواجز العسكرية، ومن اضطروا لتسليم أنفسهم تحت الضغط، ومن احتجزوا كرهائن.

تأتي الانتهاكات الإسرائيلي المتصاعدة، مصحوبة بتصريحات متتالية من نتنياهو وأعضاء حكومته اليمينية المتطرفة، تهدف إلى تصعيد التوترات في الضفة الغربية المحتلة، في خطوة تتماشى مع الأهداف الرئيسية الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية بشكل كامل.

إلى ذلك، قال الباحث في العلاقات الدولية محمود علوش، إن التصعيد الإسرائيلي ضد السلطة الفلسطينية اليوم يعكس أمرين مهمين، الأول أن نتنياهو يسعى لتوسيع رقعة المواجهة اليوم إلى مواجهة شاملة مع الفلسطينيين مع الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهذه المواجهة تنسجم مع الاعتقاد السائد لدى إسرائيل التي تديرها أكثر الحكومات تطرفا في تاريخها، بأن حرب السابع من أكتوبر فرصة لتصفية القضية الفلسطينية من خلال إخراج غزة من معادلة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي فضلا عن محاولة خلق واقع ديمغرافي جديد في الضفة الغربية عبر زيادة النشاط الاستيطاني.

وأضاف علوش في حديثه لـ"عربي21"، أن الأمر الثاني هو أن نتنياهو يسعى من خلال هذا التصعيد إلى قطع الطريق على أي دور مستقبلي للسلطة الفلسطينية في قطاع غزة، لاسيما وأن الولايات المتحدة تعمل اليوم على ترتيبات من شأنها أن تعيد السلطة إلى إدارة غزة في مرحلة ما بعد الحرب، موضحا أن السبب الرئيسي في ذلك هو أن نتنياهو يرى أن عودة السلطة، وما يعنيه ذلك من تشكيل كيان سياسي فلسطيني موحد يدير الضفة الغربية والقطاع، يجعل من الصعب على "إسرائيل" أن تتهرب من استحقاق عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين التي من شأنها أن تؤدي إلى تحقيق حل الدولتين.

وفي حين أشار إلى أن الوضع الأمني في الضفة الغربية لا يشكل تهديدا لإسرائيل في الوقت الراهن، لأن السلطة الفلسطينية تقوم بدورها في ضبط الأمن في الضفة، وهو ما يناسب "تل أبيب" بشكل كامل، بيّن علوش أن الهدف الأساسي من تصعيد نتنياهو ضد السلطة اليوم، هو الانسجام الكامل مع أجندة الحكومة اليمينية المتطرفة التي تسعى لتصفية القضية الفلسطينية تماما.

ولفت إلى أنه رغم عدم وجود مخاوف إسرائيلية من أن يكون هناك اضطراب واسع النطاق في الضفة، إلا أن "إسرائيل" تسعى إلى استغلال حرب السابع من أكتوبر من أجل خلق واقع ديمغرافي جديد في الضفة الغربية عبر محاولات تسريع وتيرة النشاط الاستيطاني وتهجير الفلسطينيين من بعض مناطقها لاسيما المنطقة "ج".

وكانت اتفاقية "أوسلو الثانية" عام 1995، صنفت أراضي الضفة الغربية المحتلة إلى ثلاث مناطق: "أ" تخضع لسيطرة فلسطينية كاملة، و"ب" تخضع لسيطرة أمنية إسرائيلية ومدنية وإدارية فلسطينية، و"ج" تخضع لسيطرة مدنية وإدارية وأمنية إسرائيلية، وتشكل الأخيرة نحو 60 بالمئة من مساحة الضفة.

وذكر علوش في حديثه لـ"عربي21" إلى أن هناك قناعة متزايدة لدى الأطراف الإقليمية والدولية التي تريد الحفاظ على السلطة الفلسطينية، بعد العدوان على قطاع غزة، بأن هذه السلطة لا يمكن أن تستمر من دون أن يكون هناك إعادة تشكيل لها من جديد، وذلك بما يتماشى مع المشروع الأمريكي الذي يسعى إلى تحويل أحداث السابع من أكتوبر إلى فرصة من أجل إطلاق عملية سلام جديدة بين الفلسطينيين والإسرائيليين،

كما أوضح أن ما يهم نتنياهو في هذه المرحلة ليس إعادة تشكيل السلطة الفلسطينية، بل إشعال مواجهة شاملة مع الفلسطينيين من أجل تصفية القضية الفلسطينية وإطالة هذه الحرب قدر الإمكان كي يتمكن من تحقيق الأهداف الكبيرة للاحتلال، والتي تتماهى مع "إسرائيل" التي تديرها اليوم أكثر الحكومات اليمينية تطرفا.

ويواصل الاحتلال الإسرائيلي عدوانه الوحشي على قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، مخلفا مجازر مروعة بحق المدنيين، خصوصا الأطفال والنساء منهم. 

وارتفعت حصيلة ضحايا العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة إلى أكثر من 18 ألف شهيد، جلهم من النساء والأطفال، فيما بلغ عدد الجرحى حوالي 50 ألف مصاب بجروح مختلفة، بحسب مصادر فلسطينية.