كتاب عربي 21

موسم الرياض السياسي

مرحلة جديدة في السياسة السعودية في اليمن- وكالة سبأ
في منتصف الشهر الحالي وفي زحمة انشغال العالم بالعدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة، أُعيد النقاش في ملف اليمن الذي دخل مرحلة جمود لا تحركه سوى المناوشات والاشتباكات الدائرة عند خطوط التماس في الجبهات، من خلال لقاء أجراه وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان مع رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي، وبحث على وجه الخصوص "التعاون والتنسيق بشأن خارطة الطريق بين الأطراف اليمنية، للتوصل إلى حل سياسي شامل لإنهاء الأزمة اليمنية تحت إشراف الأمم المتحدة".

يثير الاهتمام هذا المستوى المنخفض من التعاطي السعودي مع القادة اليمنيين، فقبل لقاء الأمير مع مجلس القيادة كان السفير السعودي محمد آل جابر قد وضع، في اجتماع مطول، رئيس وأعضاء المجلس أمام ما تريد السعودية إمضاءه خلال المرحلة المقبلة، ويتركز تحديداً حول تفاهمات تنهي الصفة الحربية للتدخل السعودي في اليمن وتدفع الأطراف إلى حوار تديره الأمم المتحدة، وليس له سقف زمني ولا يحتكم إلى ضوابط رادعة. وهي استراتيجية يعمل الحوثيون في الجانب الآخر على استغلالها بكل ما أوتوا من قوة وبإسناد إيراني كامل، وهم على يقين بأن هذه اللحظة ينبغي ألا ترسم فقط النهاية السعيدة للتدخل السعودي، بل ينبغي أيضاً أن تحقق نتيجة مجيدة للانقلاب الحوثي الذي يتصل اليوم بواحدة من أقدس المعارك العربية والإسلامية وهي معركة طوفان الأقصى.
يثير الاهتمام هذا المستوى المنخفض من التعاطي السعودي مع القادة اليمنيين، فقبل لقاء الأمير مع مجلس القيادة كان السفير السعودي محمد آل جابر قد وضع، في اجتماع مطول، رئيس وأعضاء المجلس أمام ما تريد السعودية إمضاءه خلال المرحلة المقبلة، ويتركز تحديداً حول تفاهمات تنهي الصفة الحربية للتدخل السعودي في اليمن وتدفع الأطراف إلى حوار تديره الأمم المتحدة، وليس له سقف زمني ولا يحتكم إلى ضوابط رادعة

بدا الحدث اليمني، على أهميته، وكأنه فقرة هامشية في "موسم الرياض" الذي احتشد فيه زعماء الدول الأفريقية والإسلامية والعربية ليحيوا بعض الفقرات السياسية، ويعقدوا اجتماعات هدف إحداها استكشاف مجال النفوذ السعودي في القارة الأفريقية، وهو جزء من طموح كبير لولي العهد السعودي لتحويل بلاده إلى محرك للسوق العالمية، فيما لم تنتج القمة العربية الإسلامية التي انعقدت في الحادي عشر من هذا الشهر وبمشاركة (57) دولة، موقفاً حاسماً ورادعاً للعدوان الصهيوني على قطاع غزة والضفة الغربية، يليق بمكانة وتأثير هذه الدول.

كما لم تنجح الرياض في استثمار ثقلها الجيوسياسي والاقتصادي والديني في إنتاج حلول حقيقية وفعالة لقضايا المنطقة، وفي المقدمة منها قضية فلسطين وحرب اليمن والأزمات المستديمة في كل من سوريا وليبيا ولبنان، بقدر ما انشغل منظموها في إبراز قدرة الرياض على تنظيم قمم بمعايير دولية، وخدمات لوجستية وفندقية ممتازة.

وفيما بدا أنه تفاعل مع التطورات التي أعلن عنها في الرياض بشأن التفاهمات اليمنية، أقر الحوثيون وعلى لسان أحد قادتهم بأن اتفاقاً مبدئياً قد تم بالفعل مع الرياض، ويتكون من شق إنساني وآخر اقتصادي، وأنه سيفضي إلى مرحلة سياسية جديدة ستحتم على اليمنيين الذهاب إلى حوار ندّي دون وصاية من أي طرف خارجي، على نحو يشي بأن جهود تنشيط محادثات السلام اليمنية تأسيساً على خطوات بناء الثقة الإنسانية والاقتصادية؛ لا تزال تعترضها عقباتٌ أهمها أن الحوثيين مصرون على الذهاب إلى هذه المحادثات بثقلهم العسكري والمادي وبمكاسبهم المعنوية الآتية من انخراطهم المثير للجدل في معركة طوفان الأقصى، وليست لديهم أية نية لتقديم تنازلات تبرهن على استعدادهم الحقيقي للقبول بإرادة الشعب اليمني.

يبدو أن موضوع صرف المرتبات بات أمراً محسوماً، وسيكون بوسع الحوثيين وبقية المليشيات التي تتقاسم، تحت رعاية التحالف، السيطرة على الجغرافيا اليمنية تأمين نفقاتها التشغيلية من المواراد السيادية، التي ستكون سيطرة السلطة الشرعية عليها سيطرة رمزية لا أكثر، فيما يندفع الجميع نحو تأسيس واقع جديد، تتعاظم فيه فرص جر البلاد إلى التقسيم وإلى المزيد من الفوضى، خصوصاً أن الالتزامات الأخرى كرفع الحصار على المدن وإعادة توحيد العملة، وتوحيد الرسوم الجمركية؛ ليس هناك ضمانات لإنفاذها، ما يعني أننا أمام تحدي الرسوخ القهري لنفوذ المليشيات وسطوتها على اليمنيين لفترة غير محددة.

ها هي السعودية تنهي هذا التدخل بنتائج تعمق أزمة اليمن وتوسع خطوط الصدع بين المشاريع السياسية المصطنعة وتطلق العنان للطموحات الطائفية لبعض أسوأ اللاعبين الداخليين، لتنصرف هي كما تزعم إلى الانشغال بطموحاتها الاقتصادية وتعزيز مكانتها الدولية، وهي لعمري وصفة تفتقد إلى الحس الاستراتيجي وترسخ الاعتقاد بطغيان الضغينة العشائرية على سلوكها السياسي كدولة
قد تبدو السعودية أكثر استعداداً من ذي قبل لنقل الملف السياسي إلى الأمم المتحدة، والتحلل من تبعات تدخلها العسكري، مع الإبقاء على قوة نفوها على الداخل اليمني الذي ستمارسه دونما حاجة إلى نوع من الالتزامات المعلنة، لكن لا يزال الحوثيون يحشرون الجانب السعودي في زاوية ضيقة من خلال إعادة فرض مسألة التعويضات، كثمنٍ مناسبٍ لتحولهم إلى مجرد وسيط في الأزمة اليمنية، وهو توجه ينطوي على قناعة بأن هذه الجماعة هي من يسيطر على اليمن المفيد وهي لهذا السبب ستكون المعنية حتماً بجلب هذه التعويضات واستخدامها وإعادة توجيهها، وليس أي طرف آخر.

لقد أحاطت السعودية تدخلها العسكري على رأس حلف عربي بقدر كبير من الغموض، ويكفي أن الحكومة الشرعية لم تكن تمتلك طيلة السنوات الماضية من زمن الحرب، ترف التأثير على حلفائها أو توجيه طاقاتهم العسكرية نحو الأهداف التي تعهدت السلطة بتحقيقها، وفي المقدمة منها دحر الانقلاب واستعادة الدولة وإعادة فرض الدستور والقانون. وها هي السعودية تنهي هذا التدخل بنتائج تعمق أزمة اليمن وتوسع خطوط الصدع بين المشاريع السياسية المصطنعة وتطلق العنان للطموحات الطائفية لبعض أسوأ اللاعبين الداخليين، لتنصرف هي كما تزعم إلى الانشغال بطموحاتها الاقتصادية وتعزيز مكانتها الدولية، وهي لعمري وصفة تفتقد إلى الحس الاستراتيجي وترسخ الاعتقاد بطغيان الضغينة العشائرية على سلوكها السياسي كدولة.

twitter.com/yaseentamimi68