قضايا وآراء

"مشروع تجريم التطبيع" ورهانات الحكم في تونس

هل ما زال التطبيع خيانة بنظر قيس سعيد؟- جيتي
تصدير: "رئيسُ الجمهورية أكّد لي بالحرف الواحد -بحضور نائبَي رئيس البرلمان- أنّ مقترح قانون تجريم التطبيع سوف يضر بالمصالح الخارجية لتونس، وأنّ هذا القانون يدخل في خانة الاعتداء على أمن الدولة الخارجي، وأنّ هذا الموضوع اتخذ طابعا انتخابيا لا أكثر ولا أقل. هذا موقف رئيس الجمهورية. وعاهدت نفسي أن أكون أمينا معكم" (الأستاذ إبراهيم بودربالة، رئيس البرلمان التونسي).

لعلّ من أهم ما رجّح كفة المرشح قيس سعيد في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية هو تلك الصرخة التي أنهى بها المناظرة التلفزية مع خصمه نبيل القروي وكررها ثلاثا: "التطبيع خيانة عظمى". وكان ممّا زاد من تأثير ذلك الشعار في نوايا التصويت هو ظهور فيديو لمنافسه يؤكد تواصله مع جهات "صهيونية" قصد التأثير في نتائج الانتخابات. لقد استطاع "الخبير الدستوري" قيس سعيد بهذا الشعار أن يحسم الانتخابات لصالحه بعد أن مسّ الوجدان الشعبي التونسي المناصر لفلسطين، كما استطاع أن يُرسّخ صورته باعتباره "مصلحا". فمن تجرّأ -ولو خطابيا- على "سادة العالم" اقتصاديا وإعلاميا لن يهاب وكلاءهم في منظومة الفساد بتونس. ولكنّ الرئيس لم يُحوّل وعده بتجريم التطبيع إلى نص قانوني، ولم يطرح مبادرة تشريعية في هذا الغرض قبل 25 تموز/ يوليو 2021 -أي قبل تاريخ الانقلاب أو "تصحيح المسار"- على الرغم من أن دستور ٢٠١٤ يُعطي لرئيس الجمهورية الأولويةَ في عرض مشاريع القوانين على البرلمان.

بصرف النظر عن تركيبة مجلس النواب الذي تسيطر عليه المنظومة القديمة وحلفاؤها في اليسار الوظيفي (بشقيه القومي والماركسي)، فإن مراكز القرار في أغلب الأجهزة -بما فيها وزارة الخارجية- ما زالت خاضعة لورثة المنظومة الشيو-تجمعية المُطبّعة مع الكيان الصهيوني

ليس يعنينا في هذا المقال أن نحاجج أنصار الرئيس في عدم جديته في "تجريم التطبيع"، بحكم الدلائل المعارضة لهذه الدعوى سواء في السياسات الداخلية أو في العلاقات الإقليمية والدولية، وليس هدفنا أيضا أن نبرهن على أن موضوع تجريم التطبيع كان قد اتخذ "طابعا انتخابيا لا أكثر ولا أقل" عند الرئيس ذاته قبل غيره من النواب القوميين الذين يقفون وراء المبادرة البرلمانية الحالية. فغاية هذا المقال هي البرهنة على وجود تعارض جوهري أو صراع غير معلن بين المواقف الشخصية للرئيس (وهي مواقف غير ملزمة للدولة وأجهزتها واقعيا) وبين الموقف الرسمي للدولة التونسية. وهي فرضية نُرجحها على فرضية "تقاسم الأدوار" بين الرئيس وباقي الأجهزة الرسمية، وذلك لإيماننا بوجود اختلافات حقيقية بين الرئيس ومشروعه وبين المنظومة القديمة وخياراتها الكبرى، رغم علاقة "التعامد الوظيفي" بينهما قبل 25 تموز/ يوليو 2021 وبعده.

بصرف النظر عن تركيبة مجلس النواب الذي تسيطر عليه المنظومة القديمة وحلفاؤها في اليسار الوظيفي (بشقيه القومي والماركسي)، فإن مراكز القرار في أغلب الأجهزة -بما فيها وزارة الخارجية- ما زالت خاضعة لورثة المنظومة الشيو-تجمعية المُطبّعة مع الكيان الصهيوني. فالمندوب الدائم لتونس لدى الأمم المتحدة هو السيد طارق الأدب الذي أثار تعيينه جدلا كبيرا في أوساط النخب المناهضة للتطبيع. فقد أكد السيد هشام المرزوقي في مقال له على موقع أنباء تونس (كابيتاليس) بتاريخ 15 أيلول/ سبتمبر 2020 أن تعيينه هو استمرار للتطبيع من بوابة الأمم المتحدة، ذلك أن السيد طارق الأدب هو من عوّض السيد خميس الجهيناوي في رئاسة "مكتب تمثيل المصالح التونسية في إسرائيل" لمدة سنة، استنادا على المراسلات الرسمية لوزارة الخارجية.

ولا شك في أن السؤال الذي يفرضه السياق الحالي هو التالي: إذا لم يكن تعيين هذا الديبلوماسي "المطبّع" خيارا رئاسيا "حرّا" -أي كان نتيجة توازنات القوة بين الرئيس والمنظومة الحاكمة زمن التعيين، أي قبل "تصحيح المسار"- فلماذا يحافظ عليه الرئيس إلى حدّ الآن ولا يحاول استثمار "طوفان الأقصى" لتحرير الديبلوماسية وغيرها من وجوه التطبيع و"الفرنكفونية"؛ باعتبارهم "وجهين لعملة واحدة"، وباعتبارهم أهم عائق أمام دعم المقاومة في الخارج وأمام مشروع التحرير الوطني في الداخل؟

القول بأن الرئيس التونسي هو مجرد واجهة جديدة للمنظومة القديمة أو للنواة الصلبة للحكم قبل الثورة وبعدها (المُركّب المالي- الأمني- الجهوي) هو قول مجانب للصواب، ومثلُه إنكار وجود علاقة "تعامد وظيفي" بين الرئيس وتلك المنظومة. إننا واقعيا أمام علاقة اعتماد متبادل أو التقاء موضوعي وتبادل مصالح، ولكنّ الإشكال يُطرح عند محاولة البحث في طبيعة تلك العلاقة: هل هي علاقة تكتيكية ومؤقتة أم هي علاقة استراتيجية ودائمة؟

إنّ القول بأن الرئيس التونسي هو مجرد واجهة جديدة للمنظومة القديمة أو للنواة الصلبة للحكم قبل الثورة وبعدها (المُركّب المالي- الأمني- الجهوي) هو قول مجانب للصواب، ومثلُه إنكار وجود علاقة "تعامد وظيفي" بين الرئيس وتلك المنظومة. إننا واقعيا أمام علاقة اعتماد متبادل أو التقاء موضوعي وتبادل مصالح، ولكنّ الإشكال يُطرح عند محاولة البحث في طبيعة تلك العلاقة: هل هي علاقة تكتيكية ومؤقتة أم هي علاقة استراتيجية ودائمة؟

إن إصرار الرئيس على عدم تكوين "حزب" ورفضه التماهي مع أية أيديولوجيا نسقية قد دفعا به في الفترة الماضية إلى تحويل أجهزة الدولة إلى "حزب حاكم". وهذا "الحزب" ليس على قلب رجل واحد، فهو يجمع مصالح مادية ورمزية لمراكز نفوذ محلية وإقليمية ودولية مختلفة. ولكنّ تلك المراكز على اختلافها تشترك في أنها تحمي مصالح "أصحاب القضايا الصغرى"، أي أولئك الذين يُقدّمون المصلحة المادية على القيمة أو المبدأ أو "القضايا الكبرى".

إن أغلب مكونات المنظومة الحاكمة حاليا هي -موضوعيا- عدوّ للسردية الرئاسية بشقيها الداخلي (التحرير الوطني) والخارجي (مناصرة فلسطين ورفض التطبيع] على حد سواء. ولا شك في أن الانطلاق من فرضية أن العلاقة بين الرئيس والمنظومة هي علاقة مؤقتة، سيجعلنا نستشرف صداما مؤكدا بينهما حال "نجاح" المشروع السياسي للرئيس بعد انتخابات مجلس الأقاليم والجهات. ونحن لا نعني بالنجاح هنا فقط "تصعيد" موالين للرئيس وفشل المنظومة في تصعيد أبنائها كما فعلت في مجلس النواب الحالي، بل نعني أيضا ضمان نسبة مشاركة شعبية واسعة بتقنين تجريم التطبيع، وهو ما سيجعل الرئيس يستعيد شرعيته ومشروعيته أمام خصومه السياسيين ويُقوّي موقعه التفاوضي أمام "حلفائه" الحاليين في منظومة الحكم.

أما لو افترضنا أن العلاقة بين الرئيس والمنظومة هي علاقة استراتيجية، فإننا سنجد أنفسنا أمام إشكالات كثيرة. فإذا كان غياب "الأجسام الوسيطة" -خاصة الأحزاب- واستواء النظام الرئاسي على سوقه؛ سيعطيان حرية أكبر لمكونات "النواة الصلبة" لمنظومة الحكم للتحرك بعيدا عن الرقابة والمؤسسات ومنطق لا مركزية القرار وتعدد السلطات، فإن هذا الوضع سيُلغي الحاجة إلى الرئيس ذاته. فبقاء الرئيس وسرديته السياسية "الإصلاحية" يشترط استمرار مشروعيته، أي ثبات قاعدته الشعبية التي تحول دون التخلي عنه.

ولا شك في أن "مشروعية الإنجاز" ستستدعي بالضرورة القيام بإصلاحات داخلية -في المستوى الاقتصادي وآليات إنتاج الثروة وتوزيعها- ستمس من مصالح النواة الصلبة للحكم، أما عدم القيام بها فهو يعني فقدان الرئيس لمشروعيته وبالتالي انتفاء حاجة المنظومة إليه لفقدانه الدعم الشعبي. وهي قاعدة تصح أيضا على المواقف الخارجية لتونس. فالذهاب في مشروع تجريم التطبيع، يعني خسارة المنظومة لأهم حلفائها الإقليميين والدوليين (محور التطبيع والثورات المضادة، فرنسا، الجهات الدولية المانحة.. الخ)، وهي خسارة لا يمكن احتمالها سياسيا ولا اقتصاديا ولا ثقافيا.

ولو شئنا صياغة ما تقدم بصورة أخرى فإننا سنقول بأن الفرضية الوحيدة التي يمكن أن يبقى فيها الرئيس فاعلا مركزيا في المستقبل هي أن تكون علاقته بالمنظومة علاقة مؤقتة، وأن يكون دعمه للمقاومة موقفا مبدئيا وليس مجرد "مزايدة انتخابية". فلا الدستور ولا إعادة هندسة الحقل السياسي ولا النظام الرئاسوي ولا حتى "وضع اليد" على كل السلطات ستجعل الرئيس في مأمن من انتفاء الحاجة إليه إن فقد مشروعيته.

لعلّ مآل قانون تجريم التطبيع المعروض على البرلمان التونسي هو ما سيحدد المستقبل السياسي للرئيس؛ لأنه سيمثّل نقطة "القطيعة" بينه وبين مكوّنات المنظومة الفرنكفونية "المتصهينة" (منظومة الاستعمار الداخلي) وسيُهددها وجوديا؛ أكثر مما قد يفعل "مجلس الأقاليم والجهات" الذي قد يكون ذراعا جديدة من أذرع المنظومة القديمة ولوبيّاتها المالية والجهوية والأيديولوجية

ولا شك في أن الموقف من القضية الفلسطينية هو مكوّن هام من مكوّنات تلك الشرعية، بل هو المكوّن الأهم بعد فشل الوعود الاقتصادية وتصحّر الحياة السياسية. ولذلك فإن المنطق السياسي السليم يجعلنا نفترض أنّ ما نشاهده من "تناقضات" بين المواقف الشخصية للرئيس وبين مواقف "الدولة التونسية" ليس مجرد تناقض بين "موقف موجه للاستهلاك المحلي" (كما قالت رئيسة الوزراء الإيطالية في تفسير موقف الرئيس الرافض للمساعدة الأوروبية المرتبطة بملف الهجرة السرية)، وبين موقف رسمي موجه للخارج، بل هو انعكاس لموازين القوى بين الرئيس و"المنظومة" التي يرأسها، ولكنه لا يتحكم بعد في مراكز القوى المهيمنة عليها.

بصرف النظر عن "مبدئية" الرئيس في مناصرة فلسطين ومناهضة الصهيونية، فإن مصلحته السياسية تقتضي أن يذهب في هذا الخيار إلى الأقصى. ذلك أن التراجع عنه سيعني انتفاء حاجة المنظومة -وحلفائها الإقليميين والدوليين- إليه ولو بعد حين. إنه تقديرنا الشخصي للقضية، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه هو تقدير الرئيس لها.

ولعلّ مآل قانون تجريم التطبيع المعروض على البرلمان التونسي هو ما سيحدد المستقبل السياسي للرئيس؛ لأنه سيمثّل نقطة "القطيعة" بينه وبين مكوّنات المنظومة الفرنكفونية "المتصهينة" (منظومة الاستعمار الداخلي) وسيُهددها وجوديا؛ أكثر مما قد يفعل "مجلس الأقاليم والجهات" الذي قد يكون ذراعا جديدة من أذرع المنظومة القديمة ولوبيّاتها المالية والجهوية والأيديولوجية.

twitter.com/adel_arabi21