قضايا وآراء

هل تقدر قمةُ الجزائر على لمّ شمل العرب؟

1300x600
رفعت قمّة الجزائر منذ الإعلان عن تنظيمها شعار "لمّ الشمل"، ولم تكف الدبلوماسية الجزائرية عن تكرار الحديث عن المقومات التي لديها لجعل القمة الواحدة والثلاثين، المنتظر انعقادها يومي الأول والثاني من تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، مناسبة لترميم الحال العربي، وجمع شمل مكونات النظام العربي الذي بعيش حالة من التعقيد، والضعف والوهن، قلّ نظيرها قياسا لنظرائه من النظم الإقليمية في العالم.

لعل أبرز ما "تفتق به ذكاء القادة السياسيين والعسكريين في الجزائر"، حثّ الفصائل الفلسطينية واستمالة زعمائها إلى الاجتماع في الجزائر لرأب الصدع، والظهور أمام العرب والعالم موحدين، وأن الفضل للجزائر و"حيوية دبلوماسيتها" في تحقيق ما فشل فيه الكثير من بني جلدتها، بمن فيهم من يزعمون مقاومتهم للاستيطان الإسرائيلي. والحال أن قضية وحدة الفلسطينيين، مع الأسف، ظلت تتأرجح بين النجاح والفشل منذ عقود، وأن قبل الجزائر أطلقت مبادرات كثيرة لحث الفلسطينيين على المحافظة على وحدتهم الوطنية والتمسك بشرعية مؤسساتهم المشتركة.
ثمة اعتبارات موضوعية وأخرى ذاتية تجعل مطمح "لمّ الشمل"، الذي اعتمدته قمة الجزائر شعارها الأساس، صعب المنال ومستحيل التحقق في أرض الواقع
ثمة اعتبارات موضوعية وأخرى ذاتية تجعل مطمح "لمّ الشمل"، الذي اعتمدته قمة الجزائر شعارها الأساس، صعب المنال ومستحيل التحقق في أرض الواقع.

فمن جهة، لا تمتلك الدبلوماسية الجزائرية موضوعيا مقومات الحياد والتجرد وثقافة البحث عن المشترك العربي، بسبب اصطفافها السياسي والأيديولوجي، تمارسه بحرية وتتحمل مسؤولية تبعاته. فهي تقتسم العديد من التطلعات والمواقع مع إيران، ولا تتردد في التعبير عن ذلك علانية وبشكل مبطّن، علما أن إيران شكلت على الدوام أعقد القضايا بالنسبة لأمن النظام العربي واستقراره، والحقيقة ليس للعرب فقط بل بالنسبة للعالم في عمومه.

ويُضاف إلى ذلك عدم حياد الجزائر في ملفات حيوية بالنسبة للأمن الوطني لبعض الدول الوازنة في النظام العربي، كما هو حال مصر ونزاعها مع إثيوبيا حول استغلال منابع مياه النيل، فالجزائر أدارت ظهرها لهذه القضية الشائكة وربطت علاقات مع إثيوبيا، يستنتج منها بشكل واضح دعمها لهذه الأخيرة صراحة أو ضمنا.

ثم إن لمّ الشمل ورأب الصدع، وجمع العرب على أهداف واحدة، يشترط أولا امتلاك ثقافة حسن الجوار، وحسن تمثل القيم الدينية والتاريخية والإستراتيجية لإعمال العقل والحكمة مع الجار والقريب قبل البعيد. فالعلاقات الجزائرية المغربية في أسوأ أوضاعها، وجسور التواصل متقطعة على كل المستويات، ناهيك عن الممارسات غير اللائقة بما يجمع هذين البلدين من دين وتاريخ ومصير مشترك.

نذكّر بأن الحدود البرية بين البلدين ظلت مغلقة لمدة فاقت أربعين سنة، أي من أصل ستين عاما على استقلال الجزائر (1962-2022)، فُتحت الحدود البرية بشكل متقطع، لمدة لا تصل إجمالا للعشرين عاما.

أما الخسائر المادية فلا حصر لها، حيث قدّر البنك الدولي في إحدى دراساته السابقة أن كلفة عدم بناء المغرب الكبير، تتراوح ما بين 1 و2 في المائة من الناتج الخام الوطني لكل بلد من البلدان الخمسة المكونة لهذا الفضاء.

من الاعتبارات الذاتية، ما له صلة بالسلوكيات والمبادرات، والمواقف المعبر عنها، أي ما يمكن تصنيفه ضمن الحس السياسي والفلسفة أو المنهج الناظم لأعمال الدولة، ومن يتولى ممارسة السلطة والحكم باسمها. فالملاحظ في العلاقات المغربية الجزائرية أن ثمة عُقد مركبة دفينة، تمت تغذيتها باستمرار وانتظام، مفادها أن الجوار يجب أن يُبنى على نظرية الفارس الوحيد (Cavalier seul)، أي "بعدي فليأت الطوفان"، أو "من بعدي الطوفان" (âpres moi le déluge)، تلك العبارة الشهيرة المنسوبة إلى "مدام دي بومباردو"، عشيقة لويس الخامس، التي أرادت من خلالها رفع معنويا ملك فرنسا بعد معركة "روسياخ"، دون التفكير في العواقب الوخيمة والمؤلمة للهزيمة. وقد دأب "لويس الخامس" على تكرارها مرارا، حتى وهو يُعدّ ولي عهده "لويس السادس".

 لذلك، نكرر القول إن التعامل مع الجوار بمثل هذه المنهج يعوق بناء المشترك، ويساهم في تبديد قوة الدولة نفسها معتمدة هذا النمط من السلوكيات، والأخطر ينزع عنها القدرة على اكتساب التأييد الجماعي لمطمع "لمّ الشمل"، على أهميته ونبله.
اعتذر الكبار عن قمة الجزائر، ومن في درجتهم ممن سيحضرون ثمة علامات استفهام كثيرة عن مدى قدرتهم على التأثير في مخرجات الدورة الواحدة والثلاثين للقادة العرب

اعتذر الكبار عن قمة الجزائر، ومن في درجتهم ممن سيحضرون ثمة علامات استفهام كثيرة عن مدى قدرتهم على التأثير في مخرجات الدورة الواحدة والثلاثين للقادة العرب. أما اجتماع وزراء الخارجية العرب، وهو مطبخ قمة الرؤساء، فقد أنهى أشغاله بحصر قرابة العشرين نقطة (19 بندا)، ينتظر طرحها يومي الأول والثاني من تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، لمناقشتها والتداول في مضامينها، لاستخلاص ما يمكن استخلاص من نتائج وقرارات. أما أبرز هذه البنود، فخصّت تحديدا: القضية الفلسطينية، والأزمات في سوريا ولبنان واليمن، والحرب الروسية الأوكرانية، والإرهاب وتأثيره على المنطقة، والأمن الغذائي العربي، وأزمة الطاقة، والتدخلات التركية والإيرانية، وإصلاح الجامعة العربية.

لا يختلف اثنان على أن الملفات أعلاه من أعقد القضايا وأكثرها ضغطا على تماسك النظام العربي وفعالية أطرافه، وأن التئام القمة في ظل الواقع العربي الراهن وتباعد وجهات نظر بلدانه، لا يُقنع بإمكانية تحقق "لمّ الشمل" ولو في حدّه الأدنى، الاحتمال كبير أن تكون قمة غير مختلفة عن سابقاتها، مُضافا إليها نكهة خرق الأعراف والتقاليد القواعد المتراكمة والمألوفة في قمم الجامعة العربية من قبل الدولة المضيفة للاجتماع.