قضايا وآراء

تونس.. أي حاضر؟ وأي مستقبل؟ (2)

1300x600
يشكل غياب المعلومات عبئا على محاولات الكتابة عن تونس هذه الأيام، فما يحدث في القصر، بعد فضيحة خروج نادية عكاشة، صار سريا للغاية، وكثير من المعلومات التي نظنها حقيقية تبدو لنا في وقت ما أنها مجرد تكهنات لا أكثر. فالمنقلب لا يظهر في مؤتمرات صحافية، كما لا يوجد في القصر متحدث باسم الرئاسة، ولا يراه الشعب إلا وهو يقوم بزيارات لعائلات فقيرة أو استقبالها نوعا من "الشو الإعلامي". لتعزيز مكانته الاجتماعية الشعبوية، وهو ما لم يعد ينطلي على الناس، وكثيرون هم الذين يقولون بأنه يقلد عبد الفتاح السيسي في بعض مسرحياته المكشوفة والمضحكة.

ويكمن السر في امتناع المنقلب عن تنظيم مؤتمرات صحافية إلى كونه لا يمتلك مادة يتحدث بها وتكون مقنعة لثلاث جهات؛ الأولى: الشعب الذي حفظ عن ظهر قلب كل ما قاله مرات عدة، حتى لم يعد قادرا على سماع وعوده الكاذبة، وحديثه عن الفساد والاحتكار، والثانية: النخبة السياسية القادرة على تفنيد أكاذيبه لحظة بلحظة وكلمة بكلمة، والثالثة: الرأي العام العالمي الذي يتندر بأكاذيبه وأفعاله، بمئات المقالات التي تضج بها الصحافة الحرة. أما فيما يتعلق بالمتحدث الرسمي؛ فهو إلى جانب أنه لا يوجد ما يقوله، فإن قيس سعيد لا يثق بأحد، وقد نُمي إلى علم كثيرين توبيخه لمن يعملون حوله لتصريحات قاموا بها خارج الصندوق الأسود..

لكن ما هو واضح أن تونس في هذه الفترة الزمنية من عمر الانقلاب تقف على قدم واحدة، وأن قيس سعيد في أسوأ أحواله؛ لأنه يعلم أن أمره سينكشف قريبا، وسيصبح عرضة للشتم واللعن ممن ناصروه ووقفوا إلى جانبه، قبل مقاومي إجراءاته؛ فالتجارب علمت التونسيين ألا يثقوا بالشعارات الرنانة التي غلبت على الخطاب الرسمي العربي منذ منتصف القرن الماضي، حيث لم تعد الشعوب العربية ترى فيها غير السماجة وانعدام الفعل.
سيتبين لمن تبقى من مناصري سعيد قريبا أن الأخير لم يكن يعمل من أجل تونس والتونسيين، وأن انقلابه لم يكن أكثر من رغبة في الاستحواذ على السلطة، ذلك أنه سيخضع بالضرورة لشروط البنك الدولي

سيتبين لمن تبقى من مناصري سعيد قريبا أن الأخير لم يكن يعمل من أجل تونس والتونسيين، وأن انقلابه لم يكن أكثر من رغبة في الاستحواذ على السلطة، ذلك أنه سيخضع بالضرورة لشروط البنك الدولي، أو بشكل أدق لشروط الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك حين يتم رفع الدعم كليا أو جزئيا عن السلع التي كانت مدعومة، ولم تعد موجودة في الأساس، وهي الأكثر ضرورة وأهمية للتونسيين، وهذه السلع التي اختفت أو أصابها الارتفاع الجنوني هي: أنواع كثيرة من الأدوية الأساسية، السكر، الزيت، البن، السميد، الحليب، الأرز، المكرونا، دقيق القمح، الخبز، مشتقات البترول، إضافة إلى بعض أنواع السجائر، ومواد أخرى أقل أهمية تستعصي على العد في ظل تدهور القدرة الشرائية وهبوط سعر الدينار مقابل العملات الأجنبية.

وقد أسهمت علاقات المنقلب الجافة أو الملتبسة أو المشروطة بمحيطه الدولي والعربي في معاناة التونسيين من كارثة إنسانية تتفاقم شيئا فشيئا، ولا أظن أن الشعب التونسي سيكون قادرا على التعامل مع الأوضاع الجديدة، فالحال اليوم مع السلبيات الموجودة أفضل بكثير مما ستكون عليه في الأشهر القادمة، بعد تنفيذ شروط البنك الدولي القاسية.

ومن المعروف والمنظور والمتكرر أن الأنظمة الدكتاتورية والانقلابية بكل أشكالها لا يمكن أن تنسجم مع مطالب الشعب، ولن تكون قادرة على إحداث نهضة من أي نوع، وخصوصا إذا كان المنقلب على شاكلة قيس سعيد الذي يفتقر إلى كثير من الوعي والثقافة السياسية، والذي وضع نصب عينيه إخضاع الجميع لإرادته أولا وقبل كل شيء، غير ملتفت بجدية حقيقية لتغيير الواقع الاجتماعي والاقتصادي للتونسيين، ملصقا كل عيب وعور بالمتآمرين على الوطن والناهبين لخيراته، دون أن يقوم بفعل شيء تجاه من يتهمهم؛ لأنه أعجز من أن يقف موقفا شجاعا تجاه هؤلاء فهو يرى أن استعداءهم سيكون بمثابة خسارة لشريحة يفترض أنها لا تناصبه العداء، لكنها حذرة منه، فإذا قام بمحاسبتها، ستصبح في صف المعارضة وربما تستقوي بالخارج.

إن إنقاذ تونس الذي أصم المنقلب آذاننا به، اتضح لنا أنه ليس أكثر من كذبة كبرى؛ فهو يسعى فقط لتمكين نفسه من وضع رئاسي يمنحه صلاحيات تشبه صلاحيات غيره من الرؤساء والملوك العرب، ليحس بأنه رئيس فرد يحكم ويرسم ويأمر ويمتلك سلطات تؤهله للتحكم في كل شيء.. إنها نزعة الاستقواء على مؤسسات الدولة وطبقتها السياسية، ليحرم الشعب من كل شيء، ابتداء من حريته، وانتهاء بلقمة خبزه..
إنني أتنبأ بسقوط هذا النظام قريبا، فحصوله على قرض البنك الدولي، يستلزم تسديد جزء كبير منه، وإنفاق ما تبقى على العجز الكبير في الميزانية؛ فماذا سيفعل من بعد؟ هل سيسعى لقرض آخر جديد؟ وكيف ستصبح حياة المواطنين بعد الغلاء القائم والذي سيزداد بوتيرة متسارعة


إن قيس سعيد اليوم عاجز عن المضي قدما في إجراءاته، ويحس بأنه أوقع نفسه في فخ تصرفاته الهوجاء، فما قام به حتى الآن، وما سيقوم به لاحقا، لن يقدم للتونسيين شيئا، وأن الكلام سيظل سيد ما عداه من الأفعال الإيجابية؛ ذلك أن الفردية المفرطة التي يتعامل بها مع كل شؤون البلد أوقعته في شر أعماله، فلا توجد دولة ناجحة على وجه الأرض تحكم من قبل شخص يقوم بكل الأدوار الرسمية والاجتماعية والاقتصادية بناء على تصوراته الشخصية، خصوصا في القرن الواحد والعشرين المشحون بالتناقضات والتعقيدات والعوائق والعقد، مما يجعل الفردية التي ينتهجها سعيد كسيحة في مواجهة هذا الواقع الصعب، وعاجزة عن مجاراة الأحداث المتسارعة محليا وإقليميا ودوليا..

إنني أتنبأ بسقوط هذا النظام قريبا، فحصوله على قرض البنك الدولي، يستلزم تسديد جزء كبير منه، وإنفاق ما تبقى على العجز الكبير في الميزانية؛ فماذا سيفعل من بعد؟ هل سيسعى لقرض آخر جديد؟ وكيف ستصبح حياة المواطنين بعد الغلاء القائم والذي سيزداد بوتيرة متسارعة كما لا يخفى على أحد؟

ينطبق على قيس سعيد المثل الشعبي القائل: "دجاجة حفرت على راسها عفرت"، لكن سعيد زاد على ذلك بأن عفر على رأسه ورأس الوطن الذي يحتضر..!!