كتاب عربي 21

مضار ومزايا رفع سعر الفائدة في مصر

1300x600

لكل قرار اقتصادي عادة مزاياه وسلبياته، ومن ذلك قرار البنك المركزي المصري برفع سعر الفائدة بنسبة 3 في المائة ما بين شهري آذار/ مارس وأيار/ مايو من العام الحالي، والذي يحسن من العوائد التي يحصل عليها أصحاب الودائع من البنوك، بما يخفف عنهم جزئيا من وطأة ارتفاع الأسعار في الأسواق، كما يزيد من أرقام أرباح البنوك.

لكن رفع الفائدة يزيد من الأعباء التمويلية للشركات الإنتاجية والخدمية، والتي تقوم بتحميل تلك الزيادة أو جانبا منها على المستهلكين، كما يقلل تنافسيتها في الأسواق التصديرية، كذلك يرفع التكلفة على التمويل غير المصرفي من قبل شركات التمويل غير المصرفي، سواء المختصة بالتمويل العقاري أو التمويل الاستهلاكي أو التمويل متناهي الصغر.

كما يزيد من أعباء فائدة الاقتراض الحكومي لسداد عجز الموازنة، ويسحب من تيار الاستثمار في البورصة ومن الاستثمار في العقار ومن الاستثمار في الذهب، مما يزيد من حدة الركود الموجود أصلا في الأسواق.

وإذا كانت هي المزايا والسلبيات لرفع الفائدة بأي مجتمع، فما هي انعكاسات ذلك على المجتمع المصري، في ضوء تكرار البنك المركزي لما فعله عامي 2016 و2017، حين رفع الفائدة من 9.25 في المائة أواخر عام 2015 حتى وصلت إلى 18.75 في المائة في تموز/ يوليو 2017، حيث قام المركزي المصري برفع الفائدة مرتين خلال العام الحالي بنسبة 3 في المائة، اتباعا لرفع بنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي الفائدة مرتين، وهو ما قامت بنوك مركزية عديدة بتقليده خاصة الدول التي تثبت سعر صرف عملتها بالدولار الأمريكي، ولذا يتوقع استمرار تكرار رفع الفائدة المصرية مع استمرار رفع الفيدالي الأمريكي الفائدة خلال العام الحالي.

يرى خبراء مصريون أنه إذا كان الفيدرالي الأمريكي قد قام برفع الفائدة لتقليل الطلب من جانب المستهلكين هناك لتقليل نسبة التضخم، فإن الحال في مصر مختلف عما هو في الولايات المتحدة، حيث تعاني الأسواق من ركود مع انخفاض القوة الشرائية، حتى لما قبل ظهور فيروس كورونا وزادت حدته بعد ظهور الفيروس

الواقع المصري مختلف عن الحالة الأمريكية

ويرى خبراء مصريون أنه إذا كان الفيدرالي الأمريكي قد قام برفع الفائدة لتقليل الطلب من جانب المستهلكين هناك لتقليل نسبة التضخم، فإن الحال في مصر مختلف عما هو في الولايات المتحدة، حيث تعاني الأسواق من ركود مع انخفاض القوة الشرائية، حتى لما قبل ظهور فيروس كورونا وزادت حدته بعد ظهور الفيروس. فرغم امتلاء المحلات بالعديد من أصناف الشركات المنتجة لللبن على سبيل المثال، فإن القليل من الأسر تستطيع شراء اللبن، ويتكرر ذلك مع سلع عديدة ضرورية لبناء أجسام الأطفال ولتوفير العناصر اللازمة للحفاظ على الصحة العامة.

ولذا يرى هؤلاء أن الحالة في مصر مختلفة عما هي في الولايات المتحدة، التي قدمت معونات مادية للأسر خلال فترة ذروة الفيروس وساهمت هناك في زيادة الطلب على السلع فارتفع التضخم، بينما الحالة مختلفة في مصر ولذا لا يرون رفع الفائدة حلا لمشكلة التضخم، بل إن خفض الفائدة في رأيهم أنسب للظروف المصرية، حتى تتوسع الشركات بالنشاط وتزيد من إنتاج السلع والخدمات، فيساهم ذلك في تخفيف حدة التضخم وتمتص جانبا من البطالة.

ويستشهدون على ذلك ببقاء معدل سعر الفائدة في دول منطقة اليورو صفر في المائة حتى الآن، رغم ارتفاع التضخم بتلك الدول، ويرون أن قيام البنك المركزي المصري برفع الفائدة بتلك النسبة الكبيرة سيكون على حساب الاستثمار، بل إنه يزيد من التضخم ولا يخفضه.

ويبرر البعض رفع المركزي المصري الفائدة بأنه يسعى لسحب السيولة من أيدي المستهلكين، فيقلل الطلب على السلع مما يهدىء من فوران الأسعار، كما أنه يسعى -كما ألمح محافظ البنك المركزي مؤخرا- لإيجاد هامش كبير بين معدل الفائدة على الودائع بالجنيه والودائع الدولار الأمريكي، مما يدفع بعض حائزي الدولار للتخلص منه بتحويله إلى الجنيه المصري، للاستفادة من فارق سعر الفائدة الكبير لصالح الجنيه. ففائدة الودائع الدولارية تقل عن الواحد في المائة وفائدة شهادات الادخار الدولارية 2.25 في المائة، بينما يمكن أن تصل على الجنيه إلى 11 في المائة، وبذلك يخفف المركزي الضغط على سعر الصرف.
لن تتحقق مزايا رفع الفائدة للمودعين في ضوء ارتفاع نسب التضخم الرسمية، والتي يرى الخبراء أنها أقل من الواقع، فقبل الزيادة الأخيرة لفائدة بنسبة 2 في المائة كان متوسط فائدة الودائع بالبنوك لمدة عام إلى عامين 4.5 في المائة ومن ثلاث سنوات إلى أكثر من سبع سنوات 6 في المائة، فإذا أضيفت لها الزيادة الأخيرة لتصل حتى إلى 8 في المائة، فإن معدل التضخم في شهر نيسان/ أبريل وصل إلى 14.9 في المائة بأنحاء البلاد

تضخم محلي يفوق فائدة 18 في المائة

لكن سعي المركزي المصري لتخفيف الضغط على سعر الصرف من خلال الفائدة المرتفعة التي وصلت إلى 18 في المائة، في بنكين حكوميين من بين 38 بنكا تعمل بالبلاد، وذلك للأفراد الطبيعيين فقط ولمدة عام، تقابله عودة السوق السوداء مرة أخرى بالنسبة للعملات الأجنبية. ورغم انخفاض فارق السعر بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية خلال الأسبوعين الأخيرين، فما زال الفارق في حدود 4 في المائة، ومن هنا يستطيع المضاربون في الدولار تحقيق عوائد أكبر خلال فترات وجيزة.

كذلك لن تتحقق مزايا رفع الفائدة للمودعين في ضوء ارتفاع نسب التضخم الرسمية، والتي يرى الخبراء أنها أقل من الواقع، فقبل الزيادة الأخيرة لفائدة بنسبة 2 في المائة كان متوسط فائدة الودائع بالبنوك لمدة عام إلى عامين 4.5 في المائة ومن ثلاث سنوات إلى أكثر من سبع سنوات 6 في المائة، فإذا أضيفت لها الزيادة الأخيرة لتصل حتى إلى 8 في المائة، فإن معدل التضخم في شهر نيسان/ أبريل وصل إلى 14.9 في المائة بأنحاء البلاد، كمتوسط بين معدل التضخم في الحضر البالغ 13.1 في المائة، ومعدل التضخم في الريف البالغ 16.8 في المائة.

وعادة ما تقوم الجهات الدولية بالتعامل مع معدل التضخم في المدن لأنها الأكثر سكانا، بينما في مصر يقيم في الريف حوالي 57 في المائة من السكان، ومن كل ما سبق فإن معدل سعر الفائدة للودائع في البنوك يقل كثيرا عن معدل التضخم، مما يعنى أن الفائدة الحقيقية سالبة، أي أنه حتى بعد إضافة الزيادة الأخيرة التي حدثت قبل أيام فما زال سعر الفائدة سلبيا.

وحتى مع فائدة شهادات الادخار في البنوك والتي عادة ما تكون أعلى، فقد كانت قبل الرفع الأخير للفائدة تتراوح ما بين 9.5 في المائة إلى 11 في المائة حسب المدة، وهكذا فإن بعد الزيادة تظل فائدتها الحقيقية باستبعاد التضخم منها سلبية.
عادة ما تقوم الجهات الدولية بالتعامل مع معدل التضخم في المدن لأنها الأكثر سكانا، بينما في مصر يقيم في الريف حوالي 57 في المائة من السكان، ومن كل ما سبق فإن معدل سعر الفائدة للودائع في البنوك يقل كثيرا عن معدل التضخم، مما يعنى أن الفائدة الحقيقية سالبة

وإذا كان البعض يقارن بين فائدة البنكين الحكوميين البالغة 18 في المائة والتضخم البالغ 14.9 في المائة، فإن هذا يفتح المجال لاستعراض نسب تضخم رسمية خلال الشهر الماضى تخطت فائدة البنكين الحكوميين، حيث بلغت الفائدة في ريف محافظة الأقصر 23.1 في المائة، وفي ريف محافظة الغربية 20.2 في المائة، وفي ريف محافظة الشرقية 20 في المائة، وفي ريف محافظة المنوفية 18.7 في المائة، وهي محافظات كبيرة السكان، كما بلغ معدل التضخم في مدن محافظة شمال سيناء 18.4 في المائة.

تقليص الاستثمارات الحكومية المُعلن عنها

وإذا كان سعر الفائدة المعلن من قبل البنك المركزي مؤخرا بعد الزيادة قد بلغ 11.25 في المائة، فهو سعر خاص بودائع البنوك لديه. ويقارن البعض بين هذا السعر للفائدة وبين معدل التضخم الأساسي الذي يعده البنك المركزي، والذي بلغ 11.9 في المائة في شهر نيسان/ أبريل الماضي، لكن الفائدة كانت سلبية معه أيضا.

ولأن معدل التضخم الذي يعلنه البنك المركزي والمسمى التضخم الأساسي يستبعد في حساباته السلع شديدة التقلب كالخضر والفاكهة، فإنه لا يعبر عن واقع عموم المصريين الذين تشكل الخضر والفاكهة الطازجة جانبا كبيرا من إنفاقهم.

وبشكل عام لا تعبر الأوزان النسبية للسلع الداخلة في سلة سلع وخدمات حسابات التضخم الرسمي، عن واقع إنفاق عموم المصريين، حيث تفترض تلك البيانات إنفاق المصريين ثلث إنفاقهم على الطعام والشراب، بينما ترتفع النسبة عن ذلك كثيرا كلما قل الدخل، في بلد يقع ثلث عدد سكانه تحت خط الفقر رسميا.

وفيما يخص أثر رفع الفائدة على البورصة والذي يفترض أن يقلل من الإقبال عليها، فإنه في الحالة المصرية يتم تعطيل ذلك الأثر من خلال دفع الحكومة محافظ الاوراق المالية بالجهات التابعة لها، كالبنوك وصناديق الاستثمار والتأمينات الاجتماعية وهيئة البريد، للشراء في البورصة ومساندة السوق، مما يجعله غير معبر عن الواقع، وهو ما نتوقع استمراره في ضوء عزم الحكومة على بيع حصص من شركات حكومية من خلال البورصة، لمستثمرين خليجيين بعد خروج معظم الأجانب من التعامل، لجلب عملات أجنبية تخفف من أثر الدين الخارجي الضخم عليها.
يشير أداء الموازنات في السنوات الماضية إلى أن سداد أقساط وفوائد الدين الحكومي المتزايدة، تأتي على حساب خفض نفقات الاستثمارات الحكومية ونفقات الدعم، عما تم إعلانه في بداية تنفيذ الموازنات، مما ينجم عنه تأخر تنفيذ المشروعات الصحية والتعليمية والبنية الأساسية في المحافظات، وتقلص كميات السلع التموينية الموزعة على البطاقات

وفيما يخص أثر رفع الفائدة على تراجع أسعار الذهب فإنه محدود الحركة حاليا، نظرا لوجود أسعار سوق سوداء للدولار تتعامل محلات الذهب على أساسها، مما يجعل أسعارها أعلى من الأسعار العالمية حتى في حالة انخفاض الأسعار العالمية كما حدث مؤخرا، بمبرر وجود صعوبات لاستيراد الذهب بتلك الأسعار المنخفضة وإتاحتها للجمهور.

وكان البيان المالي لموازنة العام المالي المقبل (2022/2023) الذي يبدأ مطلع تموز/ يوليو القادم، والذي تم إعداد قبل زيادة أسعار الفائدة المحلية بالمرتين، قد أشار إلى أن زيادة سعر الفائدة بنسبة واحد في المائة، من شأنه زيادة الدين الحكومي بنحو 28 مليار جنيه، وهي الموازنة التي بلغت قيمة أقساط ديون الحكومة فيها 965.5 مليار جنيه، وفوائد الدين الحكومي فيها 690 مليار جنيه، ليصل نصيب الأقساط والفوائد معا نسبة 54 في المائة من الإنفاق العام.

ويشير أداء الموازنات في السنوات الماضية إلى أن سداد أقساط وفوائد الدين الحكومي المتزايدة، تأتي على حساب خفض نفقات الاستثمارات الحكومية ونفقات الدعم، عما تم إعلانه في بداية تنفيذ الموازنات، مما ينجم عنه تأخر تنفيذ المشروعات الصحية والتعليمية والبنية الأساسية في المحافظات، وتقلص كميات السلع التموينية الموزعة على البطاقات التموينية، بسبب رفع أسعارها مع ثبات القيمة النقدية المقررة للفرد، مما يعني تضرر المواطن البسيط عمليا في أكثر من مجال بسبب زيادة سعر الفائدة.

 

twitter.com/mamdouh_alwaly