قضايا وآراء

ليس حوارا وليس وطنيا

1300x600
الحوار الذي دعا إليه رأس النظام المصري عبد الفتاح السيسي وكلف الأكاديمية الوطنية للتدريب بترتيبه وإدارته؛ ليس حوارا بالمعنى المعروف وليس وطنيا أيضا، وإنما هو مجرد عملية تجميلية (ديكور) أو طلاء لواجهة النظام أمام ناظرين كبار يريد لفت أنظارهم، كما أنه يمثل نوعا من الجري في المحل لاستهلاك الوقت، وإطالة أمد النظام نفسه ببعض المساحيق الشكلية التي لا تستطيع البقاء طويلا.

منذ اللحظات الأولى التي ظهرت فيها فكرة الحوار الوطني خلال تفقد السيسي لمشروع توشكى (جنوب مصر) يوم 21 نيسان/ أبريل الماضي، كانت فكرة الحوار تفقد جزءا من قيمتها مع كل خطوة تالية، فقد وعد السيسي في توشكى بإعلان تفاصيل مبادرته في حفل إفطار الأسرة المصرية الذي جرى بعد خمسة أيام، وخلال تلك الأيام الخمسة تصاعدت التوقعات والأمنيات لدى الكثيرين خاصة داخل مصر، وحين حلت المناسبة تحدث السيسي حديثا مسهبا عن إنجازاته خلال السنوات الماضية، وطرح على مستمعيه وعلى حكومته عدة قضايا كان الحوار نقطة منها دون التفصيل الذي كان منتظرا.
اتضحت الصورة أن ما سيجري لن يكون حوارا جادا وإنما مجرد مكلمة أو سوق عكاظ، تتوه فيه القضايا الجادة بين ركام من الزيف، ويتوه الساسة والنشطاء بين أكوام الأحزاب والكيانات الوهمية سريعة التجهيز

ثم تمخض الجبل فولد فأرا حين تم إسناد مهمة ذلك الحوار إلى الأكاديمية الوطنية للتدريب، المنشأة حديثا والتي تنظم مؤتمرات الشباب، والتي سارعت لإعداد نموذج لطلب المشاركة وفتحته لمن يريد، وبالتالي اتضحت الصورة أن ما سيجري لن يكون حوارا جادا وإنما مجرد مكلمة أو سوق عكاظ، تتوه فيه القضايا الجادة بين ركام من الزيف، ويتوه الساسة والنشطاء بين أكوام الأحزاب والكيانات الوهمية سريعة التجهيز؛ التي ستكون مهمتها شغل الأماكن، لتكون الصورة النهائية هي "فرح العمدة"، حيث يتبارى ممثلو تلك الكيانات الوهمية في كيل المديح للسيسي ونظامه، وتجديد الثقة به وبحكمه، والمطالبة بتصفية من تبقى من خصومه، ثم تخرج وثيقة مشوهة مكتوبة سلفا في المخابرات الحربية المشرفة على الحوار، ليتم اعتبارها "ورقة الجمهورية الجديدة" التي يطنطن السيسي بها كثيرا، على غرار ورقة مارس بالنسبة لعبدا الناصر وورقة أكتوبر بالنسبة للسادات..

لم يحرص النظام المصري على توفير الحد الأدنى من الشكل اللازم لإثبات جديته في الحوار، كأن تكون الجهة الحاضنة له هيئة وطنية مستقلة، وكأن يقدم النظام عربون ثقة مثل الإفراج عن المحبوسين احتياطيا على الأقل، وهم يمثلون أكثر من ثلثي عدد المعتقلين حاليا. وبالمناسبة فإن قرار إخلاء سبيلهم ليس بحاجة لتشكيل لجنة للعفو بل هو بيد النائب العام الذي لن يقدم لأحد منحة بل إنه سيطبق القانون (المعدل) الذي حدد عامين كحد أقصى للحبس الاحتياطي!! أو أن يوقف النظام الاعتقالات الجديدة، وأحكام الإعدام، ومع ذلك وجد النظام من يرحبون بدعوته دون تحفظ. وهذا أمر متوقع فهذه الأحزاب هي أحزاب الموالاة، وإن لامس عددها المائة حزب، لكنها في الحقيقة لا تمثل إلا هامشا محدودا من الشعب المصري، بينما القوى الحقيقية إما أنها مستبعدة من الحوار، أو متحفظة، أو لها مطالب جوهرية تسبق الحوار، وبالتالي فإننا سنكون أمام "مونولوج" أي حوار بين منتسبين لفريق واحد، وليس "ديالوج" أي حوار بين مختلفين.
يأمل النظام أنه بهذا الحوار الديكوري فإنه قد يتمكن من تخفيف الضغوط الدولية، وقد يستطيع الحصول على المزيد من المنح والقروض لتجنب شبح الإفلاس

يسابق النظام الزمن لإتمام حواره الصوري استعدادا لقمة التطبيع التي ستعقد في حزيران/ يونيو المقبل بحضور الرئيس الأمريكي بايدن، على أمل نيل مصافحة منه للسيسي حرمه منها طيلة العامين الماضيين، وربما إقناعه (أي بايدن) بحضور قمة المناخ التي ستعقد في شرم الشيخ في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل. ويأمل النظام أنه بهذا الحوار الديكوري فإنه قد يتمكن من تخفيف الضغوط الدولية، وقد يستطيع الحصول على المزيد من المنح والقروض لتجنب شبح الإفلاس.

تنوعت المواقف تجاه دعوة الحوار حتى الآن، ودعنا من أنصار النظام الداعمين لكل وأي خطوة يقوم بها، لكننا نقصد هنا القوى المناهضة والمعارضة، فمنها من رفض الدعوة بحسبانها عملية هزلية لا يصح التلوث بها، وهناك من رحب بالحوار وقبل الانخراط فيه، وخاصة من المعارضة الداخلية، وهناك من اتخذ موقفا وسطا، بترحيبه بفكرة الحوار من حيث المبدأ، مع وضع شروط وضوابط لإنتاج حوار جدي، كما ورد في بيانات لرئيس اتحاد القوى الوطنية أيمن نور وللحركة المدنية ولعدد كبير من الرموز والشخصيات الوطنية من كل الاتجاهات، وكما ظهر في تصريح القيادي الإخواني يوسف ندا الذي طالب بـ"رد المظالـم ووقـف العدوان، وإنهاء معاناة المسجونين مـن النساء والرجال، ومعاناة أسرهم"، وهو ما دعمه بيان لاحق للجماعة.
إذا كان النظام المصري حريصا على حوار هزلي فإن المعارضة المصرية خاصة المقيمة في الخارج لديها فرصة تاريخية لتنظيم حوار وطني حقيقي في الخارج، يقدم نموذجا لحوار جاد، يناقش كل القضايا الحيوية بكل حرية وجدية، ولا يستثني أحدا بحق

لا يوجد عاقل يرفض فكرة الحوار من حيث المبدأ، ولكن لا يتصور نجاح "حوار تحت تهديد السلاح"، وهو ما عنونت به مقالي الأسبوع الماضي، ورغم يقيني ويقين الكثيرين بأننا أمام حوار أراده صاحبه حوارا شكليا هزليا يجمع به شتات حلف 30 يونيو (مع استثناء بعضهم أيضا)، ويحقق به مصالح ضيقة، إلا أن الحراك الذي انطلق نتيجة تلك الدعوة قد يدفع النظام نفسه لإعادة النظر في شكل الحوار، وخاصة مع تصاعد الحراك محليا ودوليا، فالنظام الذي "حضر العفريت" قد لا يستطيع صرفه بسهولة.

وإذا كان النظام المصري حريصا على حوار هزلي فإن المعارضة المصرية خاصة المقيمة في الخارج لديها فرصة تاريخية لتنظيم حوار وطني حقيقي في الخارج، يقدم نموذجا لحوار جاد، يناقش كل القضايا الحيوية بكل حرية وجدية، ولا يستثني أحدا بحق، لا كحوار النظام الذي أعلن أنه لا يستثني أحدا بينما خرجت أبواقه الإعلامية لتؤكد أن ممثلي نصف الشعب المصري على الأقل مستبعدون من الحوار، ناهيك عن أن النصف الآخر لم يتفق على موقف موحد منه.

إن نجاح القوى والشخصيات المعارضة المقيمة خارج مصر في الجلوس إلى طاولة حوار، وتجاوز خلافاتها القديمة، وقدرتها على الوصول إلى حلول وبدائل مقنعة، سيعيد لها الثقة والاعتبار لدى المواطن المصري الذي ضاق بالنظام الحاكم لكنه يشكو من غياب البديل، فهل تفعلها المعارضة؟!