تقارير

دار الأمام الشافعي في غزة تتحول إلى منارة للعلم الشرعي

تحتضن مدينة غزة بين جنباتها "دار الإمام الشافعي"، أحد أئمة المسلمين الأربعة

تحتضن مدينة غزة بين جنباتها "دار الإمام الشافعي"، أحد أئمة المسلمين الأربعة الذي ولد فيها عام 150 هجري قبل سفره في رحلة علم في عمر مبكر، لتبقى هذه الدار شاهدة على ميلاد هذا العملاق وتتحول إلى منارة لتعليم العلم الشرعي.

تقع الدار التي لا تزيد مساحتها على 300 متر مربع في حي الزيتون على مقربة من المسجد العمري "الكبير"، وحمام السمرة التاريخي ويؤمها اليوم قرابة 500 طالب وطالبة سنويا لدراسة العلم الشرعي.

كانت دار الإمام الشافعي عبارة عن مزار لأهالي مدينة غزة قديما يتم زيارتها لأخذ البركة منها لا سيما وأنه يوجد بها ضريح السيدة آسيا ابنة الإمام الشافعي وخادمه الشيخ عطية، بحسب الشيخ محمد الطاهر السعافين مسؤول الدار التابعة للمعاهد الأزهرية في فلسطين.

وقال السعافين لـ"عربي21": "إن الشيخ محمد عواد مؤسس المعاهد الأزهرية في فلسطين وصاحب الفضل في تأسيس مؤسسات العلم الشرعي في غزة وأحد دعاتها وأعلامها تنبه لهذه الدار في وقت مبكر في خمسينيات القرن الماضي، حيث كان المكان مهجورا فاستغل رحمه الله علاقته القوية مع القيادة المصرية لتحويلها لخدمة العلوم الشرعية، فحصل على قرار من الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر ببنائها بشكلها الحالي لتكون أول جمعية لتحفيظ القرآن الكريم في قطاع غزة وكان ذلك في عام 1964م، حيث تم الافتتاح بحضور وفد من كبار علماء العالم الإسلامي وبحضور مندوب عن عبد الناصر وهو نائبه آنذاك الرئيس أنور السادات وحاكم غزة المصري الفريق يوسف العجرودي".

وأضاف: "وبذلك تحولت دار الإمام الشافعي إلى منارة للعلم الشرعي بالمنهج الأزهري الذي يمثل الإسلام اليوم، وانطلقت كجمعية لتحفيظ القران الكريم، وكان يتبعها 58 فرعا في غزة تحت اسم جمعية تحفيظ القران الكريم في غزة، بيت الإمام الشافعي".

 

     الشيخ محمد الطاهر السعافين مسؤول الدار التابعة للمعاهد الأزهرية في فلسطين

وأشار إلى أن هذه الجمعية استمرت في أداء دورها بشكل رائع وعدد طلابها كان في ازدياد حيث أمها 1300 طالب في أول سنة لها فقط، إلا أن هذا الدور تراجع وأخذ يخبو مع أحداث الانتفاضة الأولى عام 1987م ثم قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994م لغزة وإحالة ملف تحفيظ القرآن الكريم إلى وزارة الأوقاف والشؤون الدينية.

وأوضح السعافين أن الإدارة العامة للمعاهد الأزهرية في فلسطين تنبهت لتراجع دور هذه الدار، حيث تم في العام 2017م إعادة ترميم المكان وافتتاحه من جديد وانطلقت الدورات الشرعية من جديد بمسمى جديد يربط الحاضر بالماضي والمؤسسة بالمنهج وهو (دار الإمام الشافعي الأزهرية للعلوم الشرعية).

وأشار إلى أنه يتم تدريس العلوم الشرعية بكل أنواعها من خلال دورات متنوعة للذكور والإناث مثل: أحكام التلاوة ، الفقه، التفسير، علم العقيدة وغيرها من العلوم الشرعية وذلك على أيدي أستاذة أزهريين مهرة.

وقال السعافين والذي كان مشرفا على الترميم: "حينما أعدنا افتتاح المكان رأينا أن نبرز اسم الإمام الشافعي لأن هذا المكان يأخذ قدره من الانتساب للإمام الشافعي والأزهر الشريف".

وأضاف: "نحن اليوم في الإدارة العامة للمعاهد الأزهرية في فلسطين ممثلة بعميدها الوزير الدكتور علي النجار، ننطلق بهذه الدار حاملين منهج الأزهر الشريف وعقيدته ورسالتنا هي ربط حاضر غزة بماضيها المشرف المنسي لدى الناس".

وتابع: "الناس في غفلة عن هذا المكان الذي يفترض أن أهل غزة يعتزون به ويؤمونه بشكل مستمر ففي الماضي كان الزوار يأتون من كل بقاع العالم الإسلامي لزيارته ولدينا سجل بالزوار من ماليزيا وباكستان وسوريا وغيرها ".

ودعا السعافين إلى ضرورة تنظيم رحلات إلى هذه الدار لتعريف الناس بها وأهدافها وتاريخها لربط حاضر غزة بماضيها.

 



وشدد على أنهم يعملون من أجل النهوض بالمنهج الأزهري الوسطي المعتدل الذي كان غيابه سبب في كثير من الأزمات التي تعيشها الأمة اليوم.

وقال: "نعمل على تأسيس مجتمع متمسك بدينه وأخلاقه من خلال نشر روح الإسلام السمحة بين الناس".

وأضاف: "كما نعمل على أن نعود بغزة إلى هذا المنهج الذي انقطعت عنه للأسف ومنبعه الصافي في أزهر مصر".

وشدد على أهمية الربط التاريخي بين غزة مصر، مؤكدا أن مصر هي العمق الاستراتيجي للشعب الفلسطيني على مدار التاريخ.

وأكد الكاتب والمخرج نبيل ساق الله، على انه من حق أهل غزة أن يفخروا أن الإمام الشافعي ولد في مدينتهم، وهو احد أبناء هذه المدينة التاريخية.

وقال ساق الله لـ "عربي21": "هذا الدار كانت مسقط رأس الإمام الشافعي عام 150 هجري، وكانت مهجورة لفترة من الزمن حتى عهد الحكم المصري لغزة، حيث تم ترميمها وجعلها بيت للتراث والزي الإسلامي، ثم بعد ذلك حوّلها الأزهر الشريف في مصر فرعا له في مدينة غزة، واهتم بها وجعلها جزء من التراث الإسلامي".

وأضاف: "منذ ستينيات القرن الماضي وإدارة الأزهر الشريف في مصر تشرف على دار الإمام الشافعي، حيث قام علماء ومشايخ من القاهرة بزيارتها عدة مرات وذلك لأهميتها".

 

                        نبيل ساق الله.. كاتب ومخرج فلسطيني

وأوضح ساق الله أنه يتم الآن تقديم العلوم الشرعية لطلبة العلوم الشرعية فيها دون رسوم سواء كانوا رجالا أو نساء، بحيث يتم فيها تعليم القران الكريم والسنة النبوية والفقه وغيره من العلوم الشرعية.

وأشار إلى أن الدار  تعمل على فترتين صباحية للنساء ومسائية للرجال، وتوجد بها قاعتي تدريس واحدة تحمل اسم احمد الطيب شيخ الأزهر.

وقال: "لم تلق دار الإمام الشافعي اهتماما رسميا أو شعبيا بسبب جهلهم بها وعدم معرفتهم إياها، حيث يوجد في داخل الدار قبران أو ضريحان لابنة الشافعي آسيا، وخادمه عطية، ولا زالت دار الإمام الشافعي مجهولة لعامة الناس في غزة".

وطالب ساق الله الأزهر الشريف في مصر تنظيم رحلات لطلاب الأزهر إلى هذه الدار لتعريفهم بالمكان خاصة انه معلم إسلامي عريق، معربا عن أمله أن تكون تقوم الجهات الرسمية الدينية والشعبية وكذلك بلدية غزة بالدور المطلوب منها تجاه هذه الدار.

وأضاف: "ممكن أن يتعاون الجميع في جلب طلبة المدارس لتعريفهم بهذا المكان العظيم، وأماكن أثرية وتاريخية أخرى في غزة مثل قبر جد الرسول هاشم بن عبد مناف، ومقام الخضر والمسجد العمري - الكبير وغيره من الأماكن الأثرية والتاريخية".

وألقى ساق الله باللوم على الجهات الرسمية التي تتجاهل المراكز والمقامات الدينية والتراثية، وكذلك صناعات غزة القديمة التي اندثرت مثل صناعة تبييض النحاس، والدق على الأواني، والسحب الدق باليد، وصناعة الفخار التي تعتبر صناعة عالمية وتوجد بالقوقاز والهند واليمن والصين.

وقال: "يجب أن نخبر العالم أننا أصحاب حضارة، ولنا تاريخ ومجد تقدم، ويجب أن نفتخر به ويكون معلوما لدى الجميع".

ومن جهته أطلق الكاتب والصحفي سمير حمتو مبادرة مجتمعية لتعريف الناس على دار الإمام الشافعي وكافة المواقع الأثرية والتاريخية والمقامات.

وقال حمتو لـ "عربي21": "من غير المعقول تجد طلبة وأستاذة جامعات لا يعرفون أن هناك بيت في غزة اسمه دار الإمام الشافعي أو أن الإمام الشافعي هو أصلا ابن مدينة غزة".

وأضاف: "في هذه الدار تجد عبق الحضارة والتاريخ، حيث ولد فيها احد أهم علماء المسلمين وأصبح هناك مذهبا يسمى باسمه (المذهب الشافعي) الذي يتبعه معظم سكان بلاد الشام، وهو منهج وسطي".


وأوضح أن مبادرته تقوم على حث الجامعات والمدارس والعائلات والتنظيمات إلى ضرورة التعريف بهذه الدار وتسير رحلات يومية لها وعمل نشرات خاصة بها لتعريف الناس "لأنه من لا ماضي له لا حاضر ولا مستقبل له"، بحسب قوله.

 

                          سمير حمتو.. كاتب وصحفي فلسطيني

وأشار حمتو إلى أن كبير وشيخ المؤرخين الفلسطينيين وقائم مقام غزة عارف العارف (1892م ـ 1973م) قال عن دار الإمام الشافعي في كتابه الشهير (تـاريخ غزة) والمطبوع عام 1942م (حبذا لو فكر الغزيون بمواطنهم الذي رفع قدرهم وقدر مدينتهم ومجدوا الدار التي ولد فيها الإمام الشافعي وضمت بين جنباتها ضريح ابنته آسيا وخادمه الشيخ عطية؛ فصانوها كما تصان بيوت العظماء وجعلوها بهجـة للناظرين فتراها الأجيال القادمة فتقول : هنا ولد الإمام الشافعي الرجل العبقري الغزي الذي كان إماما من الأئمة المجتهدين وعلما من الأعلام الراسخين).

والإمام الشافعي هو: أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعيّ المطَّلِبيّ القرشيّ (150-204هـ / 767-820م) هو ثالث الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وصاحب المذهب الشافعي في الفقه الإسلامي، ومؤسس علم أصول الفقه، وهو أيضاً إمام في علم التفسير وعلم الحديث، وقد عمل قاضياً فعُرف بالعدل والذكاء. وإضافةً إلى العلوم الدينية، كان الشافعي فصيحاً شاعراً، ورامياً ماهراً، ورحّالاً مسافراً. أكثرَ العلماءُ من الثناء عليه، حتى قال فيه الإمام أحمد: "كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس"، وقيل: إنه هو إمامُ قريش الذي ذكره النبي محمد بقوله: "عالم قريش يملأ الأرض علماً".

وُلد الشافعيُّ في مدينة غزة عام 150 هـ، وانتقلت به أمُّه إلى مكة وعمره سنتان، فحفظ القرآن الكريم وهو ابن سبع سنين، وحفظ الموطأ وهو ابن عشر سنين، ثم أخذ يطلب العلم في مكة حتى أُذن له بالفتيا وهو فتىً دون عشرين سنة. 

هاجر الشافعي إلى المدينة المنورة طلباً للعلم عند الإمام مالك بن أنس، ثم ارتحل إلى اليمن وعمل فيها، ثم ارتحل إلى بغداد سنة 184 هـ، فطلب العلم فيها عند القاضي محمد بن الحسن الشيباني، وأخذ يدرس المذهب الحنفي، وبذلك اجتمع له فقه الحجاز (المذهب المالكي) وفقه العراق (المذهب الحنفي). 

عاد الشافعي إلى مكة وأقام فيها تسع سنوات تقريباً، وأخذ يُلقي دروسه في الحرم المكي، ثم سافر إلى بغداد للمرة الثانية، فقدِمها سنة 195 هـ، وقام بتأليف كتاب الرسالة الذي وضع به الأساسَ لعلم أصول الفقه، ثم سافر إلى مصر سنة 199 هـ. 

وفي مصر، أعاد الشافعي تصنيف كتاب الرسالة الذي كتبه للمرة الأولى في بغداد، كما أنه أخذ ينشر مذهبه الجديد، ويجادل مخالفيه، ويعلِّم طلابَ العلم، حتى توفي في مصر سنة 204 هـ ودفن هناك.