كتب

"وعليكم السلام".. كتاب يتمرد على الاعتراف بالاحتلال (1من2)

مصر وإسرائيل والعرب.. الجذور والمستقبل

الكتاب: "وعليكم السلام"
المؤلف: محمود عوض
الناشر: دار المستقبل العربي، القاهرة

"إذا كنا قد عجزنا عن أن نكون أسود الغابة.. فهل حُكم علينا أن نكون فئرانها؟!"..

بهذه العبارة المتمردة، في رفضها للخنوع، اختار عندليب الصحافة المصرية محمود عوض أن يفتتح كتابه الملهم "وعليكم السلام". إنه كتاب يضاف إلى كل الكتب الشهيرة التى كتبها محمود عوض، بأسلوبه الرشيق وعبارته اللاذعة وإنتمائه إلى جيل مختلف في عالمنا العربي يصر على فتح كل الملفات وطرح كل القضايا بأعلى صوت.

من يقرأ كتاب "وعليكم السلام" للمرة الأولى سيظن أن مداده لا يزال ساخنًا، وأنه موجه إلى أنظمة الحكم العربية في المغرب أو البحرين أو الإمارات أو السعودية أو السودان، ففي مقابل العجز عن تحقيق إزالة الكيان الصهيوني فورًا من الخريطة، فإننا نجد من بيننا من يود أن يمنح الكيان الصهيوني الخريطة كلها.

كان "محمود عوض" مرجعاً لكل الباحثين في الشأن العربي الإسرائيلي، فهو صاحب مبادرة "اعرف عدوك"، التي نقل فيها للقارئ المصري عبر مجلة "آخر ساعة" وبرنامج في الإذاعة، الكتب والدراسات الصهيونية، أولًا بأول، مراعيًا وضع إطار العداوة مع العدو الصهيوني في وجدان كل مصري وعربي. وعقب توقف معارك حرب أكتوبر عام 1973، ولجوء السادات المنفرد لقرار الاستسلام المشين، أُبعد عوض عن المجال الإعلامي المصري.

وفي فترة كئيبة من حياته، رأى في المنزل المجاور لبيته، علمًا صهيونيًا يرفرف على احتفال رسمي بافتتاح أول سفارة في دولة عربية، وأبصر نجمة العلم مُحلقة بعدما اتخذت السفارة الإسرائيلية موقعها في ذلك الشارع الذي يسكن به، ليصبح العدو جاراً لأكثر كارهيه، فانكب محمود عوض على كتابه "وعليكم السلام"، كجزء من معركة أخيرة، اختار أن يخوضها قبل أن ينتقل إلى جوار ربه. ولم يتوان في سبيل ذلك، عن طرق كل الأبواب، حتى تصل حقيقة "إسرائيل" لأبسط البيوت المصرية، كأنما يترك رسالة في زجاجة يريد أن تصل لأقدام الواقفين على شواطئ الخطر.

وفي وقت كانت تعلو الأصوات، محاولة التشويش على أي نبرة معارضة لكامب ديفيد، ظل محمود عوض يعكف على مشروع هذا الكتاب ليتركه للأجيال، وهو في ظاهره سطور مكتوبة، غير أن باطنه ينطوي على حلم بحار جرئ غاص في تاريخ عدو أفتك أسلحته هي أن يمحو الذاكرة.

في كل صفحة سطرها الكاتب، تستشعر كم كان ينزف تعبًا ليتمرد بالمعرفة، بتفاصيل ينتشلها من آبار عميقة، تعود لقبيل كتابته بنحو أكثر من مائة عام، للحديث عن أول تصور صهيوني متكامل في ثلاثينيات القرن الـ 19، وليس كما اعتاد تداوله بأنه مع انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول بقيادة تيودر هرتزل عام 1897، يضغط على الجروح المتقرحة في هيئة أسئلة عن ذنب مصر في الحرب، وما قدمته لفلسطين، فيفند برشاقة بين زخم المعلومات: رؤيته بأن الأمن القومي يبدأ بحماية الحدود الخارجية وليس الداخل كما يظن البعض، ويعود للحظة اضطرار الجيش المصري وقت "محمد علي" للانسحاب من الشام ـ فلسطين ولبنان وسوريا كما كان يطلق على تلك البقعة كاملة ـ وكم كان هذا بداية التدهور الداخلي لمصر حتى وصل الأمر إلى احتلالها.

يقول المؤلف في (صفحة 35): "إن فكرة إسرائيل كدولة لم تولد في سنة 1948، حينما أعلنت رسمياً، ولا في سنة 1897 حينما انعقد المؤتمر الصهيوني الأول، لقد ولدت قبل ذلك في أوراق وأرشيف الدول الكبرى، وكانت لحظة الولادة هي نفسها لحظة انحسار مصر وإرغامها على الانكفاء على نفسها، إن إسرائيل ـ الدولة العازلة في فلسطين ـ ولدت في الربع ساعة الأخيرة لإرغام مصر على الانسحاب من الشام، لهذا يجب أن تبدأ القصة من أحداث هذه الربع ساعة الأخيرة، بالضبط.. ففي تشرين الثاني (نوفمبر) سنة 1831، طلب محمد علي من الجيش المصري التوجه إلى فلسطين للاستيلاء عليها وتحريرها، كان والي عكا ـ ودائماً هناك عكا في التاريخ المصري ـ قد بدأ يمارس الابتزاز ضد قوافل التجارة المصرية من، وإلى، الشام، وهكذا أرسل محمد علي ابنه إبراهيم على رأس الجيش لكي يحرر فلسطين".
 
ظل كثيرون من الكتاب، مترددين في تفسير دوافع "محمد علي" للذهاب إلى الشام من البداية، هل ذهب إلى هناك تعبيراً عن طموح شخصي، أم لاعتبارات موضوعية؟ هل كان ما حدث هو مجرد رغبة في التوسع، أم رغبة في الوحدة والتكامل؟ 

 

أوروبا لم تنس أن الذي أذاقها الهزيمة المُرة والساحقة في غزوها الصليبي للسيطرة على الشرق الأوسط خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر، كان دولة عربية موحدة فوق نفس المساحة: مصر والشام.

 



والذين يؤكدون رغبة التوسع والطموح الشخصي، يستندون في جميع مراجعهم إلى كتابات الإنجليز، وهي الكتابات التي كان من الطبيعي أن تروج لها إنجلترا، خاصة على ضوء وجودها الفعلي كقوة احتلال لمعظم العالم العربي طوال المائة سنة التالية، لكن، حتى بصرف النظر عن تلك النقطة الهامة، فإن الموضوع الأساسي لم يكن بالنسبة لإنجلترا هو الدوافع وإنما النتائج، فسواء ذهب "محمد علي" إلى الشام بطموح شخصي توسعي، أو ذهب لاعتبارات موضوعية، فالنتيجة بالنسبة لإنجلترا واحدة في الحالتين: أن هناك دولة عربية قوية وموحدة تولد أمام عينيها في نفس المنطقة التي تحتجزها هي لنفسها مستقبلاً.

كما أن أوروبا لم تنس أن الذي أذاقها الهزيمة المُرة والساحقة في غزوها الصليبي للسيطرة على الشرق الأوسط خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر، كان دولة عربية موحدة فوق نفس المساحة: مصر والشام.

وبصفة خاصة، كانت إنجلترا تحشد قواها في تلك الفترة بالضبط للانطلاق في أكبر مد استعماري عرفه التاريخ الحديث، وهي لم تكن تريد أن تولد أمام عينيها مثل تلك الدولة الموحدة، بتلك القوة، فتصبح حاجزاً مسبقاً أمام التقدم الاستعماري البريطاني القادم حالاً في الطريق. وسيظل استعمارها للهند مهدداً ما لم تسيطر تماماً على طريقي المواصلات الرئيسيين في الشرق: طريق الشام/ البصرة/ المحيط الهندي.. وطريق مصر/ البحر الأحمر/ المحيط الهندي.

لذلك، يقول الكاتب في (صفحة 54): "هكذا، بادرت إنجلترا كما رأينا إلى احتلال عدن في سنة 1838، وهي مفتاح البحر الأحمر من الجنوب، وبادرت أيضاً بعدها إلى احتلال البصرة (بعد الانسحاب المصري) وهي مفتاح الخليج العربي".

ثم يقول في (صفحة 58): "تلقى محمد علي دعوة من بالمرستون وزير خارجية إنجلترا، في 4 آب (أغسطس) 1839 بواسطة القنصل الإنجليزي العام في مصر: إن إنجلترا تعترض على الوجود المصري (الحالي) في الشام، ولكن أوروبا كلها لا تعترض على توسعه في أفريقيا، بل على العكس: ستنظر إليه بعين العطف، ويستطيع أن يلقى هناك ضمانات تجعله بمأمن من أي هجوم".


لم تكن القضية إذن قضية توسع، لكنها من وجهة النظر البريطانية، ومن البداية، قضية عدم السماح بقيام دولة عربية موحدة في مصر والشام، وقد رأينا أنه قد تم بالفعل إرغام مصر قبل نهاية سنة 1840، باتفاقية لندن، على الانسحاب من الشام، بعد مواجهة دامية مع أسطول بحري متحالف قادته بريطانيا ضدها هناك، وحصار بحري على الأسكندرية.

 

حينما قررت مصر أن تدخل الحرب في فلسطين، مع الدول العربية الأخرى، فإنها قررت ذلك في 13 مايو سنة 1948، وأصبح على مصر أن تعوض نوماً طويلاً، وتخديراً طويلاً تعرضت له، واستمر 31 سنة على الأقل منذ صدور وعد بلفور 1917. وأصبح على مصر أن تستعد لحرب، كان موعدها في سنة 1917، فتقرر دخولها في سنة 1948.

 



ويكمل المؤلف: "في سنة 1839، نفس السنة التي طلبت فيها إنجلترا من مصر الانسحاب من اليمن، وضغطت فيها على عواصم أوروبا للتجمع خلفها من أجل إرغام مصر على الانسحاب من الشام (سوريا، فلسطين، لبنان)، بدأت الجهود تزداد تكثيفاً وتركيزاً في المشروع الإنجليزي لتمهيد الأرض لاغتصاب فلسطين".

وهنا جرت ثلاث وقائع بالذات، يرصدها المؤلف كما يأتي:

أولاً: نشرت جريدة "التايمز" البريطانية، المعروفة بصلتها الوثيقة بوزارة الخارجية، مقالاً في 24 كانون الثاني (يناير) سنة 1839، تطالب فيه بالوقوف موقفاً واضحاً مؤيداً "لحق" الشعب اليهودي في العودة إلى فلسطين. وأن هذه المسألة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالأزمة السياسية القائمة: أزمة إرغام مصر على الانسحاب من فلسطين والشام كلها، إن إزالة الوجود المصري في فلسطين هو إزالة للسد المنيع القائم ضد استعمار فلسطين.

ثانياً: بعدها بأسبوع واحد، تلقى القنصل البريطاني في القدس (و.ث.يونج) تعليمات من وزارة الخارجية في لندن، بناء على طلب بالمرستون شخصياً، وهي تعليمات صريحة وقاطعة: أن عليه، أولاً، أن يوافي وزارة الخارحية في أسرع وقت ممكن بمعلومات دقيقة عن حالة وعدد اليهود المقيمين بفلسطين. وعليه، ثانياً، أن يعتبر من الآن فصاعداً أن حماية اليهود في فلسطين بشكل عام تمثل واجباً من واجبات الدولة (إنجلترا).

هنا بريطانيا تريد لليهود في فلسطين حقوقاً سياسية لأول مرة، علماً بأن اليهود في إنجلترا نفسها لم يتمتعوا بالحقوق السياسية والمدنية إلا في عام 1890.

ثالثاً: في نفس الوقت توجه إلى فلسطين المليونير اليهودي "موسى حاييم مونتفيور" ـ وكان ذلك في ربيع 1839 ـ لكي يجتمع في منطقة صفد بفلسطين بممثلي الجالية اليهودية الصغيرة هناك (وكانوا أساساً من البرتغال وألمانيا). وقام مونتفيور على الطبيعة بمعاينة مساحات من الأراضي، حتى يتبلور الشكل النهائي للمشروع الذي يسعى لتحقيقه منذ فترة. 

يكمل المؤلف في (صفحة 62): "اتجه مونتفيور إلى القاهرة، لمقابلة محمد علي.. بدأت المقابلة في يوم 13 تموز (يوليو) سنة 1839، وبدأ مونتفيور يعرض على الباشا: إننا نفكر في تأسيس شركة استثمار إنجليزية في لندن، مهمتها تشجيع عودة اليهود إلى فلسطين للإقامة فيها، ولهذا الغرض فإن مثل هذه الشركة تحتاج إلى استئجار منطقة في الجليل (شمال فلسطين) لمدة خمسين سنة، وتلك المنطقة عاينتها بنفسي وهي تشتمل على ما بين مائة إلى مائتين من القرى الفلسطينية، وبالطبع سوف تسدد الشركة إلى معاليك، باعتبارك والي مصر الذي تحكم فلسطين، ضريبة استثمار عن هذه الأراضي التي سنستغلها لمصلحتنا، ومصلحتك، ومصلحة أهالي المنطقة أنفسهم الذين سيعمهم الخير الوفير، فضلاً عن أن اليهود سوف يدعون لك في صلواتهم بأن يجعلك الله زعيماً مباركاً للشرق كله".

 

الحركة الصهيونية لم تجد أن فرصتها الذهبية قد بدأت إلا مع إرغام مصر على الانسحاب من فلسطين، ثم انكفاء مصر إلى الداخل، ومن ثم انهيار الأمن المصري بالتدريج، انهياراً أصبح هو المقدمة الأكيدة لاحتلال مصر نفسها فيما بعد.

 



لكن، لم يكن محمد علي بالبلاهة التي تصورها فيه المليونير اليهودي المتحمس للأعمال الخيرية، وكان الجواب الفوري القاطع من محمد علي: الرفض.. جملة وتفصيلاً.

نلاحظ هنا، أن الحركة الصهيونية لم تجد أن فرصتها الذهبية قد بدأت إلا مع إرغام مصر على الانسحاب من فلسطين، ثم انكفاء مصر إلى الداخل، ومن ثم انهيار الأمن المصري بالتدريج، انهياراً أصبح هو المقدمة الأكيدة لاحتلال مصر نفسها فيما بعد.

فبمجرد أن تم إرغام مصر على الانكفاء إلى الداخل، انطلقت أوروبا بشراسة لاستعمار المنطقة جزءاً جزءاً، وبالطبع فازت إنجلترا بنصيب الأسد في المشرق العربي، فبعد أن احتلت عدن، انطلقت بعدها لاحتلال مسقط وعمان وكل إمارات الخليج العربي، ثم احتلت مصر نفسها، والسودان، والعراق، وفلسطين.

يقول المؤلف في (صفحة 68): "والمصريون الذين تم إرغامهم على الانسحاب بطريقة مأساوية عبر فلسطين في سنة 1840، لن يقدر لهم أن يعودوا مرة أخرى إلا بعد 77 سنة كاملة، حينما جرجرتهم إنجلترا كقوة احتلال خلفها، لكي يقيمون لها التحصينات في سيناء ويمدون لها خطوط السكك الحديدية حتى فلسطين. إن الجيش البريطاني المتقدم نحو فلسطين في سنة 1917، عبأ معه أكثر من مائتي ألف من المصريين حسب الأرقام البريطانية نفسها، وحيث سقط من وحدات الهجانة المصرية وحدها ـ بالإحصائيات البريطانية مرة أخرى ـ أكثر من ستة آلاف قتيل وجريح، ووقتها كانت إنجلترا تمارس الدرس الأول مرة أخرى في التاريخ المصري: أن الدفاع عن مصر يبدأ من فلسطين".

وحينما قررت مصر أن تدخل الحرب في فلسطين، مع الدول العربية الأخرى، فإنها قررت ذلك في 13 مايو سنة 1948، وأصبح على مصر أن تعوض نوماً طويلاً، وتخديراً طويلاً تعرضت له، واستمر 31 سنة على الأقل منذ صدور وعد بلفور 1917. وأصبح على مصر أن تستعد لحرب، كان موعدها في سنة 1917، فتقرر دخولها في سنة 1948.