مقالات مختارة

التزامات أميركا والقدرة على الوفاء بها

1300x600

يواجه الرئيس جو بايدن مشكلة كبيرة تتمثل في ردع روسيا عن غزو أوكرانيا وتأجيج حرب برية في أوروبا منذ عام 1945، وفي محاولة لتهدئة الوضع، عقد بايدن اجتماعاً افتراضياً دام ساعتين مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الثلاثاء الماضي.


ورغم ذلك، يواجه بايدن مشكلة أكبر تتمثل في أن إحدى ركائز سياسته الخارجية تنهار بالفعل. بايدن ليس أول رئيس يأمل أن يهدأ العالم حتى تتمكن الولايات المتحدة من التركيز على آسيا. وفي وسط شتاء بارد مليء بالأزمات، لم يكن بايدن أول من اكتشف أن العالم لا يسير على ما يرام.


تولى بايدن منصبه معلنا أن المنافسة مع الصين تمثل المنافسة الحاسمة لهذه الحقبة، ويأمل في تخفيف حدة المواجهات في أماكن أخرى للتركيز على هذا التحدي. فقد اتبعت إدارته علاقة «مستقرة يمكن التنبؤ بها» مع روسيا، بينما حذرت من أن الاستفزازات المستمرة - سواء في الفضاء الإلكتروني أو في أي مكان آخر - تستحق رداً صارماً. كان بايدن يعتزم نزع فتيل أزمة تجمعه مع إيران من خلال إعادة الدخول في الاتفاق النووي الذي تخلى عنه الرئيس دونالد ترمب. فقد انسحب من أفغانستان على أساس أن التحول بات لا يمكن تحمله.


إن رغبة بايدن في تحويل الانتباه إلى الصين أمر مفهوم، حيث تعتبر الإدارة أن بكين هي أكبر تهديد طويل الأمد للنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، علاوة على كونها تهديداً قائماً الآن على السلام في غرب المحيط الهادي. فلسنوات عديدة كافح البنتاغون والوكالات الأخرى لإعطاء أولوية قصوى للصين بسبب الأزمات والصراعات في مناطق أخرى. ومع ذلك، فإنه بعد مرور عام على رئاسة بايدن، عادت عوامل التشتيت إلى السيطرة مرة أخرى على جدول الأعمال.


ثبت أن إحياء الاتفاق النووي مع إيران أمر بعيد المنال، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أن المتشددين يحكمون الآن سياسة طهران. ونظراً لأن إيران تلغي قيوداً على أنشطتها النووية، فقد يواجه بايدن قريباً خياراً بين السماح لهذا البلد بأن يصبح قوة نووية قريبة وقبول مخاطر حرب أكبر بكثير لمنعها.


إذا بقيت القوات الأميركية في العراق وسوريا بعد نهاية العام الجاري، فقد يصعد وكلاء إيران في هذين البلدين من هجماتهم. غرقت الحرب الأهلية في إثيوبيا ثاني أكبر دولة أفريقية من حيث عدد السكان في حالة من الفوضى وتهدد بالانتشار إلى السودان المجاور. وأفغانستان من جانبها تواجه مجاعة جماعية في أعقاب الانسحاب الأميركي واستيلاء «طالبان» على السلطة. وتسعى الصين إلى إنشاء قواعد عسكرية ليس فقط في آسيا، لكن في الخليج العربي وعلى الساحل الأطلسي لأفريقيا أيضا.


ثم هناك أوكرانيا؛ إذ حشدت موسكو ما يصل إلى 175 ألف جندي بالقرب من حدود أوكرانيا، ربما استعداداً لغزو واحتلال طويل الأمد لأراض رئيسية. يطالب بوتين، كثمن لضبط النفس، بأن تستسلم حكومة كييف سياسياً، ويعد الغرب بأن أوكرانيا لن يسمح لها أبداً بالانضمام إلى حلف «ناتو». فقد تركت الأزمة الإدارة الأميركية تسعى جاهدة لردع الغزو، في المقام الأول من خلال التهديد بفرض عقوبات اقتصادية، لم يكن لها حتى الآن تأثير كبير على حسابات بوتين.


إذا هاجم بوتين أوكرانيا، فسوف يتسبب في أخطر أزمة أمنية أوروبية خلال ربع قرن. وسيتعين على الولايات المتحدة طمأنة الحلفاء المذعورين من خلال تنظيم تعزيز كبير للجناح الشرقي لمنظمة حلف شمال الأطلسي، مثلما كان عليها أن تفعل بعد غزو موسكو الأول لأوكرانيا في عام 2014، ولن يكون البنتاغون قادراً بعد الآن على القول إن تركيزه هو «الصين، الصين، الصين».


ومع ذلك، حتى لو تراجع بوتين، فإن فترة الراحة لن تدوم طويلاً. إنه مصمم على وقف الانجراف الغربي لأوكرانيا وجعلها دولة تابعة لموسكو. الطريقة الوحيدة لاسترضائه، لأكثر من لحظة، ستكون تقديم تنازلات بشأن مستقبل أوكرانيا التي رفض بايدن تقديمها. وفي الوقت نفسه، فإن «الاستقرار القابل للتنبؤ» أمر جرى تجاهله، فقد يرغب الغرب في خفض التصعيد مع بوتين، لكنه يظهر القليل من الاهتمام بوقف التصعيد مع الغرب.


قد يبدو الوضع مألوفاً للعديد من مسؤولي إدارة بايدن، بالنظر إلى أن عدد منهم خدم الرئيس باراك أوباما في السابق. في أوائل عام 2012 اختتمت إدارة أوباما مراجعة الاستراتيجية العالمية، التي قضت بأن الولايات المتحدة يمكن أن تركز على آسيا لأن أوروبا كانت تنعم بالسلام، وكان موسم الحرب في العراق قد انتهى. في غضون عامين، كانت روسيا قد غزت أوكرانيا، وكان «داعش» يرهب الشرق الأوسط، وكان العالم يتساءل عما حدث لمحور أوباما في آسيا.


تجد القوى العظمى ذات الالتزامات العالمية صعوبة في الانتقاء والاختيار من بين العديد من المناطق. فكلما ازداد يأس واشنطن من الهدوء على الجبهات غير الآسيوية حتى تتمكن من التركيز على الصين، زاد الحافز الذي تمنحه لروسيا وإيران للضغط من أجل المكاسب. وهذه المناورات تتسبب في حالة عدم الاستقرار ذاتها التي تسعى أميركا إلى تجنبها، مما يؤدي إلى وضع استراتيجية الولايات المتحدة في حالة من الفوضى. إن القوة العالمية التي تسعى إلى تعزيز قوتها من أجل المنافسة في منطقة واحدة قد ينتهي بها الأمر ببساطة إلى الضعف في كل مكان.


هذه هي معضلة بايدن، لكن من العدل القول إن هذا ليس خطأه بالكامل. فمأزقه ينبع من الفجوة بين التزامات أميركا وقدرتها على الوفاء بها، والتي تتسع باستمرار مع تزايد حدة التهديدات التي تشكلها مثيلات بكين وموسكو وطهران.

 

(الشرق الأوسط اللندنية)