كتاب عربي 21

احتفالات مهرجانية وأزمات إنسانية.. المواطنة من جديد (79)

1300x600
من أهم الأساليب التي يتبعها المستبد ضمن سياساته التي يحترفها في الاستخفاف، والإلهاء، ولفت الانتباه، والتزوير، والتعتيم، والتغييم، على أزمات حقيقية وانتهاكات فادحة إنسانية؛ هو ما يقوم به للهروب من الواقع المؤلم والمؤسف إلى احتفالات تتعلق بحوادث وآثار من جوف التاريخ.. إنها حالة من الهروب إلى الماضي يقوم بها المستبد ضمن أحداث يصطنعها، ويحاول أن يلفت الانتباه إليها في الداخل بين الجمهور، أو في الخارج؛ من دعوة لهيئات إعلانية وإعلامية لمحاولة تغطية هذه الأحداث.

ولعل مفهوم التغطية هنا من مفاهيم التورية التي تعني تكثيف غطاء بحدث مصطنع على حدث في الواقع فاضح وجسيم، من انتهاكاته الخطيرة وأشكال ظلمه الحقيرة. نؤكد على ذلك من خلال تلك القضايا التي ثارت في الآونة الأخيرة حول فضيحة "سيرلي"، وكذا فضائح التجسس على ناشطي الثورة والتخلص منهم، وهو ما يؤكد أن هذا النظام صار لا يهتم بالمواطن مستخفاً بحياته، سادرا في مهرجاناته واحتفالاته.

والخطر الأكبر في مثل هذه الأحداث المصطنعة أن تتواكب بأسئلة أكثر اصطناعاً وافتعالاً بمناسبة تلك الأحداث المصطنعة، فمن طريق الكباش، ومن قبله موكب المومياوات المرتبط بالتاريخ الفرعوني؛ تأتي نقاشات خطيرة مرة أخرى حول الهوية المصرية، وحول التنازع بين الفرعونية وبين الهوية العربية والإسلامية. هكذا ضمن هذه الافتعالات تبدو لنا تلك الاحتفالات وكذلك تصاعد سوق المزايدات في مسألة الهوية، واستدعاء كل ما يتعلق بصراعات وهمية ضمن حالة الهروب من واقع محبط في سياق غلاء طاحن، وتدهور أحوال الناس إلى فقر مدقع، وكذا دوامة الديون والقروض التي تصادر مستقبل البلاد والأجيال الجديدة من أهل مصر.
مفهوم التغطية هنا من مفاهيم التورية التي تعني تكثيف غطاء بحدث مصطنع على حدث في الواقع فاضح وجسيم، من انتهاكاته الخطيرة وأشكال ظلمه الحقيرة. نؤكد على ذلك من خلال تلك القضايا التي ثارت في الآونة الأخيرة حول فضيحة "سيرلي"، وكذا فضائح التجسس على ناشطي الثورة والتخلص منهم

حال من انتهاكات حقوقية صرنا نتنفسها يومياً، فتأتي لنا الأنباء من هنا ومن هناك حول أخبار المسجونين المزرية، ورسائل استغاثة متعددة، وبعض التحذيرات التي يطلقها بعض الحقوقيين حول وضع السجناء والسجون، خاصة تلك التحذيرات التي تؤكد على إصابات بفيروس "كورونا" داخل تلك السجون، من دون أدنى اهتمام من ذلك النظام المستبد بأرواح هؤلاء أو بأحوالهم الصحية والطبية والمعاشية.

وفي هذا السياق يأتي الكشف الموثق للصحف الفرنسية والغربية بشأن عملية "سيرلي" (رغم محاولات تعتيم من هذا النظام المستبد)، التي أسفرت عن مقتل أربعين ألف مواطن مصري، في إطار عمليات مخابراتية تمارس استهدافات عشوائية تحت غطاء مواجهة الإرهاب، فتمارس تلك النظم قتلا من غير حساب.

ولا شك أن هذه الفضيحة الكبرى بعد تسريب تلك الوثائق والتي واجهها النظام بمزيد من التعتيم، وكأن الأمر لا يعنيه رغم أنه مرتكب هذه الجريمة النكراء بأدواته وأسلحته وتحالفاته، تعبر في حقيقة الأمر عن الخطورة القصوى التي تمثلها هذه النظم في انتهاكها لحقوق الإنسان التأسيسية والأساسية، وحقوق المواطنة المدنية والسياسية.

ومن عجب أن يُكشف النقاب، ويُفضح المستور، ويُفتح الستار على تلك الفظائع الإنسانية التي ارتُكبت في حق الوطن والمواطن، ثم نرى القاتل المسؤول وهو يتبختر على سجاد أسود في موكب مهرجاني تمثيلي؛ في ما يسمى باحتفال افتتاح "طريق الكباش"، وفي مناطق أخرى أزهقت أرواح، وأريقت دماء بلا حساب أو عقاب. 
من عجب أن يُكشف النقاب، ويُفضح المستور، ويُفتح الستار على تلك الفظائع الإنسانية التي ارتُكبت في حق الوطن والمواطن، ثم نرى القاتل المسؤول وهو يتبختر على سجاد أسود في موكب مهرجاني تمثيلي

وضمن هذه المآسي الإنسانية يموت الناس في المنافي من جراء ضغوط كبيرة عليهم من النواحي المختلفة الأمنية والمعاشية. فقد فجعنا مؤخرا في الدكتور هشام كمال، والذي رثاه الكثير من محبيه ووصفوه بأنه واحد من الصادعين بالحق، الباذلين أعمارهم لله. فقد خرج رحمه الله مهاجراً حتى مات غريباً عن وطنه، وندعو الله أن يكون ممن قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل إذا مات بغير مولده، قيس له مولده إلى منقطع أثره في الجنة".

ليست تلك هي الحالة الوحيدة فإن موت هؤلاء في المنافي وحتى من الشباب لا يزال أمراً يومياً، وكذلك فإن الأخبار التي تأتي من هنا وهناك لتعلن أنباء عن وفاة من هم في السجون، ولا تعرف الأسباب التي أدت إلى وفاتهم إلا أن يكون ذلك "قتلاً بطيئاً" من جراء تلك المعاملة الشائنة في السجون والسجن الانفرادي، والحياة غير الآدمية التي يعيشونها، ومنع الزيارات عنهم، وكذلك هؤلاء الذين ماتوا في الصحراء الغربية استخفافا بأرواحهم وعبر استهدافهم بأسلحة وآلة الاستبداد التي تقتلهم في كل مكان، فتعددت الأشكال في موت هؤلاء ولكن القاتل والمجرم واحد، وهو النظام الانقلابي الذي لا يترك المصريين في الصحراء أو المنافي أو السجون أو الشوارع، فهو يترصد المواطنين في كل مكان، يترصدهم لمواطنيتهم، فالقتل على المواطنة هو ديدن هذا النظام وسياسات طغيانه واستبداده.

غاية الأمر في ذلك أن ننبه على ضرورة وعي المواطنة والمواطن من كل تلك الأساليب التي يحترفها المستبدون، والتعرف على كل تلك الأساليب التي تحاول التغطية والتمويه على القضايا الحقيقية والأزمات الطاحنة التي تحيق بهم، وحجم المسؤولية التي يتحملها هؤلاء. ولعل التقارير الدولية التي تشير إلى مكانة مصر المتدنية في كل أمر يتعلق بحياة الناس وخدماتهم الأساسية، وكذلك تلك التقارير التي تفضح الانتهاكات بحقوق الإنسان الأساسية؛ إنما تؤشر إلى كيف ينظر هؤلاء إلى فكرة المكانة لمصر، فيحاولون من خلال تلك الاحتفالات والمهرجانات أن يتحدثوا عن مكانة مصر في هذا السياق، وهي مكانة متوهمة زائفة فلا مكانة لوطن من غير كرامة مواطن.

إن الأمر الذي يتعلق بفهم المكانة ومؤشراتها إنما يعتمد في البداية والنهاية على حال الإنسان والمواطن في مصر، والرضا الذي يمثله ذلك المواطن عن أحواله والأمان على مستقبله، وإن افتقاد كل هذه الأمور هو الذي يهدم المكانة ولا يبنيها، حتى لو حاول هؤلاء زيفاً أو تمثيلاً بإقامة مهرجاناتهم المصطنعة والزائفة، أو البحث عن المكانة في غير الحفاظ على الإنسان وحياته.
إني لأعجب من خطاب الزيف الذي قد يجد له بعض الآذان التي تصغي إليه، كما أعجب بعد الكشف عن العملية "سيرلي" والتي لم تُحدث ردود فعل بحجم ما تسببت فيه من قتل بالآلاف على يد جنرالات العسكر، فأين المنظمات الحقوقية، وقوى المعارضة المصرية التي من الواجب عليها أن تنهض بعمل فعّال يتكافأ مع هذه الجريمة الشنعاء؟!

فما بال هؤلاء الذين يزيفون وعي المواطن من خلال تلك الاحتفالات، والمهرجانات الزائفة والمزايدات الرخيصة الكاذبة، فيتحدثون بأن مشهد "الكباش" يوحي بضرورة ألا نتحدث عن شعار الجمهورية الجديدة، الأمر أكبر من ذلك، فيقولون نحن أمام "مملكة جديدة "أو "إمبراطورية كبرى".. هكذا يحترفون الخطاب الذي يزين للمستبد سوء عمله، محاولين أن تنطلي على هؤلاء الذين يعانون ويقاسون في معاشهم اليومي وكأنهم يصورون الدولة والمجتمع على نحو غير ذلك الذي نعيش من انتهاكات فادحة، واعتقالات واسعة، وقتل بدم بارد.

وإني لأعجب من خطاب الزيف الذي قد يجد له بعض الآذان التي تصغي إليه، كما أعجب بعد الكشف عن العملية "سيرلي" والتي لم تُحدث ردود فعل بحجم ما تسببت فيه من قتل بالآلاف على يد جنرالات العسكر، فأين المنظمات الحقوقية، وقوى المعارضة المصرية التي من الواجب عليها أن تنهض بعمل فعّال يتكافأ مع هذه الجريمة الشنعاء؟! فهل أصبح قتل المصريين هينا لهذه الدرجة؟ وهل يصبح قتلهم بالطائرات أمرا معتادا؟! ويفلت هؤلاء من دون عقاب أو حساب؟!

إنها معركة الوعي التي يجب أن نتسلح بها، وعلى كل صاحب حق أن يطالب به ويؤكد عليه، فليس هناك مكان للسكوت بعد هذا الاستبداد الذي استخف بكل شيء ووصل لأعلى سقف؛ استخفافا بالوطن أرضاً ومقدرات وسيادة وموارد، وبالمواطن إهانة واستهانة واعتقالاً وإخفاء وتشريداً وقتلاً، فلا تسمحوا لفرعون مصر المستبد المستخف بأن يحتفل!

twitter.com/Saif_abdelfatah