مقالات مختارة

فرنسا: تكريم أحفاد أدلاء الخيانة

1300x600

لا أحد في العالم، لا الآن، ولا في الماضي، ولا في الحاضر، ولا في المستقبل؛ يحترم ويقدر من يمد يد العون والمساعدة، لأي قوة تريد، أو هي في الطريق إلى غزو واحتلال بلده، أو يعاونها في بسط نفوذها وسيطرتها على وطنه؛ من خلال كشف من يقاوم هذا الاحتلال، من أبناء جلدته.. هؤلاء العملاء، حفنة من الذين باعوا ضمائرهم بثمن بخس.


الرئيس الفرنسي وعد أحفاد من كان يروق له أو لفرنسا تسميتهم بالحركيين الجزائريين؛ بإصدار قانون يعيد لهم اعتبارهم وحقوقهم، مع أن هذه العملية ما هي إلا عملية استعراضية انتخابية؛ عدد هؤلاء بمئات الآلاف، أي إنهم يشكلون كتلة انتخابية يعتد بها، وهذا هو هدف الرئيس الفرنسي، ولا علاقة له بإعادة الاعتبار والاحترام.


زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبان، قالت في تغريده لها؛ «إن هذا القانون الذي وعد به الرئيس الفرنسي، حركيي الجزائر، لا يلغي عقودا من التهميش والازدراء». فرنسا التي احتلت الجزائر في القرن التاسع عشر، وكانت تريد لها، أو خططت لتكون الجزائر جزءا من فرنسا في الضفة الثانية من البحر الأبيض المتوسط، نهبت خيرات هذا البلد العربي، على مدار قرنين، إضافة إلى أنها حاربت بمواطنيه في الحربين العالميتين الأولى والثانية، أي إنها امتصت كل ما فيه من خير وثروة، وحاربت بدماء أبنائه. خلال هذا الزمن من الاحتلال، وما رافقه من قتل ودمار للجزائر وأبنائها، على مدار قرنين، كانت أشدها فتكا ودمارا وقتلا، سنوات حرب التحرير، التي بدأت عام 1956، وانتهت بانتصار الجزائر، بعد أن دفع الجزائريون ثمنا باهظا، أكثر من مليون جزائري، حتى سميت بثورة المليون شهيد، وحصولها على استقلالها في عام 1962.

 

فرنسا التي ترفض إلى الآن، الاعتذار عن ما اقترفت من جرائم بحق الشعب الجزائري، يأتي رئيسها ليقول لأحفاد من تعاونوا مع الاحتلال الفرنسي لبلدهم؛ سوف يقوم بتعويضهم عن ما فات من إهمال لهم ولدورهم في مساعدة فرنسا، وتمكينها من حكم الجزائر، هذا التصرف ما هو إلا استهانة بعقول الشعوب، وبالذات الشعوب التي تعرضت أوطانها إلى الاحتلال والنهب والقتل، بلا أي وازع من ضمير. لم يصدر أي رد من الحكومة الجزائرية على سلوك الرئيس الفرنسي، في حدود ما أعلم. كان الأجدر بالحكومة الجزائرية الرد على هذا التصرف بالشكل القانوني، ومطالبتها بالاعتذار؛ عن احتلالها للجزائر وما يترتب على هذا من حقوق وتعويضات، كما هي، أي الحكومة الجزائرية، قد فعلت في وقت سابق، قبل سنوات، من الآن.

 

القوى الكبرى في العالم تغزو وتحتل الدول وتدمر وتنهب وتزرع الخراب في كل زاوية ومكان، خارج ما يسمى القانون الدولي، ولا أحد في هذا العالم، الذي يدعي المدنية، والتحضر، وحكم القانون؛ يشجب ويدين ويتخذ موقفا قانونيا من هذه الغزوات والاحتلالات للأوطان والشعوب، التي ليس فيها من القوة والقدرة، ما يساعدها في حماية استقلالها، وكرامة وأمن مواطنيها، إضافة، وهذا هو الأهم والأخطر؛ هناك من مواطني هذه الدول من يفتح الطريق للغزاة، وهناك آخرون يدعمون هذا الاحتلال، وهناك حكومات تستنجد بالغزاة لحماية كراسي نظامها الآيل إلى السقوط، لولا تدخل هذه القوى العظمى، أو تلك، بالضد من إرادة الشعب في التغيير.

 

هذا السلوك الذي يأتي من رئيس دولة كبرى، وعضو دائم في مجلس الأمن الدولي؛ ما هو إلا رسالة إلى جميع الخونة والعملاء، في الوقت الحاضر، وفي كل زمان ومكان، مفادها؛ أن ما تقومون به، عمل نبيل يستحق التكريم والثناء ولو بعد حين، في فرية صارخة وكذب مشين، لا يمت إلى حقيقة تفكير الغزاة، بأي شكل كان، بل إن حقيقة تفكير الغزاة هي بالعكس تماما، أي النظر لهؤلاء باحتقار ودونية، وليس أي شيء آخر.

 

إن فرنسا التي غزت واحتلت الجزائر، كما غزت واحتلت سوريا ولبنان ودولا في أفريقيا، وبالذات دول الساحل، وهي إلى الآن، لها قواعد ووجود عسكري في هذه الدول، أقصد دول الساحل الأفريقي؛ لحماية أنظمة هناك، لتكون مناطق نفوذ لها، وهي كلمة مهذبة تختلف عن الحقيقة؛ كان الأجدر بها أو برئيسها إيمانويل ماكرون أن يقدم الاعتذار لهذه الشعوب التي ذاقت من جراء هذا الاحتلال، أو هذه الاحتلالات، الأمرين، من قتل لآلاف من أبناء هذه الدول.

 

فرنسا كما غيرها من القوى الدولية العظمى، وهنا لا أقصد جميعها فهناك بعض الاستثناءات؛ مارست عمليات الغزو والاحتلال، بما يضرب عرض الحائط جميع المواثيق والقوانين الدولية ذات الصلة، وجميعها لم تقدم الاعتذار عن هذا الدمار والخراب والقتل والنهب للخيرات، إنفاذا للقانون الدولي، الذي هو ذو مطاطية دولية، أي يتم قياسه على مقاس ما تريد تلك الدول وترغب، بصرف النظر عن القانون والحق والعدل. وجعل هذه الدول والشعوب من جراء الاحتلال، وأدواته؛ تسير في طريق مجهول. هذه الحفنة من المأجورين، تساهم مساهمة كبيرة جدا في قتل أبناء الشعب من المقاومين لهذا الاحتلال أو الاحتلالات.

 

هنا نقول: كم عدد الذين قتلتهم آلة الحرب الفرنسية، أو غيبتهم في سجونها المظلمة؛ عن طريق أدلاء الاستعمار الفرنسي، من أجداد هؤلاء الأحفاد؛ بكشف أوكارهم أو مناطق وجودهم، أو مسارات وطرق تحركاتهم؟ مع أن هؤلاء الأحفاد ليس لهم اي علاقة بما جرى قبل ما يقارب القرن من الآن، ربما لو عاد الزمن إلى الوراء؛ ربما مرة أخرى، لكان لهم موقف يختلف عن موقف الأجداد.

 

وأنا ؟أكتب هذا المقال المتواضع، حضر أمامي من بين هذه السطور؛ أبطال الحرية الستة، من المقاومين الفلسطينيين، الذين مرغوا وجه الاحتلال الإسرائيلي بوحل الانكسار والهزيمة والغباء، بعملية إبداع وابتكار وشجاعة وصبر، قلّ لها مثيل في التاريخ. ما كان للاحتلال الإسرائيلي أن يعثر عليهم، لولا أن هناك أدلاء له على الأرض. مثلما كان حال أجداد هؤلاء الأحفاد الجزائريين، وهذا أمر يحصل في كل زمان وحين ومكان، ولا يشكل أي مثلبة لأي شعب؛ لأنهم لا يشكلون إلا النزر القليل والقليل جدا، ولا يشكلون ظاهرة إطارية، إنما المشكلة هي بالتكريم المخادع الذي ليس له علاقة بأي صورة من الصور بالحقيقة.

 

(القدس العربي)