تقارير

"تل رفح الأثري".. معبر مرور بين مصر وفلسطين وبلاد الشام

تل رفح الأثري.. شاهد على الحقبة اليونانية في فلسطين (عربي21)

على ربوة مرتفعة تطل على البحر المتوسط والأراضي المصرية جنوب غرب قطاع غزة يقع موقع أثري قديم يعتبر واحدا من أهم المواقع الأثرية يعود للعهد اليوناني قبل الميلاد.

"تل رفح" الأثري أو ما يعرف محليا باسم "تل زعرب" نسبة لعائلة زعرب العريقة التي تقطن تلك المنطقة جنوب غرب مدينة رفح إلى الجنوب من قطاع غزة على الحدود المصرية ـ الفلسطينية.

ويقع هذا التل الضخم في أقصى الجنوب الغربي لفلسطين وبالتحديد جنوب غرب مدينة رفح الملاصقة للحدود المصرية ويبعد عن البحر مسافة كيلومترين تقريبا ويرتفع عن سطح البحر بحوالي 30 مترا ولكن الاحتلال الإسرائيلي جعله منخفضا عن مستواه الطبيعي عندما استخدمه كموقع عسكري في العام 2000م وقام بجرف الطبقات العليا منه.

وتبلع مساحة تل رفح الأثري بحسب الدكتور جمال أبو ريدة، مدير الإدارة العامة للآثار والتراث الثقافي في وزارة السياحة والآثار الفلسطينية 160 دونما.

وأوضح أبو ريدة في حديثه لـ"عربي21" أن العديد من الحضارات المختلفة تعاقبت على "تل رفح"، مشيرا إلى أن أقدمها هي الحضارة اليونانية (330 سنة قبل الميلاد) حسبما ظهر من خلال عمليات الحفر والتنقيب التي أجريت في بعض أجزاء هذا التل.

 



وأكد أنه في عهد الاحتلال الإنجليزي لفلسطين تمت مصادرة أراضي التل باعتبارها موقعا أثريا وظل الحال عليه حتى عهد الاحتلال الإسرائيلي بدون القيام بأي عمليات بحث أو تنقيب في هذا التل الأثري.

وقال: "حاول الاحتلال الإسرائيلي تدمير موقع تل رفح في إطار تعزيز الرواية الصهيونية القديمة بأن أرض فلسطين هي أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".

وأضاف: "هذا الإجرام الصهيوني بحق التراث الفلسطيني شمل كل المواقع الأثرية في قطاع غزة، فما عجز الاحتلال عن نهبه وسرقته قام بتدميره كما صنع في موقع تل رفح الأثري".

وشدد على أن المكتشفات الأثرية في موقع تل رفح الأثري كثيرة، ولكن أغلبها عبارة عن جرار فخارية وبعض القطع النقدية القديمة التي تبين أن الموقع كان أشبه بمعبر مرور بين مصر وفلسطين وبلاد الشام.

وعن أهمية الموقع على الحدود الفلسطينية ـ المصرية قال أبو ريدة: "يأتي في إطار مراقبة حركة البر والبحر من خلال الموقع، خصوصا أن الموقع يقع على تبة عالية يمكن من خلالها مراقبة حركة الناس في البر والسفن في البحر".

وأوضح أن وزارة السياحة والآثار تواصلت مع منظمة اليونسكو من أجل توفير التمويل اللازم لأعمال التنقيب المطلوبة في الموقع للكشف عما فيه من لقى أثرية لكن ظروف الانقسام الفلسطيني حجمت من دور اليونسكو من القيام بمهامها تجاه المواقع الأثرية في قطاع غزة والحفاظ عليها إن كان بالترميم أو الصيانة أو التنقيب.

وشدد على أن الموقع يحتاج إلى مشروع حماية له أي بناء سور حوله ومبنى إداري والقيام بأعمال التنقيب فيه لاكتشاف اللقى الأثرية فيه ومعرفة أكثر بتاريخه.

وكشفت الباحثة في التاريخ والآثار نريمان خلة أن اليونانيين قد استوطنوا في هذه البقعة بعدما احتل الإسكندر المقدوني سواحل فلسطين، وحول البحر المتوسط إلى بحيرة يونانية بعد تمكنه من احتلال كل المدن الساحلية على هذا البحر، ولكن مدينة صور وغزة تميزت عن غيرها من المدن باستعصائها في وجهه فحاصر صور 7 أشهر وغزة 5 أشهر وأصيب بجراح أثناء حصاره غزة فنكل بأهلها وقتل الكثيرين منهم، ولكنه بعد حين أعجب ببراعة سكان المدينة وأهلها في الحرف والأشغال المختلفة فشجع اليونان على الاستيطان فيها.

 



وقالت خلة لـ "عربي21": "على الرغم من أن الحقبة اليونانية كان يعتقد بأنها الأقدم في هذا الموقع الأثري، إلا أن الحفريات فيما بعد كان لها قول آخر، حيث تم العثور في أعماق التل علي طبقة أثرية تعود للعصر الكنعاني (2500 ـ 3000 ق.م)".

وأوضحت أنه في العام 2012 عثر فريق التنقيب على مشغولات من الفخار وغيره تعود للعصر الكنعاني وكان أشهرها قدر من الفخار موسوم عليه شعار الكنعانيين وهو طائر البجع.

وقالت الباحثة الفلسطينية: "لقد أصبح لدينا قاعدة بيانات أكثر وضوحا عن تاريخ المنطقة والشعوب التي استوطنتها، ونأمل أن تسفر أعمال الحفر والتنقيب عن ظهور ما يعتقد أنه استيطان فرعوني لمنطقة رفح تكون أسفل الطبقة الكنعانية".

وأضافت: "العمل جار في هذا الموقع الأثري على مدى الأعوام القادمة التي قد تستمر إلى 100 عام". 

وأوضحت خلة أن هذه الأعمال من حفر وتنقيب وترميم وتوثيق تمت بأيدي فلسطينية خالصة دون الاستعانة بأي خبرات أجنبية، معتبرة أن ذلك كسر للحصار الظالم المفروض على قطاع غزة.

وقالت: "خلال المواسم السابقة للحفر تم العثور على كثير من اللقى الأثرية الجميلة والنادرة، بعضها من الفخار وبعضها من الزجاج والرخام والبازلت الأسود والأحمر، بالإضافة إلى العديد من العملات البرونزية التي تعود للعصر الروماني  (63 ق.م ـ 395م) وكلها معروضة في متحف قصر الباشا بمدينة غزة".

وأكدت خلة على أن الطبقة الرومانية تعلو الطبقة اليونانية كما أنها هي الأضخم في تل رفح، ويعلوها الطبقة البيزنطية (395م ـ 630م).

واعتبرت أن يوم 31 كانون أول/ ديسمبر 2009م، كان يوما حاسما في تاريخ تل رفح حيث تم العثور على كنز من العملة اليونانية محفوظة داخل جرة من الفخار تزيد على الـ1000 قطعة، وهي تسمي (دراخما) مسكوكة من الفضة النقية يبلغ وزن الواحدة منها ( الكبيرة 17 غراما، والصغيرة 4 غرامات).

وأوضحت أنه على الوجه الأول من العملة رسم طائر البومة حيث تقف البومة منتصبة بشموخ وبعيون بارزة، مشيرة إلى أن البومة هي شعار اليونانيين الذي باهو به العالم حيث "أرادوا القول إننا أقوياء بالنهار ونبصر بالليل ونستطيع العمل والغزو حتى في الظلام لأن البومة تبصر بالظلام، وعلى الوجه الآخر رسم لبعض الآلهة متوجة بإكليل الغار".

وقالت خلة: "منذ ذلك الحين وبعد العثور على هذا الكنز ازداد اهتمام الحكومة الفلسطينية في غزة ممثله بوزارة السياحة والآثار بالحفر والتنقيب في تل رفح الأثري، حيث تم رصد ميزانية مناسبة لبدء العمل في التل ووضعت الحراسات وتم تحديد منطقة العمل وإزالة جميع التعديات التي كانت تشوه المكان وتحتل مساحات واسعة منه، وبدأت الوزارة بترتيب مواسم حفر متتالية من العام 2010م".

ومن جهته دعا الكاتب والصحفي سمير حتمو إلى إيلاء موقع "تل رفح" الأثري أهمية كبرى من قبل منظمة اليونسكو، مؤكدا على أنه معلم أثري مهم جدا.

 

                             سمير حمتو.. إعلامي فلسطيني

وأعرب حمتو في حديثه لـ "عربي21" عن أسفه لعدم اهتمام اليونسكو بهذا الموقع رغم الاكتشافات الكبيرة التي ظهرت في الموقع منذ العام 2009م.

وشدد على ضرورة عمل رحلات سياحية إلى هذا المعلم الأثري المهم من قبل الناس والباحثين والدارسين وكذلك المدارس.

واعتبر حمتو أن وجود هذا الموقع على الحدود المصرية الفلسطينية له أهمية كبرى لفلسطين وحدودها مع مصر وربما يكون تحته آثار فرعونية لم تكتشف.

وأكد أن الموقع مهم استراتيجيا كونه في الجزء الجنوبي الغربي من قطاع غزة، ويكشف البحر من خلال تلة عالية، حرص الاحتلال الإسرائيلي على مدار سنوات خلال وجوده في قطاع غزة على تجريفها بعد أن كان قد أقام موقعا عسكريا فيه قبل الانسحاب منه عام 2005م.