قضايا وآراء

تصحيح المسار.. من "الخطر الداهم" إلى "الخطر الجاثم"

1300x600

تصدير: "المؤسسات أصبحت تمثل خطرا جاثما على الدول(...) البرلمان نفسه أصبح خطرا على الدولة". 
الرئيس التونسي قيس سعيد خلال لقائه بوزير التجارة 
   

بصدور الأمر الرئاسي عدد 109 لسنة 2021، المؤرخ في في 24 آب/ أغسطس 2021 والمتعلق بـ "التمديد في التدابير الاستثنائية" التي جمّدت / علقت اختصاصات مجلس نواب الشعب، ورفعت الحصانة البرلمانية عن كل أعضائه، تكون تونس قد دخلت مرحلة جديدة من "حالة الاستثناء" بصرف النظر عن الاختلاف في توصيفها، أي بصرف النظر عن كون "حالة الاسثناء" انقلابا أو تصحيحا لمسار الانتقال الديمقراطي. 

فسواء أكان التمديد "إلى غاية إشعار آخر" هو اللحظة الثالثة في استراتيجيات الثورة المضادة ـ أي لحظة إنقاذ الدولة بعد لحظتي استمرارية الدولة واستعادة هيبة الدولة ـ كما يذهب إلى ذلك الرافضون لإجراءات الرئيس منذ 25 تموز / يوليو وتأويله "المتعسف" للفصل 80 من الدستور، أم كان تصحيحا للمسار وإنقاذا للدولة المهددة في وجودها ذاته نتيجة الأداء الكارثي للنخب الحزبية وغطائها البرلماني، فإن تونس قد دخلت مرحلة سياسية جديدة، ترسّخ انفراد الرئيس بالقرار بعيدا عن أي حوار وطني أو خارطة طريق، تحدد أهدافا واضحة وسقفا زمنيا لحالة الاستثناء.

رغم تأكيد الرئيس أنه قد تحرك داخل الدستور ولم ينقلب عليه، ورغم تعدد العناصر الحجاجية في خطابات المدافعين عن إجراءات 25 تموز/ يوليو، فإن أي قراءة متخصصة أو غير متخصصة للفصل 80 من الدستور لا يمكن أن تجد ما يسند هذا الموقف في "نصه" ـ أي في الملفوظات التي لا تقبل أكثر من معنى واحد ـ، وهو ما أدى بالكثير من أنصار الرئيس إلى اعتماد حجج "ما فوق دستورية" للخروج من مأزق اللادستورية. 

فذلك الفصل لا يعطي الرئيس الحق في عزل الحكومة ولا في تعليق صلاحيات مجلس نواب الشعب، بل يفرض على الرئيس في حالة "الخطر الداهم" إبقاء الحكومة (ويمنع حتى توجيه لائحة لوم لها)، كما ينصّ الدستور على بقاء مجلس النواب في حالة انعقاد دائم، ويوجب استشارة المحكمة الدستورية ـ غير الموجودة أصلا ـ. ولكنّ قبول أغلب الفاعلين الجماعيين بتلك الإجراءات ـ بمن فيهم حركة النهضة التي تحولت من الرفض المطلق إلى القبول النقدي ـ، وغياب أي رفض وازن لسياسات الرئيس من القوى الإقليمية والدولية، كل ذلك جعل هذا الأخير يتحرك من موقع قوة، ويرفض الحوار الوطني مع "الفاسدين" قبل نهاية مهلة الشهر الدستورية لحالة الاستثناء، ثم يمدد في تلك الحالة "إلى غاية إشعار آخر".

لقد كان واضحا منذ 25 تموز / يوليو الفارط أن تأويل الرئيس للفصل 80 من الدستور لا يمكن أن يلتزم بمهلة الشهر التي ينص عليها الدستور، كما كان واضحا أن الجهات الحزبية والنقابية والمدنية والإعلامية التي ساندت تلك الإجراءات لم تتحدث عن "خارطة طريق"، إلا لوعيها بأن "حالة الاستثناء" لا يمكن أن تنحصر في شهر. وهو وعي تشترك فيه مع الرافضين للإجراءات الرئاسية، ممن وصفوا تفعيل الرئيس للفصل 80 من الدستور بـ "الانقلاب". 

 

يقوم الرئيس التونسي بتغيير معادلات المشهد التونسي مرة أخرى. فـ "سيولة" المشهد التونسي دفعت بأشد خصومه (حركة النهضة) إلى تليين الخطاب والبحث عن نقاط التقاء مع الإجراءات الرئاسية ـ بصرف النظر عن مثالية هذا المطلب وطوباويته في ظل المشهد الحالي.

 



ولكنّ الاختلاف بين المناصرين للإجراءات والرافضين لها، يكمن في "أنظمة التوقع" المختلفة التي تحكمهم، والتي يحددون من خلالها مواقعهم خلال مرحلة الاستثناء وبعدها. فـ "الجبهة الرئاسية" بأحزابها واتحادها ومجتمعها المدني، كانت تريد "حوارا وطنيا" يضمن لها المشاركة في صنع القرار، ويضمن لها مصالحها المادية والرمزية في أية مخرجات قد ينتهي إليها ذلك الحوار الوطني. أما الرافضون للإجراءات، فقد سارعوا إلى وصمها بـ "الانقلاب" لينزعوا عنها أية شرعية دستورية وقانونية، لعلمهم بأنه لا موقع لهم في أي حوار وطني متوقع، بل ربما لا موقع لهم في أي مشهد سياسي قادم، وليقينهم كذلك بأنهم مستهدفون قبل غيرهم من "حالة الاستثناء". 

بتمديده حالة الاستثناء إلى أجل غير معلوم، يقوم الرئيس التونسي بتغيير معادلات المشهد التونسي مرة أخرى. فـ "سيولة" المشهد التونسي دفعت بأشد خصومه (حركة النهضة) إلى تليين الخطاب والبحث عن نقاط التقاء مع الإجراءات الرئاسية ـ بصرف النظر عن مثالية هذا المطلب وطوباويته في ظل المشهد الحالي ـ، ولكن التمديد (دون حوار وطني يعيد الاعتبار للاتحاد العام التونسي للشغل ولأحزاب "الحزام السياسي الرئاسي"، ودون تطمينات وضمانات لمواقعهم في أي مشهد سياسي قادم) قد يدفع ببعض الأنصار إلى مغادرة مربع المساندة المطلقة إلى مربع المساندة المشروطة أو النقدية، بل قد يدفعهم إلى مربع المعارضة الصريحة، إذا ما واصل الرئيس سياسة الإقصاء الممنهج للخصوم قبل الأنصار من مركز القرار.

إن تقاطع الرئيس مع بعض رموز المنظومة القديمة في الموقف من "الإسلام السياسي" وفي القرب من محور إقليمي معروف، وتقاطعه معهم في نقد النظام البرلماني المعدل والميل إلى النظام الرئاسي، لا ينبغي أن يجعلنا نغفل عن الاختلافات الجذرية بينه وبينهم في مستوى الطرح السياسي العام، أي في مستوى مشروعه السياسي الذي يتحرك بالتعارض مع الديمقراطية التمثيلية، ومع "الوسائط" المعتبرة فيها (مثل الأحزاب والجمعيات والنقابات وغيرها). 

فأغلب مناصري الرئيس (من خارج مشروعه السياسي)، يعلمون جيدا أنه لا موقع لهم في "الديمقراطية المجالسية" أو القاعدية أو المباشرة، ولذلك فإن التقاءهم الموضوعي مع الرئيس في بعض الملفات، لا يعني أنهم سيجارونه في الباقي. أما الرئيس، فيعلم جيدا أن أغلب مناصريه يحاولون توظيف إجراءاته لتقوية مواقعهم في "الديمقراطية التمثيلية" وفي الجمهورية الثانية، ولكنه يستغل "انتظاراتهم" وقلة الخيارات المطروحة أمامهم، ليحاول توظيفها في خدمة "مشروعيته" السياسية، وضمان الشروط الكفيلة بفرض "شرعية" جديدة عبر آلية الاستفتاء الشعبي العام.

يعلم الرئيس جيدا أن "الشرعية الشعبية" تظل شرعية مهزوزة مهما استندت إلى منطق "التفويض الشعبي"، وهي تحتاج إلى أن تتحول إلى شرعية دستورية لا يمكن الطعن فيها. ولكنّ هذا الانتقال في مستوى الشرعية، يوجب الاشتغال على اكتساب "المشروعية" (أي الإنجاز خاصة في مستوى ملف محاربة الفساد الاقتصادي والسياسي)، كما يوجب تعديل سردية الإنقاذ أو تصحيح المسار من "الخطر الداهم" إلى "الخطر الجاثم" ـ أي من الخطر المؤقت المرتبط بالأداء إلى الخطر الثابت المرتبط بالبنى أو بالمنظومة السياسية ذاتهاـ. فالإنجاز سيعطي لإجراءات 25 تموز / يوليو "شرعية ما بعدية"، ويطعن في صوابية الرأي القائل بأنها "انقلاب" في خدمة المنظومة القديمة (أي كونه لحظة توافقية جديدة)، كما أن الإنجاز سيقوي من احتمال تمرير الاستفتاء وتلقيه بالقبول من أغلبية المواطنين.

 

ولا شك في أن كل ذلك يستوجب مدة زمنية مفتوحة، لا يحددها إلا تقدير الرئيس لاستعداد أغلبية التونسيين للموافقة على مضامين الاستفتاء من جهة أولى، ولا يحددها من جهة ثانية إلا قدرة الفاعلين المحليين على مواجهة هذا المشروع السياسي، أو تعديله داخل أفق الجمهورية الثانية وديمقراطيتها التمثيلية.