كتب

مفهوم الشوكة.. هل يصلح لتدبر الشأن العام اليوم؟

الإمام الجويني: لا بدّ لأهل الحل والعقد من شوكة تمكنهم من ممارسة مهامهم- (عربي21)

الكتاب: "مقاربات في قراءة التراث"
الكاتب: عبد المجيد النجار
الناشر: الدار المالكية للطباعة والنشر- تونس 2015
عدد الصفحات: 240 صفحة


لا نستدعي المفاهيم التراثية إلاّ لنحاورها: لنتفهّمها أولا عبر تنزيلها في سياقها التاريخي والإبيستيمولوجي ثم نفهمها باعتبارها مختزل خبرات تجارب أسلافنا ومستودع رؤاهم وتصوراتهم. ونسائلها في ضوء مكتسبات الرّاهن باعتبارها حلولا ممكنة لأسئلة الحاضر مدفونة في التراث. وهذا ما يحاوله عبد المجيد النجار في أثره "مقاربات في قراءة التراث" فيجعل قسمه الأوّل نظريّا يبحث في ثقافة التراث الإسلامي لبن الوحدة والتنوّع. ويجعل قسمه الثّاني تطبيقيّا يختبر وجوها من المفاهيم التراثية. فيعود إلى مبدأ الشوكة في فكر إمام الحرمين الجويني وإلى تقدير الفعل الإنساني بين النقل والعقل من خلال مواقف ابن تيمية والتصور العقدي لبنية الإنسان في فكر بديع الزمان النورسي. 

ولا نستدعي هذه المفاهيم بالطريقة نفسها ولا نفهمها الفهم نفسه. فلخلفياتنا الفكرية ولقراءاتنا واختصاصنا ولتجاربنا الخاصة دور في الفهم والتأويل. ولنتبسّط في رؤية عبد المجيد النجار آثرنا أن نقدم أهم تصوراته لصلة الرّاهن بالتراث وأن نتلمس ظلال هذه التصورات في مبحث واحد من أعماله التطبيقية فنجعله أنموذجا نفهم من خلاله أسلوب عبد المجيد النجار في التعاطي مع التراث.

1 ـ ثقافة التراث الإسلامي بين الوحدة والتعدّد

يرى الباحث أنّ الدين يمثل قطب الرحى الذي يدور عليه عامة تراث الأمة الإسلامية، ومن هنا انعقدت تلك العلاقة العضوية التي وصلته بالحياة العامة في كل مظاهرها، حتى كاد هذا التراث يغدو، بشكل ما  تراثا دينيا خالصا. ويرى أنّ هذا التراث يمثل بوصلة توجه المسلمين اليوم. فهم، وفق الباحث لا يرون جديدا في الحياة، إلا في ضوء القديم تواصلا معه أو تباينا. ومن هنا مثار الجدل حول كيفية تعاطي اللاّحق مع التراث السابق.
 
وليمنح عمله عمقا وصلابة يعود إلى مفهوم الثقافة في الفكر الحديث ليجعل معبرا للخوض في خصوصيات الثقافة الإسلامية. فيعرفها بكونها "الصور التصديقية التي توجّه فكر أمة من الأمم، المتعلقة بالوجود والكون والحياة الناشئة عن دين أو فلسفة أو أسطورة التي توجه فكرها"، أو "بكونها المنهج الذي تنتهجه أمة ما في مباشرة الحياة والأسلوب في التفكير. ونستخلص هذين العنصرين عمليا في الطرائق السلوكية التي تتجسّد في العيش الجماعي والفردي في مختلف مظاهره وأشكاله". 

ولارتباط الدين بمختلف مظاهر حياة المسلمين ترتبط تلك الصور التصديقية بالديانة الإسلامية. فتكون "ذلك المنهج في مباشرة الحياة فكرا وسلوكا الذي صنعته العقيدة الإسلامية، وعليه تأسست الأمة الإسلامية، وبه باشرت حياتها في واقع التاريخ، ومنها حصّلت كسوبها الحضارية في مختلف المجالات". ويحدّد العنصر الفكري فيها، بكونه منهج إعمال العقل في الكشف عن الحقائق وتحقيق الحياة، أو لنقل طريقة العقيدة الإسلامية في تكييف العقل وجبله على طريقة معينة في التفكير.

ومما يميّز ثقافة عن أخرى تلك "الوحدة الجامعة بين أفراد كثيرين "بينهم من الوشائج ما يربط كثرتهم برباط شامل يصبحون به في هيئة كلية موحدة" وهذا يفترض أنّ وحدة الأمة لا تتحقق هذه إلاّ إذا كانت ثقافتها التي تمارس بها الحياة تلتقي بين جميع أفرادها على عناصر ثابتة لا تتبدّل بتبدّل الزمان".

يجعل الباحث هذا المدخل مقدمات تؤسس لفصول الباب الثاني. فيعود إلى جملة من المفاهيم بحثا عن العناصر الثابتة في الثقافة الإسلامية التي لا تتبدّل بتبدل الزمان. وفي ضوئها يقارب مبدأ الشوكة.

2 ـ مبدأ الشوكة في الفكر السياسي لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني (419- 478)

اجترح أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني نسبة لجوين إحدى قرى نيسابور، الملقب بأمام الحرمين مفهوم الشوكة. والرّجل فقيه شافعي عاش في ظل الدولة العباسية واشتغل بأصول الفقه وعلم الكلام. من آثاره: "نهاية المطلب في دراية المذهب" و"الشامل في أصول الدين" و"لمع الأدلة في قواعد عقائد أهل السنة والجماعة".
 
وينزّل هذا المفهوم ضمن فقه السياسة الشرعية. ومأتى أهميته من إثارته لقضايا ذات صلة بالحياة السياسية. فقد ظل هذا المبحث، وفق عبد المجيد النجار، دون فقه العبادات والمعاملات تأصيلا وتعميقا. أما اليوم فيصطدم الدّارس أحيانا كثيرة بعسر في تحيين مباحثه وجعلها تواكب الرّاهن لما شهدته المفاهيم السياسية من اليوم من تطوّر. ولمركزيته في فكر الجويني السياسي يحاول الباحث أن يحدد ملامحه، خاصّة أنه لم يجد له في كتاباته حدّا دقيقا بقدر ما وجده قائما في البنية العميقة الموجهة للقضايا التي تناولها بالدّرس. فيقدّر أن مداره على أسباب القوة المتحقّقة من صلابة العسكر عدّة وعتادا ومن الأتباع والأنصار والأحلاف. وما بم يتحقّق من هذه الأسباب يتحوّل إلى شوكة بيد أعدائه. لذلك يقال عن الحاكم حين يتردى وضع دولته. "رثّت شوكته ووهنت عدته". 

 

يرى الباحث أنّ الدين يمثل قطب الرحى الذي يدور عليه عامة تراث الأمة الإسلامية، ومن هنا انعقدت تلك العلاقة العضوية التي وصلته بالحياة العامة في كل مظاهرها، حتى كاد هذا التراث يغدو، بشكل ما تراثا دينيا خالصا.

 



ومن أسباب القوة التي يعوّل عليها الجويني في تحقيق صلابة الشوكة جهاز المخابرات، يقول: "فلو اصطنع صدر الدين والدنيا من كل بلدة رمزا من الثقاة على ما يرى، ورسم لهم أن ينهوا إليه تفاصيل ما جرى، فلا يغادروا نفعا ولا ضرا إلاّ بلّغوه اختفاء وسرا". ورغم أنه يجعل لهذه الشوكة عناصر معنوية قيمية كالحق الذي يكفل للإمام انتصابه للإمامة واستمراره فيها، فإن البعد المادي يظل ركنها الأساسي فإن تراجعت الشوكة العسكرية ضعفت أحقيته ةتراجع رضا الناس به. 

3 ـ دور الشوكة في النهوض بمؤسسة الإمامة
 
يجعل الجويني للشوكة دورا حاسما في انعقاد الإمامة وفي تحقيق شرعيتها. فعند التكافؤ بين طرفين تعقد الإمامة إلى صاحب الشوكة، بل تعقد أحيانا للمفضول إذا كان صاحب شوكة عتيدة مقارنة بالأفضل فـ"إذا اتفق تقديم المفضول واختياره مع منعة تتحصّل من مشايعة أشياع ومتابعة أتباع، فقد نفذت الإمامة نفوذا لا يدرأ". ويعتبرها عنصرا مدعما لاستحقاقها. فـ"ـعند استيلاء صالح على الإمامة بمقتضى شوكته العسكرية، فإن الشوكة تلك تصبح مبرّرا لتولي الإمامة". فتحل الشوكة عندئذ محلّ أهل الحل والعقد. 

ولا بدّ لأهل الحل والعقد من شوكة تمكنهم من ممارسة مهامهم وأهمها الأهلية العددية أي وجود ما يكفي من هؤلاء لعقد الإمامة. ولكن يكمن لمبدأ الأهلية الذاتية المستندة إلى قوة الشوكة أن ينسخ هذا الشرط. "فإنه إن بايع رجل واحد مرموق كثير الأتباع والأشياع، مطاع في قومه وكانت منعته تفيد ما أشرنا إليه (من تحقق الشوكة) انعقدت الإمامة".
  
ولا يحدّد الجويني دور الشوكة في النهوض بمهام الإمامة على وجه الدقة. ولكن يبقى معنى القوة المادية موجها أساسيا لفكره. ومبرّرها ما يقتضي القيام على حفظ قواعد الإسلام على مستوى التطبيق والسلوك من شوكة عسكرية بالأساس، وهو الدور الأساسيّ الموكول للحاكم. أما المهام الفرعيّة، من تحقيق للأمن العقدي (حفظ الدين) وسعي في دعوة الكافرين إلى أصل الدين، وضمان للأمن الاجتماعي كحفظ الاستقرار ومقاومة قطع الطرق وإقامة العدل بالفصل في المنازعات وفرض العقوبات الزاجرة ونصرة الضعفاء، فتقع في صميم مفهوم الشوكة في بعدها العسكري.

4 ـ في تفهم الباحث لمبدإ الشوكة

يحاول الباحث عبد المجيد النجار، فيتفهّم مبدأ الشوكة في فقه الجويني، وأن ينزّله في سياقه التاريخي والإبيستيمولوجي، منها تردّي الوضع السياسي والثقافي في مراحل من عصر الفقيه وما حفّ به من أخطار تهدد وحدة الأمة وأمن الدولة واستقرارها. فيسجل لهذا المفهوم عديد الفضائل، يحسن التعبير عنها بمصطلحات معاصرة مثل ضمان هيبة الدولة ومناعة حدودها على المستوى الخارجي وضمان قدرتها على إنفاذ القانون وفرض احترامه على المناوئين على المستوى الداخلي.

ويجد الباحث لهذا المفهوم أسبابا أخرى ذاتية لعل صلة الفقيه الوطيدة بنظام الملك وإعجابه به أن تكون أبرزها. فقد كان الفقيه مقرّبا من قوام الدين أبي علي الحسن الطوسي أهم الوزراء السلاجقة. وكان الوزير يجسد حسن التدبير والحكمة والحصافة ويدعو إلى العلم ويقرب أهل الأدب إليه ويؤسّس المداس النظامية حتى طالت وزارته وامتدت لنحو ثلاثين عاما. 

وكان يكفل استقرار الدولة عبر قوة الشوكة العسكرية. ولعلّ تأليفه لكتاب "الغيثاني" في الفقه السياسي واشتقاقه لعنوانه من أحد ألقاب نظام الملك وتقديمه له يثبت أنّ العلاقة بين الرجلين قد تجاوزت الإعجاب إلى الولاء السياسي المطلق. بل إن الباحث يجد أن الغرض الأساسي من تأليف الأثر هو "بيان الأحكام فيما لو خلا الزمان من الأئمة". 

وقد اشتمل الكتاب على إشارات كثيرة تؤكّد فعلا أنّ الزمان قد خلا ممن تتوفر فيه صفات الإمامة باستثناء نظام الملك الذي امتلك أسبابها. فكان يبرّر له استيلاءه عليه بما له من شوكة عسكرية وكان يحثه أحيانا على ذلك بالعبارة الصّريحة. فمما جاء في الكتاب قوله "فالمعنى الذي يلزم الخلق طاعة الإمام ويلزم الإمام القيام بمصالح الإسلام أنه أيسر مسلك في إمضاء الأحكام، وقطع النزاع والإلزام، وهو بعينه يتحقّق عند وجود مقتدر على القيام بمهمات الأنام، مع شغور الزمان عن إمام، فقد تحقّق ما أحاوله قطعا على الله العظيم شأنه ووضح كفلق الصبح دليلة وبرهانه فامض با صدر الزمان قدما ولا تؤخر الانتهاض لما رشّحك الله له قدما".

5 ـ المفهوم التراثي والسياق المعاصر.. أي علاقة؟

ولكن هل يمكن الإفادة من هذا المفهوم اليوم؟ لا يتردّد الباحث في المقارنة بين ما يترتّب على مفهوم الشوكة من اعتماد على القوة والتجسس على الأفراد وصورة الدولة البوليسية اليوم. لقد أراد الجويني لمفهوم الشوكة أن يخترق مختلف مظاهر الحياة وجعل الصلة بين الإمامة والشوكة العسكرية عميقة وأباح لها تسخير كل الموارد تحقيقها وأشركها في ضمان شرعية الإمامة وفي تقدير مهام الإمام. 

ولئن التمس الباحث العذر للفقيه وبحث في ما وراء هذا المفهوم من الغايات النبيلة فإنه لا يخفي احترازه مما يمكن أن يحصل من انحراف على مستوى التجسيد. فـ"إذا كان إمام الحرمين قد استعمل مبدأ الشوكة فيما يفضي إلى الأمن بمفهوم واسع يشمل وحدة الأمة وكفالة الضعفاء فيها، بما يعدّ تميّزا في فكره السياسي، فإنه ربّما اشتط فيه أحيانا بما يلامس حدود حرية الرأي ويوشك أن يغشاها بالاستباحة، أو على الأقل يسهّل على من يأخذ بهذه الاجتهادات السياسية استباحتها".

على هذا النحو بدا الباحث متحرّرا من سطوة التراث. فقد كان يعمل على الاهتداء به في تحديد ملامح الرّاهن وتجاوز ما تجاوزه العصر نحو: "وعلى ذلك فإننا نرى أنه إذا كان إمام الحرمين قد قدّم في الفقه السياسي أفكارا ثرية يمكن الاستفادة منها في النهوض بالفكر السياسي الإسلامي الرّاهن، فإن بعض الأفكار التي طرحها في نطاق مبدإ الشوكة وما كان له من آثار في أحكام الإمامة ينبغي أن تطرح للمراجعة حتى لا تكون الأحكام ذات الخصوصيات الظرفية موجّهة للفكر السياسي الإسلامي في المبادئ ذات الطّابع الكلي العام".  

ولكن الإشكال الذي يواجهه القارئ يتمثّل في تلك الهوة العميقة التي يجدها بين المقدمة النظرية التي تبدو مغرقة في المحافظة والتمسك بالقديم والعمل التطبيقي الذي يأخذ منجز الحداثة السياسية بعين الاعتبار وهو يستدعي القديم ويتمثّله.