قضايا وآراء

حتى لا تصبح تونس مصرا أخرى

1300x600
"إذا كانت تمشي كالبطة، وتصدر صوتا كالبطة؛ فهي بطة".. هكذا وصف السيناتور الأمريكي الراحل جون ماكين، الانقلاب على الشرعية في مصر عام ٢٠١٣. ورغم المحاولات البائسة لطلاء الحدث بقشرة ثورية، وإقحامه في الوجدان الشعبي عبر طمس الحقائق وتزييف الوعي، إلا أن الحقيقة ظلت كما هي؛ فالبطة لا يمكن أن تكون إلا بطة.

وإذا كانت "بطة مصر" تصيح بلكنة الجنرالات الركيكة، التي لا تعرف إلا إصدار الأوامر أو الاستجابة لها، فإن فصاحة "بطة تونس" التي ترفع الفاعل وتنصب المفعول به، أصابت البعض بنوع من الحيرة؛ نظرا لهيئتها المغايرة وصوتها الذي لا يشبه بطة مصر، إلا أن حركاتها وأفعالها أكدت أنها نسخة مصغرة منها، تسير على نفس الطريق دون جلبة أو ضجيج.

كان الأسبوع الماضي كفيلا بإظهار حقيقة الانقلاب الناعم الذي جرى في تونس وإجلاء الحقيقة أمام الجميع، بعد هذا السقوط الكبير لأيقونة ثورات الربيع العربي على يد خبير الدستور، الذي كان يفترض أن يحافظ عليه، فإذا به ينحيه جانبا، ويقيل الحكومة، ويجمد البرلمان، ويعلن دخول البلاد في دوامة الأحكام العرفية لمدة شهر، ليجمع مختلف السلطات بين يديه، وتخرج تونس - بقصد أو دون قصد - من إطار دولة القانون إلى فضاء جمهوريات الأمر الواقع الذي يعصف بالمنطقة العربية بأكملها.

لاحظ الجميع تعسفا في تفسير مواد الدستور على وجه لا تحتمله قواعد دولة القانون، بالتزامن مع إقصاء الحكومة وتعيين مكلفين بتسيير الوزارات؛ ولاؤهم الكامل للرئيس وليس الشعب، حتى اختزل الرئيس في نفسه كل السلطات، ولم يعد هناك وجود لمبدأ الفصل بين السلطات، الذي هو ركن أساس في البناء الديمقراطي، كما أن مرجعية الحكومة لم تعد للبرلمان، فليس هناك حاجة لنيل الثقة من أي مصدر غير رئيس الجمهورية، الذي أعطى لنفسه الحق في اتخاذ مراسيم تشريعية بالمنظومة الدستورية، بعدما حصل على سلطات رئيس الحكومة، ودون تفويض مباشر من البرلمان المعطل.
لم يعد هناك وجود لمبدأ الفصل بين السلطات، الذي هو ركن أساس في البناء الديمقراطي، كما أن مرجعية الحكومة لم تعد للبرلمان، فليس هناك حاجة لنيل الثقة من أي مصدر غير رئيس الجمهورية، الذي أعطى لنفسه الحق في اتخاذ مراسيم تشريعية بالمنظومة الدستورية

يتحدث الفصل الثمانون من الدستور التونسي، الذي اعتمد عليه قيس سعيد في قراراته الأخيرة، عن كارثة محققة أو خطر داهم بالبلاد يهدد كيان الوطن وأمنها واستقلالها، ويتعذر معه السير العادي لأجهزتها، ويعلن بموجبه الرئيس التدابير الاحترازية لمدة محددة. لكن الرئيس التونسي لم يشر تحديدا إلى الخطر الذي جرى بموجبه إصدار تلك التدابير، حتى يتخذ الإجراءات اللازمة حياله. وكان تعريف الخطورة فضفاضا، دون توصيف دقيق يحدد ماهيته أو ما يترتب عليه من إجراءات. ووقف الرجل كدليل مسؤول عن سير قافلة أمر أفرادها بالتوقف درءا لخطر ما، فلما توقفوا وباتوا ليلتهم ومرت أيام أخرى وليال دون حراك لم يحدثهم عن الخطر، أو الطريق الذي ينبغي أن يسلكوه.

ويؤكد الفصل ذاته أنه لا يمكن حل الحكومة، أو البرلمان، الذي يتعين أن يبقى في حالة انعقاد دائم، وهو ما خالفه سعيد، وبدلا من تآزر جميع سلطات الدولة لمواجهة الخطر الداهم المزعوم، فكك رئيس تونس مختلف السلطات وأمسك بخيوط اللعبة في قبضة يده، ضاربا عرض الحائط بالفقرتين الثانية والثالثة من الفصل الثمانين، بعد لي عنق النص الدستوري وتكييفه حسب هواه.

زعم الرئيس التونسي أن قراراته تهدف إلى القضاء على الفساد، الذي ينخر في مفاصل الجهاز الإداري للدولة، لكن لا أعتقد أن مدة شهر التي تمنحها له الإجراءات الاستثنائية كافية لتحسين الاقتصاد، أو محاسبة من يتاجرون بصحة المواطن - على حد قوله - في ظل تأن شديد في إظهار خارطة طريق تسير البلاد على ضوئها، والحذر المبالغ فيه من الرئيس تحسبا لردة فعل قوية تخرج من الشارع، أو ضغوط خارجية تعيد الأمور إلى المربع صفر، وهو ما سيستدعي بطبيعة الحال تمديد الإجراءات الاستثنائية لمدة أخرى، وسيكون ذلك اختبارا حقيقيا للشعب التونسي في عمومه، وسياسييه على وجه الخصوص.

حافظ الانقلاب التونسي حتى الآن على قدر من النعومة - رغم إغلاق مكاتب إعلامية وبعض الاعتقالات - لاعتبارات داخلية وخارجية؛ فهناك من يراقب الوضع عن كثب، لمعرفة التكييف القانوني لما جرى داخل تونس وملائمة ذلك دستوريا، وهناك قوى شعبية ومنظمات مجتمع مدني فاعلة لن ترضخ بسهولة لانقلاب خشن؛ لكن الخطورة تكمن في تمرير ما جرى والسكوت عليه، وهو ما ينذر بانتكاسة دستورية خطيرة تمهد للعودة إلى حقبة حكم الفرد الواحد.
شواهد الواقع تؤكد أن الانتهاك إذا وجد قبولا لمرة واحدة سيحظى بشرعية، وستخلفه عشرات الانتهاكات، حتى يصبح ذلك الأصل وما عداه استثناء. ولكم في مصر عبرة وعظة

بالطبع عانت تونس من أخطاء سياسية جسيمة ارتكبتها الحكومة خلال الفترة الماضية، وفوضى عارمة في البرلمان، وأوضاع اقتصادية صعبة، وتداعيات خطيرة بسبب أزمة كورونا، لكن ذلك لا يبرر إطلاقا الكفر بالحرية أو تطليق الديمقراطية، أو السير على خارطة طريق الثورة المضادة، التي تهدف بالأساس إلى تغيير الحالة في صحيفة الأحوال التونسية؛ من دولة القانون والدستور إلى جمهورية الأمر الواقع. 

قد يجد البعض مسوغا لغض الطرف عن الانتهاك الدستوري الحالي، طمعا في القضاء على الخصوم أو من يقفون على الجانب الآخر من طريق المكايدة السياسية؛ لكن شواهد الواقع تؤكد أن الانتهاك إذا وجد قبولا لمرة واحدة سيحظى بشرعية، وستخلفه عشرات الانتهاكات، حتى يصبح ذلك الأصل وما عداه استثناء. ولكم في مصر عبرة وعظة، فهناك من راهن على حصان العسكر الجامح لأداء دور محدود في لحظة فارقة، وخدعهم أملهم في القضاء على خصومهم السياسيين، حتى جاء اليوم الموعود؛ فلم يعد أمامهم فرصة لعض أصابع الندم.