أفكَار

هل الفوضى مدخل للتحول الديمقراطي؟ تجربة تونس نموذجا (1من2)

أحمد القاسمي: تبعات الفوضى في عصرنا الحديث لا تقل فداحة عن فوضى الفتنة التاريخيّة (الأناضول)

هل يذهب في خلد قارئ العنوان أن هذه المقالة هجائية وأنها تقصد شرا بالرئيس التونسي قيس سعيد وهي تصفه بالفوضوي؟ لا نعتقد ذلك. وليست هذه غايتنا على كل حال. وللأمانة فلسنا أول من أطلق عليه هذه الصفة. فقد سبقنا إلى ذلك شخصان على الأقل. فوردت على لسان أستاذ القانون الدستوري ورئيس شبكة دستورنا جوهر بن مبارك حالما ظهرت نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التونسية 2019 معتبرا برنامجه السياسي "برنامجا فوضويا يخفي نزعة استبدادية تحت شعارات رنانة". ثم وردت لاحقا على لسان القيادي بحركة النهضة والوزير السّابق محمد بن سالم لما قال عنه في الفترة نفسها تقريبا "هذا الرجل يساري المنشأ وقد انشق هو وأصدقاؤه عن الوطد (حزب يساري راديكالي تونسي) إلى ما هو أكثر تطرفا من الوطد" ثم أردف "هو متطرف في العلمانية ولديه أفكار فوضوية وله علاقات بأناس فوضويين''. 

ولكن الوصف جاء في سياق غير سياقنا. فنحن لا نعمل على القدح في شخص الرّجل أو في أفكاره ولا نرى في الفوضوية غير مذهب سياسي وفلسفي حالم بمصير أفضل للإنسان ومستقبل أرقى للإنسانية. ولكن قُدر لترجمته الحرفية إلى العربية أن تحمل إيحاءات قدحية لا نرمي إليها بكل تأكيد.

1 ـ هل يجدر بنا أن نخاف الفوضوية؟

لا نعتقد أن مصطلحا ظلم عند نقله إلى العربية بقدر ما ظلم مصطلح "الفوضوية (Anarchism/Anarchisme)". فحينما يرغب سياسي ما في تصفية خصمه والإيحاء بعدم كفاءته أو بخلل في سلّم القيم التي يدعو إليها يصفه بالفوضوي. ويوصف من لا يمسك بخيط ناظم بين أفكاره بالفوضوي كذلك. وعامة تشوّش على المصطلح دلالات كثيرة متصلة بالخروج عن القانون أو إثارة الشغب والفتن أو المس بالقيم المشتركة على صفاء هذا المفهوم و"نبله" في تصور أصحابه، على الأقل. 

ولعلّ لالتباسه في أذهاننا ولانتقال عقولنا آليا إلى السّياق القدحي أسباب عميقة في الثقافة العربية. ففي لا شعورنا السياسي ترتبط الفوضى بالفتنة و"الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ" (البقرة 191). "وَ"أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ (" البقرة 217). أما من جهة وقعها السياسي والمذهبي، فنحن لا نزال نعاني تبعاتها منذ مقتل الخليفة عثمان وواقعة حرب الجمل بعدئذ. ولا يزال منهج أهل السنة يحذر من الفتن ويحث على الصبر على ظلم ولاة الأمور وعدم الخروج عليهم. 

فمن مرويّ حذيفة بن يمان عن الرسول، وإن اختلف فيه علماء الحديث، "تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع". وعنها يقول الإمام البربهاري "إذا وقعت الفتنة فالْزم جوف بيتك، وفِرَّ من جوار الفتنة، وإياك والعصبية، وكل ما كان من قتال بين المسلمين على الدنيا فهو فتنة، فاتَّقِ الله وحده ﻻشريك له وﻻ تخرج فيها، وﻻ تقاتل، وﻻ تهوى، وﻻ تشايع، وﻻ تمايل، وﻻ تحب شيئا من أمورهم "أما الشافعي فيرى أنّ "الجماعة لا تكون فيها غفلة عن معنى كتاب الله، ولا سنة ولا قياس، وإنما تكون الغفلة في الفرقة". 

وتبعات الفوضى في عصرنا الحديث لا تقل فداحة عن فوضى الفتنة التاريخيّة. فلا شكّ أن اللاشعور السياسي العربي سيستدعي آليا حديث وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد بعد سقوط بغداد إثر الغزو الأمريكي عن الفوضى الخلاقة عند وصفه لأحداث الشغب والفوضى المدمرة التي عرفها العراق بقوله: "إن العراقيين ليسوا معتادين على الحرية، وإن هذه هي أول فرصة لهم للتعبير عما يختلج في نفوسهم، وإن هذه العمليات الفوضوية إيجابية وخلاقة وواعدة بعراق جديد". 

 

في لا شعورنا السياسي ترتبط الفوضى بالفتنة و"الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ" (البقرة 191). "وَ"أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ (" البقرة 217). أما من جهة وقعها السياسي والمذهبي، فنحن لا نزال نعاني تبعاتها منذ مقتل الخليفة عثمان وواقعة حرب الجمل بعدئذ. ولا يزال منهج أهل السنة يحذر من الفتن ويحث على الصبر على ظلم ولاة الأمور وعدم الخروج عليهم.

 



ولعلّ هذا اللاشعور يستعيد إلى ذلك خلفية الرجل الفكرية. فيرجع إلى مشروع  "مايكل ليدن" أحد أقطاب المحافظين الجدد القائم على فكرة "التدمير البناء"، وهو مصطلح مرادف لمصطلح "الفوضى الخلاقة" وهو يرى الفوضى المنتشرة في بلاد العرب اليوم والحروب الأهلية، ومداره على إجراء تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية بحثا عن شرق أوسط جديد على أساس الهدم ثم إعادة البناء بعد أن استوفت معاهدة "سايكس بيكو" كافة أغراضها  بمرور قرن عن التوافق حولها.

مثلت هذه التراكمات السياسية والمذهبية إذن عنصرا مهما في نزعة أذهاننا الآلية للانحراف بالمصطلح إلى دلالات محايثة لتعكير الصفو العام وتهديد السلم والأمن الاجتماعيين. وهذا ما يدعونا إلى البحث في الدلالة العميقة للمفهوم وسياق نشأته.

2 ـ الفوضوية موقف من الاضطهاد الاقتصادي

ليست الفوضوية مذهبا واحدا يمكن تحديده بعرض أهم مفاهيمه الفرعية وضبط تحولاتها وإنما هي نزعات ظهرت في فترات تاريخية مختلفة وفي مناطق جغرافية متباعدة تعمل على رفض المنظومات الاستبدادية القائمة. لذلك فنحن لا نزعم تقديم تعريف جامع مانع، وأنى لنا ذلك؟ فحسبنا أن نسلط الضوء على المشترك بين أفكارها أو أكثرها تداولا على الأقل. ولعل المستوى الاقتصادي أن يكون أول العتبات لمحاولة فهمها.

كرّس الاقتصاد الرأسمالي انحرافات جمة مست بجوهر المبادئ الديمقراطية.. فقد كدّس الثروة بين أيدي قلة لا تمتلك وسائل الإنتاج فحسب وإنما تمتلك مصير المشاريع المتوسطة والصغيرة العاجزة عن المنافسة وتدفع بأصحابها إلى الإفلاس وتتحكّم في قدر العمال فتحول كدحهم إلى منتج تتحكم هي في توجيهه وفق حاجتها وفي تحديد قيمته وتجعلهم يعيشون حالة من الاغتراب. وتحرمهم من الحصول على عمل مثمر وخلاق يحقق مبدأ تحكّم المرء في نفسه. 

ومن مظاهر انحرافاته إفراطه في البحث عن الربح الأقصى أيا كانت سبله. فحول مختلف مناحي الحياة إلى منتج يقايض بالمال كما هو الحال بالنسبة إلى الصحة والتعليم والقضاء العادل. وهكذا تحوّلت الحياة الكريمة من حقّ تكفله النظم الديمقراطية إلى استحقاق يناله الأغنياء القادرون على دفع ثمنه. وتحولت مؤسسات الدولة إلى أداة لفرض هيمنتهم وإكسابها الشرعية القانونية. وعليه فقد انتصرت الفوضوية إلى الحرية التي سلبت من قبل الأغنياء وعملت على رفض المركزية وكسر هياكل التسلسل الهرمي في الدولة ومناهضة كل نظام اجتماعي منغلق على ذاته ومقاومة الوصاية الفكرية للمؤسسات الدينية والحكومية المحنطة الموظفة لتكبيل الفقراء وتطويعهم لخدمة أصحاب رأس المال. 

ولضمان سيطرة المنتجين على مسار إنتاجهم وتمتعهم بخيراته نادت بعض التيارات الفوضوبة بمبدإ التسيير الذاتي والقرارات القائمة على التوافق ودعت إلى بناء مجتمع إنساني متكافل يقوم على الملكية الجماعية والعمل الإلزامي لكل أعضائه ومثلت نقدا للاشتراكية السلطوية وموقفا من المنافسة والمصالح الأنانية الخاصة في النظام الرأسمالي. وكان قول ماركس بتفكيك جهاز الدولة في المرحلة الأخيرة من تطور البشرية في ظل النظام الشيوعي ملهما لها.

3 ـ من الاقتصاد إلى الفلسفة والسياسة

سريعا ما تحولت الفوضوية من الشأن النقابي الذي يدافع عن حقوق العمال وصغار المنتجين إلى تصور سياسي بخلفيات فلسفية عميقة محورها تحدي السلطة والدولة بالنتيجة. فقد رسخ في فكرهم أنّ الدولة تمثل وجودا أعلى من الفرد وظفها أصحاب النفوذ المالي لحماية كبار المنتجين دون سواهم. ثم تحول هذا الموقف إلى رفض لكل أشكال السلطة المنظمة بما في ذلك السلطة الأبوية والدينية وإلى رفض العنصرية ومختلف أشكال التمييز وعارضوا كل أشكال المركزية في الحكم والهرميّة في التنظيم الإداري ونادوا بالتنظيم الأفقي واتخذوا التحرك المباشر مبدأً.  وممّا غلب على التيارات الفوضوية، على المستوى السياسي، رفض النفاق والانتهازية في الأوساط السائدة. وكثيرا ما عدت التجربة الثورية لكومونة باريس والثورة الإسبانية في الثلث الأول من القرن العشرين نماذج مثلى كان الفوضويون يمنون النفس بتكرارها.  

وكومونة باريس La Commune de Paris هي الحكومة الثورية التيأدارت باريس، فرنسا 1871. بعد خسارة نابليون الثالث الحرب مع بروسيا وما عقبها من ثورات. فقد انتخب الباريسيون تسعين ممثلا عنهم  فشكلوا الكومونة التي أعلنت حكمها على كامل فرنسا. 

 

ظهرت الديمقراطية التمثيلية (أو النيابية) مع الثورة الفرنسية ومدارها على منح المواطنين ثقتهم إلى من يتوسمون فيهم القدرة على تحقيق المصلحة العامة. ويتم هذا الاختيار عبر الانتخاب بعد عرض كل مرشح لبرنامجه ولتصوراته فتوكل لهم مهمة التمثيل هذه محليا أو مركزيا لفترة معينة.

 



ولكن عامة ينزع بعض الفوضويين إلى تصور فردي للشأن السياسي رافضين كل تنظيم ورائدهم الفيلسوف الألماني كاسبر الذي يتطرف في فوضويته معلنا أنه ضد كل أشكال الدولة بما فيها الأكثر ديمقراطية. ويميل الأغلبية إلى تصور جماعي يرفض مفهوم الدولة والحكومة لأن كل أشكالها تؤدي إلى هيمنة طرف من المجتمع (شريحة أو طبقة) على بقية الأطراف أخرى. ومن أهم أعلام هذه النزعة ومنظريها يمكننا أن نذكر المفكر الإنجليزي غودوين (William Godwin 1836)، والفيلسوف الفرنسي برودون (Pierre Proudhon  1865)، مبتكر فكرة البنك الشعبي للخدمات الذي يخوّل للعمال تبادل منتجات عملهم للتخلص من استغلال كبار المنتجين والأرستقراطي الروسي باكونين (Mikhail Bakunin 1876)، وعالم الجغرافيا الروسي كروبوتكين.(Kropotkin 1921) ولكنهم يعتبرون الدور الاجتماعي للدولة ضروريا وبحثوا عن مزيد تكريسه ضمن تصوراتهم البديلة لأجهزتها. 

4 ـ من الديمقراطية التمثيلية إلى الديمقراطية القاعدية 

ظهرت الديمقراطية التمثيلية (أو النيابية) مع الثورة الفرنسية ومدارها على منح المواطنين ثقتهم إلى من يتوسمون فيهم القدرة على تحقيق المصلحة العامة. ويتم هذا الاختيار عبر الانتخاب بعد عرض كل مرشح لبرنامجه ولتصوراته فتوكل لهم مهمة التمثيل هذه محليا أو مركزيا لفترة معينة. 

ولكن هذا الشكل ظل بعيدا عن فكرة سلطة الشعب أو حكم الشعب لنفسه بنفسه الذي تقوم عليه الفلسفة الإغريقية. والانتخابات لا تعبّر بالضرورة عن الإرادة العامة. وكان هذا الباب مدخل الفوضويين لرفضها مقترحين شكلا مختلفا اصطلحوا عليه بالديمقراطية القاعدية أو الديمقراطية المباشرة أو التشاركية. وجعلوا هدفها صناعة القرار عملياً من قبل أفراد الشعب عبر التصويت المباشر منطلقا من المحلي نحو المركزي ومعولا على مجموعة متنوعة من البُنى وتُدار من قبل جميع الأعضاء فتكون غير منظمة وغير هرمية حتى تمنع احتكار السلطة بيد مجموعة من الأفراد المعزولين على رأس المنظمة. 

من آلياتها:

المشاركة الشعبية: وتعتمد في تشريع القوانين وانتخاب المسؤولين أو إقالتهم إن ثبت تقصيرهم محاسبتهم بالاستناد للديمقراطية المباشرة.

الاستفتاء الشعبي: ويعمل على تشريك جميع أفراد الشعب، ممن يحق لهم الانتخاب، وهو الصيغة التشاركية الأوسع على الإطلاق. ولكن من عيوبه تكلفته على الدولة من الناحية اللوجستية والمالية واقتصار المشاركة فيه على القبول بالمقترحات أو رفضها دون إبداء الرأي المعلل أو اقتراح تعديلها.
المبادرة الشعبية: لتقديم العرائض لإقالة أي مسؤول رسمي أو مساءلته. فالمسؤول عنصر تنفيذ مفوض من قبل الشعب ولابد أن يلتزم بإرادته.

في هذا الشكل حنين واضح إلى الديمقراطية الإغريقية المثالية، أو الديمقراطية النقية، في القرن الخامس قبل الميلاد التي تفيد حكم الشعب لنفسه بنفسه لما كان مواطنو أثينا القديمة يتخذون قراراتهم مباشرة بدلاً من التصويت على من ينوبهم في اتخاذها رغم أن نصف سكان أثينا الذكور فقط، أو أدنى من ذلك بكثير كان حق لهم التصويت.
 
ليست الفوضوية أيديولوجيا واحدة متكاملة إذن وإنما هي أقرب إلى الحوض الذي تصب فيه عديد الروافد المتباعدة أحيانا والمتناقضة أحيانا أخرى. فمن الفوضويين يساريون وليبراليون، لا يتفقون إلا في نقدهم للسلطة ورفضهم لسيادة الدولة ويتفق منتقدوهم في اعتبارهم مثاليين طوباويين أو رومانسيين حالمين لا يمكن تنفيذ أفكارهم رغم نبلها. واعتلى منهم سدة الحكم العروبي والإسلامي. وهذا ما نتوسع فيه في حلقة الثانية من هذه الورقة.