قضايا وآراء

المجتمع الدولي للبنان: وجبة حلول أو المجهول

1300x600
لا شك في أن انفجار مرفأ بيروت (بيروتشيما) الأخير شكل صدمة بكل المقاييس المتعارف عليها سياسيا وأمنيا داخل الوطن الجريح وخارجه، وجعل البلاد برمتها من النهر الكبير شمالا حتى الناقورة جنوبا تحت المجهر الدولي، خاصة في ظل الزيارات المتلاحقة للموفدين الدوليين من كل حدب وصوب، على اختلاف مشاربهم وتلاقيهم وتناقضاتهم فيما بينهم وتجاه لبنان؛ الدور والمحيط والمطلوب في الأيام القادمة وجودا وتموضعا.

حركة موفدين

لقد كانت إطلالة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ملفتة لجهة بروز الدور الفرنسي بهذا الشكل، حتى انتقده البعض في حين عوّل البعض الآخر على أن تكون فرنسا الأم الحنون فاتحة الحل بين اللبنانيين أنفسهم، وفي الإقليم المحيط بهم، الذي يعد لاعبا أساسيا في الساحة اللبنانية، والمجموعة الدولية عموما في ظل تنامي الحديث عن رؤية أمريكية- فرنسي، تديرها فرنسا مع عدم غياب الأمريكي عن المشهد اللبناني، خاصة مع زيارة هيل الذي بات واضحا موقفه وأهداف زيارته؛ التي تتلخص في ما أشارت إليه الخارجية الأمريكية من أن هيل سيؤكد من بيروت التزام الحكومة الأمريكية بمساعدة الشعب اللبناني على التعافي من المأساة، كذلك سيؤكد الحاجة الملحة لتبني الإصلاح الاقتصادي والمالي والقضاء على الفساد، وضرورة تحقيق المساءلة والشفافية، وإدخال سيطرة الدولة على نطاق واسع من خلال المؤسسات العاملة. كذلك أعلنت الخارجية الأمريكية أن هيل سيشدد على استعداد واشنطن لدعم أي حكومة تعكس إرادة الشعب وتلتزم التزاما حقيقيا بأجندة الإصلاح هذه وتعمل وفقا لها.

أما أخطر ما جاء على لسان هيل، فهو أن "مكتب التحقيقات الفيدرالي في الولايات المتحدة الأمريكية سينضم قريبا، بدعوة من اللبنانيين، إلى محققين لبنانيين ودوليين للمساعدة في الإجابة على الأسئلة التي أعرف أن الجميع يطرحها حول الظروف التي أدت إلى هذا الانفجار، وللعمل مع اللبنانيين في هذا الصدد. هذه مجرد واحدة من الطرق العديدة التي نمد بها أيدينا إلى الشعب اللبناني في هذا الوقت العصيب.

الترسيم وجبة أساسية للبحث

ولكن ماذا أيضا في جعبة هيل عن ترسيم الحدود مع إسرائيل؟ تشير المصادر إلى أن زيارة هيل تهدف إلى جس نبض القوى السياسية ومدى استعدادها لحل الملفين الحكومي والنفطي، مشيرة إلى أن ملف ترسيم الحدود سيكون بندا أول على جدول أعمال هيل، وهو سيعمل بشكل جدي على إعادة فتح مسار التفاوض مع لبنان على هذا المستوى، خصوصا بعد الفرملة التي اصطدمت بها المفاوضات على هذا الصعيد في وقت سابق، في ظل الكلام عن أن مناطق التنازع قد تكون غير ذي جدوى اقتصادية بحسب بعض الدراسات التي تؤكد خلوها من الثروات، كذلك مع تنامي الكلام عن فصل المسار البري عن المسار البحري للترسيم القادم.

كلمة السر الحكومية

أما عن المسار الحكومي، فإن جانبا أساسيا في زيارة هيل يتصل باستقالة الحكومة التي تولاها الرئيس حسان دياب والشراكة الواضحة الفرنسية الأمريكية التي برزت عقب انفجار بيروت رفعت التوقعات بدور أمريكي بارز، سيتضح من خلال محادثات هيل حول موقف إدارته من الاستحقاق الحكومي، والشخصية التي ستتولى رئاسة الحكومة وما ينتظر منها، خصوصا وسط مضي الولايات المتحدة بسياسة دعم اللبنانيين ولكن مع تصعيد العقوبات ضد حزب الله. لذا ستكون نقطة الرصد الأساسية لموقف هيل متعلقة بموقفه من مشاركة الحزب في الحكومة الجديدة، كما من طبيعة الدعم الأمريكي للحكومة الجديدة إذا رست تشكيلتها على إطار حكومة وحدة وطنية أو حكومة حيادية أو تكنوسياسية، ولكن حكما تحت بند الإصلاحات الذي سيشكل الرافعة الأساسية، مهما كان شكل الحكومة وأيا يكن رئيسها.

القبعات الزرقاء الدور القادم

وليس بعيدا عن زيارة هيل وماكرون، وعلى بُعد أسبوعين من جلسة مجلس الأمن المخصصة للتجديد لقوات حفظ السلام اليونيفيل العاملة في جنوب لبنان، أوصى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في تقريره الأخير، بجعل هذه القوة التي تواجه انتقادات أمريكية وإسرائيلية شديدة؛ أكثر مرونة وقدرة على الحركة، قائلا إن تكييف وضع اليونيفيل ليتناسب مع بيئتها التشغيلية والتحديات الحالية والمستقبلية يتطلب إنشاء قوة أكثر مرونة وقدرة على الحركة على وجه الخصوص في مناطق القرار 1701، حيث العديد من المعضلات جنوب الليطاني.

ويتوقّع أن تنطلق ابتداء من منتصف آب/ أغسطس المقبل؛ المشاورات بين أعضاء مجلس الأمن الدائمين وغير الدائمين من أجل تهيئة الأجواء للجلسة، لا سيما في ظل الموقف الأمريكي ومعه الإسرائيلي؛ بضرورة تغيير مهام القبّعات الزرق، لتشمل الوصول إلى الأماكن التي يوجد فيها السلاح فضلا عن الأملاك الخاصة، وفي ذلك تحد جديد للحكومة اللبنانية وحكم حزب الله.

وتعمل فرنسا كما في كل عام على إعداد مسودة مشروع التجديد لليونيفيل من دون أي تعديلات في مهام القوات الدولية، وهي لطالما اضطلعت بدور حاملة القلم في مجلس الأمن بالنسبة لهذه المسألة، انطلاقا من علاقاتها التاريخية مع لبنان وحرصها على استقراره، خاصة بعد الزيارة الأخيرة للرئيس ماكرون.

إن الأيام القادمة على لبنان بمنتهى الحساسية سياسيا واقتصاديا، خاصة أنه تحت المجهر الدولي في ظل المطالبات بانتخابات مبكرة ستكون مسار جدل طويل. أما الأخطر الداهم فهو قرار المحكمة الخاصة بلبنان التي ستنطق حكمها في قضية اغتيال الشهيد الحريري في 18 آب/ أغسطس، في ظل المعطيات، بأن الحكم سيكون مفصليا في تبعاته الداخلية، خاصة في حال إدانة عناصر من حزب الله وهو المرجح.

ولعل الأبرز في توقيت صدور الحكم أنه يتزامن مع حكومة تصريف أعمال بعد استقالة حكومة دياب، واشتداد الخناق السياسي والاقتصادي على حزب الله من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبعض حلفائها، من خلال سلاح العقوبات والتصنيف الإرهابي، وهو ما جعل الحزب تحت المجهر الدولي، لا سيما أن قرار إنشاء المحكمة، قرار أممي صادر عن الأمم المتحدة، ومن ثم فإن عدم تنفيذ الحكم لأسباب مرتبطة بعجز الدولة اللبنانية عن جلب المتّهمين قد يحوّل الحكم تحت البند السابع، مع ما يعنيه ذلك من ضغوط إضافية على حزب الله من جهة، وعلى الداخل اللبناني بكل قواه السياسية من جهة أخرى.

إن أكثر ما يُخشى من هذه الهجمة الدولية على لبنان ألا تثمر حلا، ونعود إلى معادلات سابقة، على غرار معادلة مورفي عام 1988: مخايل الضاهر أو الفوضى، فتكون المعادلة القادمة مع السفير شينكر نهاية الشهر؛ إما المضي بمجموعة شروط صعبة التطبيق داخليا ومجتمعيا سياسيا واقتصاديا، وإما الفوضى، فيكون لبنان أمام وجبة دولية من الحلول أو المجهول.