تقارير

لاجئ من يافا.. عن هزيمة 1967 واحتلال قطاع غزة

عبد القادر ياسين: هذه هي التداعيات المباشرة لهزيمة 67 في غزة (الأناضول)

ينهي اليوم الكاتب والباحث الفلسطيني عبد القادر ياسين، سرد قصته مع اللجوء ومغادرة تراب فلسطين بعد هزيمة حزيران 1967.. وهي القصة التي خص بها "عربي21".

 

وعبد القادر ياسين، هو كاتب ومفكر فلسطيني أصيل مدينة يافا، التي غادرها عقب النكبة عام 1948، ولم يتمكن مثله في ذلك مثل باقي اللاجئين الفلسطينيين الذين أجبروا على ترك ديارهم، من العودة إليها منذ ذلك الحين..

 

احتلال غزة مجددا

 

حين اندلعت حرب 1967، مكثتُ في "مستشفى دار الشفاء"، بمدينة غزة، حيث كنت أعمل في وظيفة إدارية، ولازمت سائقي سيارات الإسعاف، للمشاركة في نقل الجرحى من أطراف مدينة غزة إلى المستشفى، إلى أن احتلت القوات الإسرائيلية مدينة غزة، وفوجئنا بالحاكم العام لقطاع غزة، ومعه كبار المسؤولين، يلجأون إلى المستشفى، ويبشروننا بأن القوات الجزائرية قد وصلت إلى القطاع! وأذكر أن زميلي، حسن الشريف بادرني بالقول: "إذا كانت التعزيزات الجزائرية قد وصلت، فلماذا يلوذ الحاكم العام بالمستشفى؟ وما هذه الحقيبة، التي يحملها تحت إبطه؟!".

عند تدهور الموقف العسكري، سارع مستشار مدير الصحة (عميد في الجيش المصري) إلى الطلب من أحد الموظفين إحراق ما لدى المستشار من وثائق، وقد كان. وما أن دخل الحاكم بشائعته، حتى رفع المستشار عقيرته، متهمًا الفلسطينيين بالخيانة، وإحراق وثائقه! وما أن كمن الحاكم العام في أحد الأقبية، يرافقه كبار المسؤولين، حتى أخذ صوت المستشار يتلاشى، إلى أن غاب، تمامًا!

ما هي إلا دقائق، حتى اقتحمت المستشفى قوة عسكرية إسرائيلية، أخرجت الحاكم ومجموعته من مكمنهم، إلى ساحة المستشفى، وطلب قائد القوة المعادية إلينا جميعًا الاحتشاد في الساحة، وقد حدث. ثم طلب القائد نفسه إلى العسكريين من بيننا أن يخرجوا، ويسلموا أتفسهم، وكرَّر طلبه هذا ثلاث مرات متباعدة، وفي كل مرة، كانت مجموعة أصغر من سابقتها، تخرج، ما أقنع القائد الإسرائبلي بوجود عسكريين بيننا، فأمر بأسر الجميع، ولكن بعد أن كان الحاكم العام سلم الحقيبة التي يحملها إلى القائد الإسرائيلي. واتضح بأنها محشوة بالأموال!

استغرق نقلنا إلى معسكر عتليت، نحو 24 ساعة، عشنا خلالها أسود ساعات عمرنا. واستمر احتجاز موظفي المستشفى 37 يومًا، تم بعدها الإفراج عن الجميع بمن فيهم بعض العسكريين المتخفين بيننا!

أثناء أسرنا، قمت بتنظيم السطو على أغذية الجنود الإسرائيليين، عبر أحدنا، الذي اختاره الإسرائيليون للعمل في المطبخ، وحين كان يسلمنى، اللحوم، والفاكهة، والحلويات، أسارع بتوزيع اللحوم على كبار السن من بيننا، أما الحلويات والفاكهة، فقد خصصت بها الأطفال من بين الأسرى. أما بقية الأسرى، فاقتصر غذاؤهم على ما يعافه الحيوان من أيدي الإسرائيليين.

لاحظت بأن ثمة من يتابعني، من بين الأسرى من أشقائنا المصريين، سرعان ما اقترب مني، وسألني عن سبب قيامي بهذه المهمة، فرددتُ: "حتى أحافظ على صحة الأسرى، وتماسكهم". فسألني عما إذا كان سبق اعتقالي، فرددتُ: "نعم ، سنة 1959، في السجن الحربي بالقاهرة، وسجن المحاريق، بالواحات الخارجة!" تهلل وجهه، وكاد يقبلني، وصاح : "يعني زُمُل!" ويعني بأنني رفيق له. ولم يكن هذا الجندي الأسير إلا الروائي اليساري المصري، فؤاد حجازي.

منذ خرجتُ من الأسر، حرصتُ على عدم المبيت في منزلي، إلى أن خرجت من القطاع، في 2/4/1968، تحوُّطا من الاعتقال. 

على المستوى العام، سعى الحزب الشيوعي، وجيش التحرير الفلسطيني، لإقامة جبهة وطنية، بادئين بالقوميين العرب، الذين عمدت قيادتهم إلى إحباط المحاولة، وفي مطلع آب/ أغسطس 1967، أعلن عن تأسيس "الجبهة الوطنية المتحدة في قطاع غزة"، من "الشيوعي"، و"البعث" ، و"ج. ت. ف." وشخصيتين وطنيتين وازنتين، هما: د. حيدر عبد الشافي، وسامي أبو شعبان (الأخير هو رئيس رابطة الموظفين الحكوميين، ورئيس نقابة المدرسين، في آن). وأصدرت"الجبهة" ميثاقها، الذي وضع عودة الإدارة المصرية إلى القطاع هدفًا مرحليًا. وانتظمت الجبهة في إصدار صحيفتها الإسبوعية السرية: "المقاومة". 

تميزت هذه "الجبهة" عن غيرها من الفصائل الفلسطينية، بما يأتي:

ـ الوحيدة التي قامت على أساس إئتلاف ثلاث قوى سياسية. بينما غيرها من "الجبهات" الفلسطينية لم يكن إلا قوة سياسية ، ذات لون واحد.
 
ـ كل جسم"الجبهة" كان في الداخل، بينما تمركزت بقية الفصائل خارج الوطن المحتل، محتفظة بفروع لها في الداخل.      
ـ معظم هذه الفصائل تمترس وراء "تحرير كل فلسطين بالكفاح المسلح، وحده" ، بينما أخذت الجبهة الوطنية المتحدة بكل أشكال الكفاح.
 
ـ لم تتلق "الجبهة" أية أموال، من أي نظام ، أو تنظيم.
 
ـ بقاء كل قادة "الجبهة" بعيدًا عن الاعتقال، لنحو أربعة أعوام ونصف العام ، هي عمر هذه الجبهة. عدا مندوب "الشيوعي" في قيادة "الجبهة" ، بصفته الحزبية وحسب.

طورد مسؤولنا العسكري، مساء 11 كانون الثاني / يناير 1968، وبعد أسبوع هاجمت قوة إسرائبلية منزلنا، لاعتقالي، وبعد أسبوع آخر، حاولوا اعتقال مندوب "الشيوعي" في قيادة الجبهة. أفلت الثلاثة، لأخذهم بالاحتياطات الأمنية، وإن اعتُقل الرابع، عبد المجيد الحيلة، نائب المسؤول العسكري للجبهة، في منزله، بمخيم المغازي. وحين استفسرت ُعن اعتقاله، وهو ضمن من شملتهم تعليمات "الجبهة" بالاختفاء الجزئي، بما فيها عدم المبيت في البيت، فأُخبرتُ بأنه متزوج من اثنتين، ما أعجزه عن الأخذ بالاحتيطات الأمنية، وإلا ظنته كل زوجة بأنه يبيت عند الأخرى! على كل حال صمد، الحيلة تحت التعذيب، فاضطر المحتلون إلى اعتقاله إداريًا ، لمدة ستة أشهر، تم تجديدها لستة أشهر أخرى وحسب. بينما نال من اعتُقلوا من التنظيمات الأخرى المؤبد لكل منهم، على الأقل!

قرر المحتل الإسرائيلي أن يستبدل بهوياتنا، أخرى من إصداره، ووضع تاريخًا أخيرًا لتنفيذ ذلك، هو 2 نيسان/ أبريل 1968. هنا، غادرتُ قطاع غزة، إلى الضفة الغربية، فالشرقية، بهوية مزورة، صادرة عن الإدارة المصرية، لم تعد تصلح بعد ذلك التاريخ. ووصلتُ عمان، في اليوم نفسه، وبعد نحو ثلاثة أشهر توجهت إلى القاهرة، لأفاجأ بمنعي من الدخول، لوجود إسمي ضمن"القوائم السوداء". لكن مسؤولنا العسكري، الذي كان سبقني إلى القاهرة، بذل جهودًا لدى الأمن، أثمرت عن الإفراج عني بعد احتجاز دام يومين، في مطار القاهرة، وبذا طُويت صفحة، وفُتحت أخرى من سيرتي.

 

إقرأ أيضا: يافا الفلسطينية.. كانت مهدا للصحافة والثقافة قبل النكبة

 

إقرأ أيضا: "يافا" في ذاكرة لاجئ فلسطيني.. تاريخ لا يبلى

 

إقرأ أيضا: فلسطينيو يافا.. سياحة خاطفة فلجوء مديد

 

إقرأ أيضا: لهذا سقطت يافا.. وهُزّمت الجيوش العربية

 

إقرأ أيضا: قصة لاجئ من يافا.. أربع سنوات عجاف في غزة

 

إقرأ أيضا: لاجئ من يافا ونشأة "الشيوعي" الفلسطيني وثورة 52 المصرية

 

إقرأ أيضا: لاجئ من يافا في ذكرى النكبة.. قطاع غزة ينهض بالوطن العربي

 

إقرأ أيضا: لاجئ من يافا: لهذا أبقى النظام العربي الفلسطينيين تحت سيطرته