مقابلات

بذكراها الـ10.. "عربي21" تحاور أحد نشطاء "مافي مرمرة" (صور)

"كإنسان، يجب أن نقف ضد أي ظلم في هذا العالم، حتى وإن طال غير المسلمين، وفي تاريخنا آوى العثمانيون يهود الأندلس"- عربي21

تحل الأحد 31 أيار/ مايو الذكرى السنوية العاشرة لاقتحام جيش الاحتلال الإسرائيلي سفينة "مافي مرمرة" التركية، التي كانت تقل نشطاء يسعون لكسر الحصار عن قطاع غزة الفلسطيني.


وتجري "عربي21" بهذه المناسبة مقابلة مع الناشط التركي "سعيد إبيجي أوغلو"، الذي كان على متن السفينة، واعتقله الاحتلال مع بقية رفاقه، فضلا عن الشهداء التسعة، وجميعهم من نشطاء هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات "IHH"، التركية.

 

وشارك "إبيجي أوغلو" صورا له على متن السفينة، وأخرى التقطها بنفسه، أو ناشطون آخرون.



تحية طيبة وشكرا جزيلا على إجراء هذا الحوار معنا. ضعنا بداية في أجواء ما قبل انطلاق الرحلة الشهيرة، وكيف قررتم المشاركة فيها؟

بعد حرب عام 2008 على غزة، واستمرار الحصار لأربع سنوات، ازداد التعاطف بشكل كبير مع الفلسطينيين في تركيا، وقررت IHH إرسال مساعدات للقطاع.

 

وأطلقت المنظمة الإنسانية حملة لجمع التبرعات، وكنت آنذاك في السنة الأخيرة بالجامعة، ورغم أنها كانت فترة امتحاناتي النهائية، قررت المشاركة، وأصررت على ذلك رغم رفضهم، والحمد لله أن ذلك لم يتسبب بتأخر تخرجي، وتمكنت من الحصول على المشاركة بعد إقناعي أحد المشاركين بمنحي مكانه.

 

ذهبنا برا إلى أنطاليا، وبقينا هناك يومين تقريبا، ثم بدأنا الصعود على متن السفينة. كان والداي يخشيان علي بسبب التهديد الإسرائيلي بالاعتداء علينا، لكننا لم نصدق تلك الأخبار لأننا على ثقة بأننا لا نحمل سوى مساعدات بسيطة.

 

هل كان كل شيء رسميا؟ وما طبيعة حمولتكم؟

 
كل شيء كان رسميا، وتم ختم جوازات السفر بشكل نظامي لجميع النشطاء، ثم بدأت السفينة بالتحرك (في 28 أيار/مايو)، وسط تواجد الآلاف من الأتراك والنشطاء ووسائل الإعلام من حول العالم في ميناء أنطاليا.

 

وقال الإسرائيليون بعد ذلك إننا حملنا أسلحة، لكن ذلك كذب، وقد تحققت السلطات التركية من حمولة السفينة وتأكدت من مطابقتها لقائمة نشرتها IHH.

 

من يمكن أن يحمل سلاحا على متن هذه السفينة لمنح إسرائيل حجة لمنع أي مساعدة لغزة؟ ثم إن سكان القطاع لم يكونوا بحاجة للسلاح قدر حاجتهم للإغاثة الإنسانية الأساسية.

 

كيف كانت الرحلة حتى الهجوم الإسرائيلي؟

 
كانت الأجواء جميلة جدا على متن السفينة، وكان معنا نشطاء من حول العالم، وبينهم من غير المسلمين ومن دول غربية، وأبحرنا لعدة أيام في المياه الدولية، وبدأت قوارب وسفن أخرى بالالتحاق بنا، حيث انتظرنا بعضها قرب قبرص.

 


 

ليلة الهجوم، نبهنا القائمون على الرحلة بأنهم يتوقعون تدخلا إسرائيليا، لكننا تصورنا العديد من السيناريوهات، ولم يكن أيا منها استخدام العنف. توقعنا أن يحاولوا قطر السفن أو الاصطدام بها.

 

لم ننم تلك الليلة. صليت الفجر، في الجزء السفلي، ولدى محاولتي النوم قالوا إن الإسرائيليين جاؤوا. ذهبت إلى قاعة السفينة ورأيت قواربهم تقترب وتزداد، ثم بدأوا بإطلاق النار، بعض الرصاص كان مطاطيا وبعضه كان حيا، ثم أطلقوا قنابل الغاز والدخان.

 

ما الذي عايشته شخصيا في تلك اللحظات؟

 

كنت أرتدي واقيا بحريا كوني قريبا من المياه، وقد تلقيت العديد من الرصاصات المطاطية. وبعد أن بدأوا بإطلاق النار ارتديت قناعا واقيا من الغازات، لكن قنبلة جاءت في وجهي وكسرت الواقي.


جهزنا فريقا لمحاولة منع الجنود من الصعود. واقتربت الزوارق الإسرائيلية، حاولنا منعهم من الصعود بإلقاء زجاجات وحبات بطاطا وكل ما طالته أيدينا، بل رمى بعضهم أحذيتهم، وجلبنا عصياً لدفعهم إلى الخلف.. لكن مروحيات الاحتلال وصلت وبدأت بالتحليق فوقنا بكثافة.

 

كنت واقفا هناك، ليخبرني أحد النشطاء بأن لا أخاف أو أقلق، قلت إني لست خائفا فإذا متنا فسنكون شهداء، وما أن استدرت حتى جاءت رصاصة وأصابته لينزف بشكل كثيف، لكنه نجى الحمد لله.

 

ماذا عن أعمال القتل التي حصلت؟ وهل شهدت عليها؟

 

كنت أريد استخدام كشاف لرؤية ما يدور حولنا، لكنني لم أستطع إدارته، فسألت عن فخري يالديز، الذي كانت لديه خبرة كهربائية، فقالوا إنه بالأعلى، فلما أردت الصعود كانت الدماء تسيل من الطابق العلوي، وانزلقت يداي وأنا أحاول تسلق الدرج، ورأيت بعيناي الجنود وهم يقفون هناك ويطلقون النار.

 

وفي تلك اللحظة جاء "جودت قليتشلار" خلفي، وكان يحاول التقاط صور، إذ  كان مصورا يعمل مع IHH، لكن جنديا أطلق عليه رصاصة من أعلى جاءت في منتصف رأسه واستشهد على الفور.

 

كنت أعرف أغلب من استشهدوا وأصيبوا، وكنا نعيش صدمة كبيرة. كنا نتوقع أن يحدث شيء ما. أن يتحرك العالم. كنا في المياه الدولية فيما هم يواجهوننا بسفن حربية ومروحيات.

 


 

اقرأ أيضا: "فلسطينيو الخارج": رسالة أسطول الحرية لكسر حصار غزة باقية

 

لقد كانت تلك أول مرة ترى فيها على أرض الواقع جنود إسرائيل.. كيف شعرت آنذاك؟

 

كان قناعي محطما وملابسي مليئة بالدماء، لكنني لم أشعر بالخوف بشكل غريب، فقد كانت مشاهد أطفال الانتفاضة وهم يرمون بالحجارة على الدبابات الكبيرة ماثلة أمامي.

 

لقد شعرت أنني أصبحت من أطفال الحجارة، واكتسبت ثقة كبيرة بالنفس.

 

لقد كنا نرى دائما أطفال فلسطين عبر التلفاز، وكنا نتساءل عن سر شجاعتهم. لقد شهدت مرارا على مدى ارتعاد جنود الاحتلال، حتى من صوت الأذان.

 

فهمت بتلك اللحظة أن سر تلك الشجاعة أن هؤلاء على باطل وأننا على حق. لم أكن أخشى سوى على حياة العزل الآخرين، وهو ما دفعنا إلى المطالبة بوقف إطلاق النار.

 

ماذا حدث بعد أن سيطر الاحتلال على السفينة؟

 

طلبنا مساعدة طبية، لكنهم لم يقدموها، وقالوا أرسلوا لنا المصابين، لكنني سمعت بأنهم أطلقوا النار مجددا على بعضهم. ثم طلبوا أن نتجمع على دكة السفينة رافعي الأيدي، ثم قيدونا، ووقف جنود وراءنا، وقلت في لحظتها إنهم سيقومون بتصفيتنا، وبدأت بالتشهد بصوت عال، فقام أحد الجنود بضرب رأسي بسلاحه.


بدأوا بعد ذلك بقيادة السفينة وكانت الشمس تحرقنا بسبب تبللنا بمياه البحر المالحة، وتعرضت مرارا للضرب طوال ذلك الوقت بسبب محاولتي توفير ظل لرجل فلسطيني الأصل وزوجته، كبيرين في السن.

 

وصلنا أسدود ونحن في غاية الإنهاك، لم أكن قادرا على المشي، لكنني حاولت قدر الإمكان الوقوف باعتدال أمامهم. أتوا لنا بأوراق للتوقيع عليها، كانت مكتوبة بالعبرية، ورفضنا التوقيع حتى جاؤوا بنسخ تركية، لا أتذكر ما كان مكتوبا عليها.

 

ما أبرز ما لفت انتباهك في التحقيق والاحتجاز؟

 
أخذوني بعدها للتحقيق، وقد رفضت خلع ملابسي، وكان الضابط الإسرائيلي يتحدث التركية، وعندما سألني السؤال الشهير "لماذا جئت لإسرائيل"، قلت لم آت لإسرائيل، ثم إن هذه أرض فلسطينية، وتلقيت بعدها العديد من الضربات. ثم طلب الضابط معلومات شخصية، تشمل حتى العائلة ومكان الإقامة والإيميلات ورقم الهاتف، كما أنه أخذ بصمات أصابعي.

 

بعد التحقيق، وضعونا في زنازين، حيث لم يعطونا حق الصلاة جماعة، أو استخدام الهاتف، أو الذهاب إلى الحمام، وبقيت ثلاثة أيام بملابسي المليئة بالدماء.

 

لم يتركوننا ننام، وحاولوا مخادعتنا بإرسال أشخاص زعموا أنهم من السفارة التركية، فضلا عن العديد من الضغوط النفسية.

 

بعد السجن ثلاثة أيام، بدأوا إخراجنا تواليا. وقد سبقنا بعض الإخوة العرب، وأعطيت أحدهم رقم هاتف عائلتي لطمأنتهم علي. ثم جاء دورنا بعد أن وصلت طائرات تركيا لنقلنا إلى البلاد.

 

ما هي رسالتك إلى العالم بعد كل ما شاهدته؟

 
لا يتحمل الإسرائيليون أن يتلقى الغزيون أي دعم مهما صغر من الخارج، أو أن يتعاطف العالم معهم. الجميع هناك تحت الحصار ولا أحد يحق له تلقي دعم من الخارج، أو التواصل معه.

 

لقد هاجمونا في المياه الدولية في إظهار للغطرسة أمام العالم، فما بالك بما يفعلونه مع الفلسطينيين.
سأفعل كل ما بوسعي لكسر حصار إسرائيل على غزة، وإذا كانت هنالك "مافي مرمرة" جديدة سأذهب مجددا. لقد عدت إلى تركيا وأنا مضرج بالدماء، وفي اليوم نفسه ذهبت لأداء اختبارات الجامعة، ولم أندم على كل ذلك.

 

إن العالم يهتم حتى بحقوق أصغر حيوان ويتباهى بذلك، وهو نفاق إنساني واضح، إذ لم يتحرك ساكنا لإعادة حقوق الفلسطينيين المسلوبة منذ عقود.

 

كمسلم، وكإنسان، يجب أن نقف ضد أي ظلم في هذا العالم، حتى وإن طال غير المسلمين، وفي تاريخنا آوى العثمانيون يهود الأندلس.

 

لدينا مقولة شهيرة: لقد أطلقوا الكلاب وقيدوا الحجارة. هذا ما يفعله الغرب.