قضايا وآراء

الأَفعَى الصُّهيُونِيَّة والأَزَمات

1300x600

سِلْسِلة من الأزمات خَلقتها وتخلقُها الصهيونية، تلك الأفعى التي تتمدَّد في عالم المال والأعمال والإعلام والانحلال فتكُون الداء وتنشر الوباء، تفعل فعلها ويغيب رأسُها في ذروة كل أزمة بعد أن تدفع عَجَلَة الأحداث وتجعلها تدور إلى أن تتأزم وتتفاقم وتتحول إلى حروب وفِتَن.. تفعل وتتلطَّى في الظل تراقب كأن المشهد لا يعنيها ولا علاقة لها به، وعندما يتحقق الانهيار الذي تخطط له تبدأ بقطف الثمار لتملأ الخزائن وتبسط سلطتها وتوسع مدارات شرورها. 

هذا نهجٌ متجدد يجب فضَحه وأن يتصدر "المعْمَعة" السياسية ـ الفكرية ـ الإعلامية، وتضِجَّ به كل وسائل التواصل والتفاعل والتأثير، وأن يقول فيه الشرفاء من أهل السياسة والرأي والموقف مقولة صدق تردع وتنفعُ وتُشفي وتنقذ البشر من هذا البلاء الذي يفوق كل بلاء وابتلاء.. 

هذا ما ينبغي عمله لصالح الحق والعدل والسلم والأمن ولسلامة القيم والمفاهيم والمجتمعات، لكنَّ شيئاً من ذلك لا يحدث للأسف الشديد، لأن خللاً عميقاً حدث ويحدث في منظومات حياتية حيوية.. والعجب العجاب كيف يستمر ذلك من دون ردات فعل ومواجهات؟! أَلِأَنَّ تلك الأفعى تسمم العقول وتشتري الحُكام والضمائر والأقلام، أم لأَنَّها بالمال تُفسد وبالمال تسود وبالمال تخيف وبالمال تشتري المواقف والرجال؟! 

 

منذ ما يقرب من سبعين سنة وأقطار عربية تُستَنْزَف، وبعضها تتآمر، وأخرى تشتري السلاح لا لتحارب الاحتلال وتُحَرِّر الأرض بل لتشعل الحروب البينية وتحارب ذاتها وأمتها، بوعي منها أو من دون وعي، فتتقاتل أو تقتل مواطنيها، ويعطل بعضها قوة بعض، ويرتمي الكل في الضلال والاضمحلال والتواكل والتآكل،

 



ذاك سؤال مزمن مقلق يتعلق بتغييب الحقيقة وتزوير الوقائع والتاريخ وتشويه الواقع، وليس هذا أمراً سهلاً أو عابراً بل هو نهج مستمر يتسبب بمعاناة دول وشعوب وإراقة دماء، لا سيما في هذا العصر البئيس، عصر الصهيونية ـ العنصرية والقوة الأمريكية المتوحشة، وفساد عقول وضمائر، وقلب آراء ومصادرة إرادات.. عصر اضمحلال القيم وهامشية الأخلاق وهيمنة التفاهة وتحكم أشخاص هم السقوط، يبيعون ويشترون بالأوطان والناس، ويعلن أكبرهم قحف جمجمة أنه يمكن أن يشعل حرباً إقليمية أو عالمية إذا لم يصل إلى الحُكم، ليقود العالم من بعد إلى التردي في الحرب والعقم والقهر والفقر والرعب.. يعلن ذلك ويفعله من دون وجل أو خجل ومن دون حساب أو مواجهة لنزعات عنصرية هدامة شريرة وشديدة الخطورة. 

منذ نَيِّفٍ ومئة سنة يجري العمل "السياسي ـ العسكري ـ الأَمني،" الاستعماري ـ الصهيوني الحثيث في هذه المسارات، ويتركز ضد أمتينا العربية والإسلامية، ضد هويتنا والانتماء ضد الأخلاق والقيم الاجتماعية والدين / الإسلام، وتُبَثُّ الألغام بأنواعها المادية والفكرية في مواقع استراتيجية، وتمتد مساحات واسعة، وتستهدف الوعي والجذور. 

وها هي الأفعى الصهيونية اليوم تنطلق من فلسطين المحتلة بشراسة ضد الأمة العربية وقضيتها المركزية، قضية فلسطين، وتنشر سموم الفرقة وأوبئتها، وتستمر في نهش الجسد العربي لإضعافه بكل الوسائل والسبل والأدوات، ومن خلال سياسات وأفعال ساسة وقادة يُحْسَبون على العرب والإسلام بينما يقاتلونهما من الداخل ويساهمون في قتل الحق والوعي والانتماء وإرادة الشعب، لتصل الأفعي إلى أهدافها في وتقضي نهائياً على أعدل قضية وأَصبر شعب وأكثره بطولات وتضحيات ومعاناة. 

منذ ما يقرب من سبعين سنة وأقطار عربية تُستَنْزَف، وبعضها تتآمر، وأخرى تشتري السلاح لا لتحارب الاحتلال وتُحَرِّر الأرض بل لتشعل الحروب البينية وتحارب ذاتها وأمتها، بوعي منها أو من دون وعي، فتتقاتل أو تقتل مواطنيها، ويعطل بعضها قوة بعض، ويرتمي الكل في الضلال والاضمحلال والتواكل والتآكل، ويجني العدو الصهيوني الثمار "فيطوِّر السلاح، ويحتل الأرض، ويتوسع بالاستيطان، ويهدد بالسلاح النووي وبغيره كل من يعترضه أَو يعارضه"، وتحميه وتساعده الولايات المتحدة الأمريكية التي تحرث في السياسات والمجتمعات العربية حرثاً يقضي على الروح القومية والوطنية والإيمان، ويزرع الفساد في كل الأركان، ويبذر الزؤان في الأنفس والقلوب. 

وها هو كيان العنصرية الصهيوني الذي قام على الإرهاب والتواطؤ الدولي ويستثمر في الإرهاب والفتنة.. ها هو ينقضُّ على ما تبقى من فلسطين في أسوأ ظروف الأمة لينهي قضيتها المركزية، وينال منها ويفرض عليها الاعتراف والتطبيع، مستثمراً مواقف من يصادقونه ويحالفونه وينهب أموالهم، ويحشد مع قوة الوحش الأمريكي ليعتدي ويضم أرضاً عربية في كل موقع يريد، مستغلاً مقاتِل تترك آثارها العميقة في روح الأمة وجسدها. فهل ترانا نستيقظ ونعي ونتَّعظ ونبادر إلى أفعال ومواقف صادقة صارمة حازمة ترأب الصدوع العربية وتلم الصفوف وتوحد الأهداف وتعلي شأن الأمة ومصالحها وقضاياها المصيرية.؟!

لقد قال تشومسكي قبل أيام: "يقود البيت الأبيض شخص معتل اجتماعياً مصاب بجنون العظمة، لا يكترث إلا لسلطته والاستحقاقات الانتخابية..".. ومن المؤكَّد أن سياسات هذا الرئيس وقراراته واستعراضاته بشأن الشرق الأوسط عامة وقضية فلسطين خاصة تسبب لنا الكوارث، وهي سياسات يمليها" اللوبي الصهيوني والإنجيليّون المتصهينيون المتطرفون، وفقاً لمصلحة الحركة الصهيونية وتطلعاتها ومطالب إسرائيل وطموحاتها"، وينفذها البيت الأبيض وتفرَض على المنطقة، وقد قال إفراييم سنيه صراحة: "الهدف السياسي للتحالف بين الأفنغلستيين في أمريكا وبين اليمين الاستيطاني هو الذي يقرر وهو ما سيتم تحقيقه."../ها آرتس في 27/1/2020/، وهذا ما نراه على الأرض.. فعناصر كيان الإرهاب العنصري وشركاؤهم ومساندوهم هم من يحمل هذه الملفات في الإدارة الأمريكية، وهم من يُلغي كل ما عداهم من دول ومنظمات دولية ومنها "الرباعية"، ويستفرد بملفات قضية فلسطين، ويدخُل، "خَصْماً وحكماً"، بين الضحية والجلاد..؟! 

 

إنَّ قوة الشر العنصرية "الصهيونية ـ الأمريكية" تعلن عن عزمها على قضم آخر ما يمكن أن يشكل موطئ قدم لقيام دولة للشعب الفلسطيني على أَرضه.. مستغلة ما وصل إليه حال الأمة العربية من ضعف وتمزق وحروب بينية، دمَّرت الديار وشردت عشرات الملايين

 



هذا ما رأيناه ونراه وما نلمسه وما نستقرئه ممّا يتم على أرض الواقع، وهو واضح وضوح الشمس في كل ما صدر ويصدر عن إدارات أمريكية على رأسها إدارة ترامب الذي منذ توليه الحكم رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية يفعل ما تأمر به "إسرائيل" والحركة الصهيونية.. سواء أكان ذلك في الملف النووي الإيراني، أو فيما يتعلق بالشأن الفلسطيني ابتداء من "صفقة القرن التي يقودها يهود صهاينة يسمَّون وسطاء"، ومروراً بقرار نقل السفارة الأمريكية للقدس، وإعلان القدس عاصمة لإسرائيل، وتشجيع الاستيطان في الضفة الغربية وتمويله وتحريضه، وقطع المساعدات عن "الأونروا" وعن السلطة الفلسطينية، والموقف من عضوية فلسطين في محكمتي العدل الدولية والجنائية الدولية ومحاولات منعها من رفع دعاوى أمام المحكمتين ضد "الإرهابيين الإسرائيليين ومجرمي الحرب ومرتكبي الإبادة الجماعية".. 

وها هو الموقف من "فاتو بن سودة"، مسؤولة الجنائية الدولية التي توجَّهت نحو تحريك الجنائية الدولية لفتح تحقيق بجرائم "إسرائيليين" ضد الفلسطينيين في فلسطين المحتلة وغزة، أكثر فاقع الدِّلالات.. أَضف إلى ذلك حصار غزة والعدوان المستمر عليها منذ إثنتي عشرة سنة تحت نظر العالم الذي يتفرج على عبث الصهاينة وإدارة ترامب بالأرواح والحقوق والجغرافية والدم والإنسان. فكل ما أرادته" إسرائيل" وما تريده وما فكرت به وما تفكر به وتطلبه، ينفذه ترامب بحماسة وصلف وتوحش ليس في فلسطين المحتلة فقط بل في الجولان السوري المحتل الذي أعلنه ترامب جزءاً من "إسرائيل؟!"، وفي استباحة الطيران الصهيوني لأجواء سوريا وقصفه المتكرر لمواقع فيها، بتفاهم وتنسيق مع روسيا، وكذلك في موضوع الكرد التقسيمي لسوريا والحرب الدائرة في سوريا وعليها لإخراجها والعراق نهائياً من المعادلات السياسية المتعلقة بقضية فلسطين وبكيان الإرهاب "إسرائيل".

إنَّ قوة الشر العنصرية "الصهيونية ـ الأمريكية" تعلن عن عزمها على قضم آخر ما يمكن أن يشكل موطئ قدم لقيام دولة للشعب الفلسطيني على أَرضه.. مستغلة ما وصل إليه حال الأمة العربية من ضعف وتمزق وحروب بينية، دمَّرت الديار وشردت عشرات الملايين واستنفدت الثروات واستنبتت الأحقاد بين أبناء الأمة إلى مدى مفتوح من السنين.. فهل ترانا وصلْنا أو يمكن أن نصل بعد هذا كله إلى وعي وموقف ورؤية وقرار، أم أن الذي توصل إليه "قادة وساسة وسادة" هو أن يصمتوا ويتواروا ويتركوا العدو يحقق أهدافه، بل أن ينصروه بأيديهم وبأموالهم، ليقضي على إرادة الأمة وعلى كل آمالها في وحدة هدف وموقف ورؤية وصف؟! 

إنه سؤال علينا أن نقاربه بشجاعة ومسؤولية وقوة على أرض الواقع، ومن خلال ما يجري على الأرض وما تثبته الوقائع.. وإلَّا.. هلك الكثير مما تبقى من نسل وزرع.

والله ولِيُّ التَّدْبير.