قضايا وآراء

السلطة الفلسطينية وحرصُها على علاقاتها مع السعودية

1300x600
عاد التراشق اللفظي من جديد إلى واجهة منصات التواصل الاجتماعي، بين بعض الإعلاميين والأفراد في المملكة العربية السعودية من جهة، وعدد من النشطاء والأفراد الفلسطينيين من جهة أخرى، وذلك على خلفية الرسم الكاريكاتوري الذي تبنّاه الرسام الفلسطيني محمود نعيم عباس، المقيم في السويد، الذي تناول فيه قضية هبوط أسعار النفط في بلدان النفط العربية، الأمر الذي اعتبره بعض السعوديين شماتة واضحة من قبل الفلسطينيين، لا سيما بعد تدخل المحلل الإسرائيلي إيدي كوهين على خط المواجهة، وتحريضه السعوديين على ضرورة الرد على الرسام الفلسطيني الذي "يسيء" لبلادهم، فراحوا يصبّون جام غضبهم على القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، ويشتمون الفلسطينيين بالفم الملآن.

وقد تزامن الأمر مع مسلسل أم هارون الذي تبثه حاليا قناة mbc السعودية، الذي يسيء إلى تاريخ الشعب الفلسطيني، بعد سوق جملة من الأكاذيب والافتراءات التي من شأنها تقديم أدلة باطلة حول أحقيّة دولة الاحتلال في أرض فلسطين..

الموقف الرسمي الفلسطيني حول هذا التوتر:

السلطة الفلسطينية، وهي الممثل الرسمي للشعب الفلسطيني في المحافل الدولية، كان لها موقف متوقع في هذا الشأن، إذ سارعت وعلى لسان المتحدث الرسمي نبيل أبو ردينة؛ إلى إدانة ما أسمتها الأصوات المشبوهة التي تنال من المملكة العربية السعودية، لدك إسفين التفرقة بين الشعبين الشقيقين. كما أشادت كثيرا بالدور السعودي والملك سلمان بن عبد العزيز في الوقوف إلى جانب الحقوق الفلسطينية المشروعة، في حين أنّ بيان أبو ردينة لم يتطرق أبدا إلى مسلسل أم هارون، ولا إلى كيل الشتائم الذي أتى بها بعض السعوديين، وذلك حينما لعنوا الشعب الفلسطيني، ولعنوا بنيامين نتنياهو لأنه لم يخلّص هذا الكوكب من شرور الفلسطينيين، على حد قولهم..

لماذا تكون الإساءة للسعودية إثما كبيرا في عُرف السلطة الفلسطينية، ولا يُسمح بها على الإطلاق، لدرجة أنّ هناك أوامر وتعليمات منها للمواطنين الفلسطينيين بعدم الإساءة للسعودية، وأي مواطن يخالف هذه التعليمات سوف يتعرض للمساءلة والمحاسبة، في حين أنّ الإساءة للقضية الفلسطينية من قبل السعوديين تعتبرها السلطة حالة فردية يجب أن يقبل به الفلسطيني طالما أنّ سُلطته تتلقى الدعم المالي من السعودية، ولهذا يُمنَع عليه أن يسيء لها حتى في مرحلة الدفاع عن النفس كما هو حاصل الآن؟

تضارب في التصريحات بين مسؤولي السلطة الفلسطينية:

لم يكن تصريح نبيل أبو ردينة هو التصريح اليتيم حول هذه القضية، بل كان هناك تصريح ناري جدا ومنفعل للغاية، من قبل الناطق الرسمي باسم حركة فتح في أوروبا جمال نزال، الذي وصف المسيئين للمملكة العربية السعودية بأنهم زعران حماس، ومأجورون وأصحاب فتنة، وذلك على صفحته الرسمية في فيسبوك، ليتفوّق بذلك على زميله في الرأي نبيل أبوردينة الذي كان تصريحه مضبوطا إلى حدّ بعيد، مقارنة بتصريح جمال نزال المعروف بعدائه الكبير لحركة حماس..

لكنّ وزير الثقافة لدى السلطة الفلسطينية رياض أبو سيف، كان له تصريح مخالف تماما، وهو الذي نال رتبة وزير بعد تعرضه للضرب المبرح من قبل أمن حماس في قطاع غزة، إذ أدان بث قناة mbc السعودية مسلسل أم هارون، وانتقده بشدة وكان منصفا إلى حدّ بعيد، وشدّد على رفض التطبيع مع دولة الاحتلال وأيّ محاولة لبث الفتنة بين الشعبين الشقيقين. ولا يُعلَم حتى اللحظة إذا ما كان تصريح الوزير هذا يمثل الموقف الرسمي للسلطة، وإذا كان كذلك، فماذا عن تصريحات نبيل أبوردينة وجمال نزال ورئيس الوزراء محمد إشتية؟ هل هو تضارب مقصود بقصد احتواء جميع الأطراف، أم أنه يدل على عدم التنسيق بين قنوات الإعلام لدى السلطة الفلسطينية؟..

هل تبريرات السلطة الفلسطينية حول هذه القضية مُقنعة؟


السلطة الفلسطينية ربما تبرر "تحت الهوا" بأنها تسعى من خلال عدم الإساءة للسعودية إلى عدم التفرقة واكتساب الحليف السعودي القوي إليها، وربما يكون هذا الأمر من حقها، وهذا أمر مشروع في عرف السياسة..

لكنّ السؤال المطروح: لماذا كانت تسارع السلطة الفلسطينية وعلى لسان أكثر من متحدث فيها، إلى انتقاد دول عربية في مرحلة ما، ولم تفعل الشيء ذاته مع السعودية الآن؟

ألم تنتقد السلطة الفلسطينية دولة قطر واتهمتها بتأجيج الانقسام الفلسطيني؟!! ألم يصف وزير الأوقاف الفلسطيني محمود الهباش الأموال القطرية الداخلة إلى قطاع غزة بأنها سحت وحرام؟!!

ألم يهاجم القيادي في حركة فتح عزام الأحمد سوريا وقطر وإيران والسودان بسبب دور هذه الدول في الانقسام؟!!

لماذا سكتت هذه الألسنة عن السعودية الآن، رغم أن حجم الإساءات السعودية للشعب الفلسطيني فاق التوقعات، دون أي تدخل من قبل السلطات؟ فعلى سبيل المثال، كيف يجرؤ الإعلامي السعودي محمد سعود، على مهاتفة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالصوت والصورة من قلب أرض الحجاز، لو لم يكن ضامنا على نفسه من المسؤولين السعوديين؟ وكيف يستضيف الإسرائيليين في منزله ؟؟ وكيف وكيف؟؟

و بناء على ذلك: هناك فرق كبير بين الحرص على العلاقات الخارجية وبين أن تكون العلاقة بين دولتين قائمة على أساس الدعم المالي ليس أكثر، وذلك على حساب الحقوق والثوابت الفلسطينية وتاريخ الشعب الفلسطيني الضارب في الجذور، وهذا ما لا يرتضيه الشعب الفلسطيني، وأنا واحد منهم، وأنّى لي أن أرتضيه، وجدي عبد القادر أكبر عمرا من دولة الاحتلال الإسرائيلي..