تقارير

فلسطينيو يافا.. سياحة خاطفة فلجوء مديد

مدينة "يافا" الفلسطينية لم تفقد سمتها العربي والإسلامي رغم سنوات الاحتلال (الأناضول)

يواصل الكاتب الفلسطيني عبد القادر ياسين، رواية قصة سقوط يافا في قبضة الاحتلال الإسرائيلي، وتداعيات ذلك على المدينة معالمها، وقبل ذلك على سكانها الأصليين، الذين أجبرهم الاحتلال على الرحيل.

 

من يافا إلى بورسعيد


لنحو خمسة عشر شهراً، أقامت أسرتي في بور سعيد، المدينة الجميلة الهادئة، والمتنوعة في مستوى أحيائها، على نحو صارخ؛ فحي الإفرنج قطعة من أوروبا، بجماله، ونظافته، ويحتل الجزء الشرقي من بور سعيد، مقابل "حي المناخ" العربي، غربي المدينة، وهو في وضع يُرثى له، من الفقر، وقلة النظافة، وإلى الجنوب منه تقع "عزبة الصفيح"، وأحياناً يُطلقون عليها "عزبة فاروق"، نسبة إلى فاروق الأول، ملك مصر والسودان، حينذاك. وبين "المناخ" و"حي الإفرنج"، جاء "حي العرب"، الأقل تحضُراً من حي الإفرنج، لكنه  أجمل، وأنظف من "حي المناخ".

تقع بورسعيد عند مدخل قناة السويس الشمالي، وميناؤها يستقبل السفن الآتية من أوروبا، عبر البحر الأبيض المتوسط، ويُودِّع السفن المارة، من الشرق الأقصى، في طريقها إلى أوروبا، وعلى الضفة الشرقية للقناة، تقع ضاحية بور فؤاد، الراقية، الهادئة، والجميلة.

تنقلت سكنانا بين عدة شقق، في "حي العرب"، استأجرتها الأسرة، قبل أن تحط بنا الرحال في كابينة، على شاطئ بور سعيد، ضمن عشرات الكبائن، التي يقطنها المصطافون، الوافديون من خارج بور سعيد، على مدى أشهر الصيف، ويغادرونها قبل أن يهل الخريف. أما أسرتي، فاستمرت تقيم في الكابينة، صيفاً شتاءً.

أخذنا نترقب العودة إلى يافا، بفارغ الصبر، لكن الأخبار عنها لم تكن مطمئنة، بل زادتنا قلقاً على قلق، مع مرور الأيام، إلى أن علمنا بخبر وصول أسر يافية كثيرة إلى بور سعيد، عبر البحر، حيث رفضت السلطات المصرية نزول هذه الأسر إلى المدينة، وساقت تلك السلطات المراكب المقلة لتلك الأسر إلى الحجر الصحي، في "المزاريطة"، جنوبي بور فؤاد.

اصطحبني والدي، بينما اصطحب صديقه، ابراهيم كركار، ابنه الأكبر، خليل، وركبنا أربعتنا المعدية، من الشاطئ الغربي للقناة، التي أوصلتنا إلى الشاطئ الشرقي، حيث ضاحية بور فؤاد، ومنها اتجهنا جنوباً، بمحاذاة القناة، سيراً على الأقدام، لنحو أربعة كيلو مترات.

في الطريق، حدثنا ابراهيم كركار، كيف أن محافظ بور سعيد، فؤاد شيرين باشا، جمع أعيان المدينة، وعرض عليهم مأساة أولئك اللاجئين؛ فاندفع الأعيان، كل يريد أن ينفرد بإطعام هؤلاء اللاجئين، واحتدمت المناقشات بين الأعيان، إلى أن حسمها المحافظ، بأن خصَّص لكل عين من الأعيان وجبة واحدة، يمد بها المحتجزين، إلى أن يفرجها الله. 

قطعنا نحو ثلاثة كيلو مترات، ففوجئنا باللنشات، تحمل العيش الفينو، والخضروات، والفواكة، من أعيان بور سعيد، إلى أشقائهم في "المزاريطة"، وبعد قليل، سمعنا أصوات إطلاق نار، فغذيْنا السير، لنُفاجأ ببعض رجال البوليس يقذفون بأنفسهم في مياه القناة، بينما يوجِّه ساكنو "المزاريطة" لعناتهم إلى الملك. واكتشفنا بأن مطلقيْ النار لم يكونوا إلا أبناء أسرة الرشيدي، المتحدرين من أصول مصرية، وقد هالهم استقبال السلطات المصرية للوافدين، على هذا النحو.

في اليوم التالي، جاءنا أن بعض أعيان يافا، المقيمين في القاهرة، خفُّوا إلى قصر عابدين، وسجَّلوا أسماءهم في "سجل التشريفات الملكي"، مقدمين الاعتذارات، على ما بدر من المحتجزين في "المزاريطة"! كما وصلنا أن من وصل من أهالي يافا إلى القنطرة، سيق إلى القاهرة، حيث أودع الجميع في معسكر من الخيام، بصحراء العباسية، وتولت "مبرة محمد علي" الخيرية السهر على إطعام المحتجزين، في هذا الحجر.

 

حكومة النقراشي وفلسطين


رفضت حكومة محمود فهمي النقراشي باشا خروج أي من القادمين، وإن نقلتهم، من "المزاريطة"، والعباسية، إلى معسكر قديم مهجور، كانت تستخدمه، القوات البريطانية، في القنطرة شرق، وأخذت الحكومة تصرف للمحتجزين الطعام، في الوجبات الثلاث، كما خصَّصت لأبنائهم مدرسة ابتدائية، داخل المعسكر نفسه، وعيَّنت لها مدرسين، من بين المحتجزين.

 

فاجأ الملك فاروق اجتماع مجلس الوزراء المصري، بحضوره، وأرغم المجلس على اتخاذ قرار بدخول الجيش المصري فلسطين، شأن بقية الجيوش العربية.

 


توالت الضغوط على حكومة النقراشي، لأن مصر كانت الدولة العربية الوحيدة التي حالت دون دخول اللاجئين الفلسطنيين إليها، فأصدر النقراشي قراراً، قضى بالسماح لكل من يحمل عشرة آلاف جنيه فلسطيني (مرادف للإسترليني) للخروج من المعسكر! وحتى يُفقد النقراشي هذا القرار مفعوله، فإنه ألحق قراره هذا بقرار آخر، قضى بعدم تشغيل الفلسطينيين في مصر، حتى بدون أجر! 

ولم يكن هذا غريباً على وزارة النقراشي، التي كانت قررت ـ دوناً عن كل "دول الطوْق"، والعراق ـ عدم إرسال جيشها إلى فلسطين، لمقاتلة العصابات الصهيونية المسلحة، بعد انسحاب القوات البريطانية من فلسطين، المقرر له يوم 15 أيار / مايو 1948. وفي آخر لحظة، فاجأ الملك فاروق اجتماع مجلس الوزراء المصري، بحضوره، وأرغم المجلس على اتخاذ قرار بدخول الجيش المصري فلسطين، شأن بقية الجيوش العربية.

أما لماذا تدخل فاروق على هذا النحو؟ فأولاً، لأن تقاعس مصر عن نجدة شقيقتها فلسطين، سيصيب أطماع فاروق بخلافة المسلمين في مقتل، خاصةً وأن مزاحم فاروق، عبد الله بن الحسين، ملك الأردن، أبدى استعداده لإرسال جيشه إلى فلسطين. وثانياً، فإن دخول الجيش المصري، سيقترن بإعلان الأحكام العُرفية في مصر، بما يتيح لأجهزة الأمن المصرية ضرب الحركة الوطنية عموماً واليسار على نحو خاص. وثالثاً، فإن مثل تلك الحرب كفيلة بتخليص نظام فاروق من ضباط في الجيش المصري، يجاهرون بعدائهم للنظام الملكي في مصر.

 

أصدر النقراشي قراراً، قضى بالسماح لكل من يحمل عشرة آلاف جنيه فلسطيني (مرادف للإسترليني) للخروج من المعسكر! وحتى يُفقد النقراشي هذا القرار مفعوله، فإنه ألحق قراره هذا بقرار آخر، قضى بعدم تشغيل الفلسطينيين في مصر، حتى بدون أجر!

 



كانت مصر أول دولة عربية توقِّع اتفاقية هدنة، مع إسرائيل، في شباط/فبراير 1949، وبعدها كرَّت المسبحة: لبنان، فسوريا، وأخيراً الأردن. ولم يعد لبقاء الفلسطينيين في معسكر القنطرة ما يبرره. وحدث أن زار عبد الرزاق السنهوري باشا، وزير المعارف المصري، المعسكر، فخرجنا، نحن تلاميذ المدرسة، في مظاهرة، هتفت، بصوت واحد: "بدنا غزة، بدنا غزة!". 

وَعَدنا السنهوري باشا خيراً، وما هي إلا بضعة أيام، حتى بدأت القطارات تصل، تباعاً، إلى باب المعسكر، حاملة عائلات، في إثر عائلات، إلى محطة سكة الحديد، في دير البلح، بقطاع غزة، ومن هناك، أقلت الوافدين الجدد سيارات الجيش المصري، إلى مخيم المغازي، في المنطقة الوسطى من قطاع غزة. وأتت "الكويكرز" ـ التي كانت تشرف، آنذاك، على إعاشة اللاجئين الفلسطينيين ـ بالخيام للوافدين الجدد، وبضمنهم أسرتنا. على أننا لم نُقِم في المغازي، سوى ثمانية عشرة يوماً، انتقلنا، بعدها، إلى مدينة غزة، وفي حي الرمال، بالذات، لتبدأ صفحة أخرى في حياة تلك الأسرة، ومعها القضية الوطنية.

 

إقرأ أيضا: يافا الفلسطينية.. كانت مهدا للصحافة والثقافة قبل النكبة

 

إقرأ أيضا: "يافا" في ذاكرة لاجئ فلسطيني.. تاريخ لا يبلى