كتب

خبراء عرب يحذّرون من مخاطر التطبيع مع الاحتلال

خبراء عرب يؤكدون أن التطبيع العربي مع الاحتلال الإسرائيلي مُضر بالقضية الفلسطينية (عربي21)

تعيش القضية الفلسطينية هذه الأيام واحدة من أهم المراحل صعوبة وتعقيدا، ليس فقط بسبب الاحتلال الذي يتمدد في شكل مسستوطنات تأكل الأخضر واليابس من أرض فلسطين التاريخية، ولا بسبب قوة الدعم الدولي الذي تلقاه دولة الاحتلال، ولا أيضا بسبب الانقسام الحاصل بين الفلسطينيين منذ العام 2007، وإنما بسبب الخذلان العربي الذي ترجمته على الأرض خطوات تطبيعية انتقلت من السر إلى العلن، حتى غدت صورة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وهو يتجول في شوارع عاصمة عربية أمرا اعتياديا، وشكلا من أشكال الدعم لجهود السلام.

وما زاد من المخاوف التي تهدد القضية الفلسطينية، وقوى المقاومة فيها، هو الجهود التي تبذلها الإدارة الأمريكية هذه الأيام، تحت شعار ما يسمى بـ "صفقة القرن"، التي يقول الفلسطينيون، إنها وصفة دولية متكاملة هدفها تصفية القضية الفلسطينية، ولذلك فإنهم يرفضونها بالكامل.

وبينما تستعد العاصمة البحرينية المنامة بالتنسيق مع واشنطن، لاستضافة ورشة عمل اقتصادية تحت عنوان "السلام من أجل الازدهار" يومي 25 و26 من الشهر المقبل، أطلق عدد من الكتاب والخبراء العرب دعوة للنظام العربي الرسمي من أجل إعادة النظر في الخطوات التطبيعية التي تم اتخاذها بشأن العلاقة مع الاحتلال، وإعادة الاعتبار إلى القضية الفلسطينية باعتبارها القضية المركزية.

الدعوة جاءت في كتاب أصدره منتدى التفكير العربي في لندن، تحت عنوان: "العرب وإسرائيل.. مخاطر التطبيع والمطبعين"، الصادر خلال العام الجاري في لندن.

يغطي الكتاب، نحو 100 صفحة من الحجم الصغير، مقسم إلى ثلاثة أوراق رئيسية: الأولى تعرض لـ "العرب من المقاطعة إلى التطبيع" للإعلامي الفلسطيني محمد عايش، والثانية تسلط الضوء على "التغيرات الاستراتيجية وصفقة القرن وتسارع التطبيع مع الاحتلال" لرئيس تحرير صحيفة "عربي21" فراس أبو هلال، بينما تتناول الورقة الثالثة التي أعدها الناشط البريطاني من أصول فلسطينية في حركة المقاطعة الدكتور كامل اسحق الحواش، "تأثير التطبيع العربي مع الاحتلال مع إسرائيل على حركة التضامن الدولي مع الفلسطينيين".

الكتاب، كما يقول رئيس منتدى التفكير العربي، محمد أمين في المقدمة، هو عبارة عن ندوة فكرية عقدت في العاصمة البريطانية لندن، تحت ذات العنوان، بمناسبة الذكرى السنوية ليوم الأرض، وبالتزامن مع استضافة تونس للقمة العربية الدورية.

 

عاد العرب للهرولة بسرعة ضوئية نحو التطبيع من مؤتمر مدريد إلى وادي عربة وأوسلو.. وصولا للناتو العربي الإسرائيلي


وعرض أمين في المقدمة لمفهوم التطبيع، وقال بأنه "تواصل للعرب بشكل مباشر أو غير مباشر مع الإسرائيليين أفرادا كانوا أم مؤسسات بكافة الأشكال بهدف إزالة الحواجز النفسية تجاه الاحتلال والاستغناء عن المقاومة أو فضح جرائم الاحتلال بكافة أشكالها".

ثم عرض أمين لمظاهر التطبيع المتسارعة التي تعرفها العلاقات العربية ـ الإسرائيلية، وتساءل: "إذن فالعرب من لا صلح لا اعتراف إلى عرب التطبيع الكامل والناتو.. مرة أخرى يحق لنا أن نسأل.. ما الذي يجري؟".

وأضاف: "بعد أربعة حروب طاحنة كانت مصر وإسرائيل طرفيها الرئيسيين في 1948 و1956 و1967 و1973 وقع البلدان إطار سلام عرف باتفاقية كامب ديفيد، التي مهدت لتوقيع القاهرة وتل أبيب ما تعرف بمعاهدة السلام في 26 آذار (مارس) 1979، وبموجبها اعترف مصر بإسرائيل، فكانت أول دولة عربية تقدم على مثل هذه الخطوة، قاطعها العرب علنا، لكن بعضهم كان موقفه على ما يبدو غير ذلك سرا، حيث عاد العرب للهرولة بسرعة ضوئية نحو التطبيع من مؤتمر مدريد إلى وادي عربة وأوسلو.. وصولا للناتو العربي الإسرائيلي والاستقبال العلني والحافل لقادة الاحتلال ووزرائهم".

وأشار أمين إلى أن المثير للاستغراب في مسيرة التطبيع العربي مع الاحتلال الإسرائيلي أن "بعض العرب اقتنعوا برواية إسرائيل وبدأ بعضهم سلوكا مسار غريب، نحو التطبيع معها وتجريم الفلسطينيين ومقاطعتهم، بل واعتبارهم أصل المشكلة مع تبرئة شاملة للمحتل"، على حد تعبيره.

سلاح المقاطعة قديم

وفي ورقته عن "العرب من المقاطعة إلى التطبيع" يرى الكاتب والخبير بالشؤون الفلسطينية محمد عايش، أن "سلاح المقاطعة ليس جديدا في تاريخ النضال العربي الفلسطيني ضد المشروع الصهيوني، حيث رأى النور في بدايات القرن الماضي وكان متزامنا مع العديد من الانتفاضات التي نفذها الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال".

وأشار عايش إلى أن المقاطعة العربية الشعبية للاحتلال سرعان ما فرضت نفسها رسميا، فقد عمد مجلس جامعة الدول العربية إلى اتخاذ أول قرار بالمقاطعة نهاية العام 1945، ونص القرار على "أن المنتوجات والمصنوعات اليهودية في فلسطين غير مرغوب بها في البلاد العربية"، واعتبر أن "إباحة دخولها إلى البلاد العربية يؤدي إلى تحقيق الأغراض السياسية الصهيونية".

وبيّن أن بدء التطبيع هو مصلحة اقتصادية، ولذلك بعد كل اتفاق سلام سياسي كانت إسرائيل تعقد عشرات الصفقات مع الدولة المطبعة"، مؤكدا على أهمية الملف الاقتصادي في التطبيع.

وقال: "نحن نتحدث عن ثلاثة مستويات من التطبيع مع إسرائيل"، مشيرا إلى أن الدول العربية هي الخاسر الأكبر (اقتصاديا) في هذه العلاقة.

وأضاف: "الأول هو التطبيع الرسمي العلني، التطبيع التقليدي، وهو محصور في الأردن ومصر، وهي علاقة طبيعية بحكم الاتفاقات الموقعة سابقا".

 

التطبيع غير المسبوق في الأمة، هو التطبيع الخليجي


وأشار إلى أن التطبيع الثاني هو "الخليجي"، مضيفا أن آخر أنواع التطبيع هو "التطبيع غير المباشر مع الدول العربية الأخرى، مع الجميع باستثناء سوريا ولبنان".

وقال إن التطبيع غير المسبوق في الأمة، وهو التطبيع الخليجي مع إسرائيل، فما حدث خلال أسبوع واحد يكشف الكثير، فنتنياهو زار عاصمة خليجية، ووزيرة إسرائيلية زارت عاصمة خليجية أخرى، وفريق رياضي زار عاصمة عربية أخرى، وكان هناك زيارة لأمير عربي إلى تل أبيب، وكل ذلك في أسبوع".

ما الهدف من التطبيع؟

هذا هو السؤال الرئيسي الذي سعى الكاتب والمحلل السياسي، فراس أبو هلال، بحثه لمعرفة هدف إسرائيل والأنظمة العربية من التطبيع؟

وفي محاولة للبحث عن سر تسارع عجلة التطبيع العربي الرسمي مع إسرائيل، رأى أبو هلال أن هزيمة الثورات الشعبية في الوطن العربي (الربيع العربي) وتقدم القوى التقليدية التي تحكم منذ الاستقلال، وتراجع الدور الشعبي في السياسة العربية، وانشغال الشعوب العربية في الأزمات المحلية، وتصاعد ظاهرة التوحش لدى الأنظمة العربية، فضلا عن ظهور انهيار الأنظمة الشعبية"، كلها من أسباب تسارع التطبيع. 

ولفت أبو هلال الانتباه إلى "أن أحد التغييرات الاستراتيجية خلال الفترة الماضية هو تغيير عقيدة الأمن القومي لدى الدول العربية، التي باتت تروج بأن الصراع مع إيران وتركيا وحتى مع القوى الديمقراطية أخطر من الصراع مع دولة الاحتلال".

 

فراس أبو هلال: هناك محاولة للتمهيد التطبيع التجاري والسياسي، عبر تغيير الوعي العربي


وأكد أن من التغييرات أيضا "وصول ترامب الذي تبنى مقاربة واضحة ومكشوفة في المنطقة، وهي ابتزاز الدول الغنية في المنطقة، والحصول على مواقف أكثر تطرفا لمصلحة إسرائيل".

وأضاف أن وصول "ترامب أدى إلى ظهور مصطلح صفقة القرن، القائمة على مرحلتين؛ المرحلة الأولى حل الصراع العربي الإسرائيلي، والثانية إقامة علاقات عربية وإسرائيلية".

وبيّن أن "هناك محاولة للتمهيد التطبيع التجاري والسياسي، عبر تغيير الوعي العربي، من خلال اتهام الفلسطينيين بالمسؤولية عن ضياع فلسطين، وبأنهم عملاء وباعوا الأرض، وأن الانقسام هو السبب في حل الصراع، وأن إسرائيل دولة في المنطقة ولنا الحق في زيارتها".

التطبيع وحملات المقاطعة الدولية للاحتلال

يقول رئيس حملة التضامن مع فلسطين، البروفيسور كامل حواش: إن "عملية السلام قلبت رأسا على عقب بعد ترامب، بعد عملية تهميش حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وحث الجهود بشكل كبير على التطبيع".

واستعرض حواش تاريخ الحركة العالمية لمقاطعة إسرائيل، التي تعرف اختصارا بـ"بي دي أس"، والتي بدأت في 9 تموز/ يوليو 2005، بنداء من 171 منظمة فلسطينية غير حكومية... للمقاطعة، وسحب الاستثمارات، وتطبيق العقوبات ضد إسرائيل؛ حتى تنصاع للقانون الدولي والمبادئ العربية لحقوق الإنسان".

وقال إن الحركة وضعت أهدافا واضحة وهي: "إنهاء استعمار إسرائيل لجميع الأراضي العربية، وتفكيك الجدار، والاعتراف بحقوق العرب الفلسطينيين في إسرائيل، واحترام وحماية حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم".

 

حواش: القبول العربي لقرارات إدارة ترامب يشجع إسرائيل على مواصلة سياساتها القمعية والتوسعية.


وقال إن إسرائيل صوّرتها بأنها مطالب معادية للسامية، مع أنها حقوق أساسية.

وانتهى حواش إلى مجموعة من الخلاصات التي تؤكد أن تزايد التطبيع العربي مع إسرائيل يضر ب القضية الفلسطينية، وأن القبول العربي لقرارات إدارة ترامب يشجع إسرائيل على مواصلة سياساتها القمعية والتوسعية.

وأكد حواش أن عدم عودة الدول العربية إلى مقاطعة إسرائيل تقوض الجهود المبذولة لزيادة تأثير حركة المقاطعة على إسرائيل، مشيرا إلى أن "أنصار القضية الفلسطينية يُتهمون بأنهم فلسطينيون أكثر من الفلسطينيين وإخوانهم العرب"، وفق تعبيره.

منابر للحوار والتغيير

منتدى التفكير العربي، الذي تأسس مؤخرا في العاصمة البريطانية لندن، هو واحد من عشرات المؤسسات العربية التي تأسست في بريطانيا مستثمرة مناخ الحرية الذي توفره القوانين البريطانية من أجل إثراء حركة المنتوج الفكري والثقافي العربي، ودعم مسار الإصلاح في العالم العربي.


لكن هذه المؤسسات الفكرية التي لعب فيها العراقيون والمصريون دورا بارزا، سرعان ما تراجع دورها وانحسر، منذ سقوط النظام العراقي السابق، وعودة الكثير من النخب الفكرية العراقية إلى بلادها، ثم تلتها النخب المصرية، وأغلب النخب العربية، وهو ما يؤكد دور مثل هذه المؤسسات ليس فقط في إدارة الحوار وصناعة الوعي، وإنما أيضا في التغيير.

 

ومثلت القضية الفلسطينية على مدار العقود المنصرمة، واحدة من العناوين الرئيسية التي شغلت هذه المؤسسات الفكرية العربية.


وتجدر الإشارة هنا إلى عدد من المؤسسات التي لعبت دورا في حركة التفكير العربي في بريطانيا، ومنها مؤسسة النادي العربي ونادي الكوفة والنادي المصري ـ البريطاني والمنتدى الفلسطيني ـ البريطاني، وغيرها من المؤسسات التي أقامت الندوات الفكرية والثقافية والمهرجانات الشعرية والمعارض الفنية، والتي لعبت دورا كبيرا في توطيد الصلة بين الأقليات العربية وأوطانها، ثم في دعم التنوع الفكري والثقافي الذي تزخر به المملكة المتحدة.