صحافة دولية

"لوموند": "الدعم السريع" ارتكبت مجازر كبرى في مدينة الجنينة بالسودان

تسبب الصراع المتواصل في السودان في نزوح أكثر من 7 ملايين شخص- الأناضول
تسبب الصراع المتواصل في السودان في نزوح أكثر من 7 ملايين شخص- الأناضول
نشرت صحيفة "لوموند" الفرنسية تقريرا، جاء فيه أن زعيم الحرب السوداني محمد حمدان دقلو، المعروف بحميدتي، حظي باستقبال في العاصمة الرواندية كيغالي، في السادس من كانون الثاني/ يناير الجاري، وزار نصبا تذكاريا لضحايا الإبادة الجماعية التي تعرضت لها عرقية التوتسي عام 1994.

واعتبرت الصحيفة، في التقرير الذي ترجمته "عربي21"، أن هذا المشهد بدا سرياليا، باعتبار أن حميدتي الذي يسعى لفرض نفسه بالقوة كحاكم للسودان، هو زعيم قوات تنحدر من مليشيات الجنجويد التي زرعت الرعب في إقليم دارفور بداية من 2003، وتواجه حاليا اتهامات بارتكاب العديد من جرائم الحرب وعمليات النهب ضد السكان المدنيين في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وأشارت الصحيفة إلى تقرير مجلس خبراء الأمم المتحدة الذي قدم يوم 15 كانون الثاني/ يناير أمام مجلس الأمن الدولي، الذي أكد أن قوات الدعم السريع التي يقودها حميدتي مدعومة بمليشيات أخرى محلية، هي المسؤولة الأولى عن المجازر التي وقعت في غرب دارفور، وخاصة في مدينة الجنينة بين شهري حزيران/ يونيو وتشرين الثاني/ نوفمبر من العام الماضي.

هذه المجازر ذهب ضحيتها عدد يتراوح بين 10 آلاف و15 ألفا بحسب الأمم المتحدة، وهي أرقام أكدتها أيضا شهادات المدنيين الفارين من جحيم الحرب نحو تشاد، والمدافعين عن حقوق الإنسان والمحامين الذين تواصلت معهم "لوموند".

عشرات المقابر الجماعية
ولفتت الصحيفة، إلى أن تقرير الأمم المتحدة ذكر أن استهداف مخيمات النازحين والمدارس والمساجد والمستشفيات، تم بتخطيط وتنسيق وتنفيذ من قوات الدعم السريع والمليشيات العربية المتحالفة معها، وقد استهدف بشكل أساسي قبيلة المساليت.

هذه الحملة استهدفت في البداية النخب السياسية والإدارات المحلية، ثم المحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمدرسين، وانتهت بالمدنيين دون تفرقة، كما أن العديد من النساء تعرضن للاغتصاب، وهو ما يجعل إبراهيم شامو عضو إحدى منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان يعتبر ما حدث إبادة جماعية، وفقا للتقرير.

اظهار أخبار متعلقة


وبحسب خبراء الأمم المتحدة، فإنه تم تسجيل عشرات حالات الاغتصاب والاعتداء الجنسي التي تعرضت لها النساء والقصر على يد قوات الدعم السريع. إذ إنه في النقاط العسكرية التي أقامتها هذه القوات في طريق الفارين نحو الحدود التشادية، تم فصل النساء عن الرجال، ومورست عمليات ضرب وتفتيش ونهب.

وبحسب المصدر ذاته، فإن قوات الدعم السريع والمليشيات المتحالفة معها أطلقت النار على مئات المدنيين، مستهدفة بشكل خاص الأرجل حتى يمنعوهم من الفرار. وكان هناك استهداف ممنهج للرجال المنتمين لقبيلة محددة وهي المساليت، وحدثت إعدامات جماعية.

وذكرت الصحيفة، أنه مع تصاعد وتيرة العنف في شهر حزيران/ يونيو الماضي، كانت قوات الدعم السريع قد نفذت عملية ضخمة لإخفاء جرائمها، حيث إن آلاف الجثث تم تجميعها ونقلها في شاحنات ثم إخفاؤها في مقابر جماعية في محيط مدينة الجنينة. وقد أكدت بعثة الأمم المتحدة في السودان أنها تلقت معلومات موثوقة حول ما لا يقل عن 13 مقبرة جماعية.

وأوضحت أنه في بداية تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي كانت قوات الدعم السريع قد أطلقت هجومًا ضد آخر معاقل الجيش السوداني في غرب دارفور، قرب مدينة الجنينة؛ حيث كانت تتمركز هناك الفرقة 15 مشاة للجيش في حي أرداماتا شمال الجنينة، وقد لجأ العديد من المساليت والنازحين المنتمين إلى قبائل أخرى غير عربية إلى هذا المكان، إلا أن قوات حميدتي بالتزامن مع هجومها على الجيش ارتكبت مجازر ضد مئات المدنيين من المساليت، وبعضهم قتل للاشتباه بانتمائه لمجموعة شكلت للدفاع عن النفس.

أكثر من سبعة ملايين نازح
ووفق الصحيفة؛ فإنه منذ شهر حزيران/ يونيو الماضي، فر حوالي 550 ألف شخص من دارفور بحثًا عن الأمان في معسكرات اللاجئين في تشاد. واليوم بعد أكثر من تسعة أشهر منذ بداية القتال بين الجيش السوداني والدعم السريع، فإنه فاق عدد النازحين السودانيين السبعة ملايين، منهم 1.5 مليون فروا نحو دول الجوار.

وتجدر الإشارة إلى أن تقرير خبراء الأمم المتحدة لم يستثن القوات المسلحة السودانية بقيادة الجنرال البرهان، مشيرا إلى مسؤوليتها عن تفاقم أعمال العنف والكارثة الإنسانية التي حلت بالبلاد. إذ إنه إلى جانب الاعتقالات التعسفية لمئات المدنيين المشتبه بعلاقتهم مع العدو، فقد ارتكبت قوات الجيش أيضا انتهاكات عديدة ضد المناطق السكنية خاصة خلال الهجمات الجوية.

اظهار أخبار متعلقة


وبيّنت الصحيفة أن قوات الدعم السريع نجحت في تجنيد الآلاف من المقاتلين، بفضل الموارد المالية الهامة التي تتمتع بها، وأيضا بالاعتماد على خطاب التفوق العرقي العربي في المنطقة.

وتنقل الصحيفة عن مسؤول تشادي قوله: "إن حميدتي تمكن من أن يجمع تحت نفس الراية كل القبائل العربية في دارفور، وجند أيضا مقاتلين من تشاد والنيجر. ولكنه سيصعب عليه حكم كامل السودان، لأنه لا يتمتع بدعم باقي السودانيين المستائين من سياسة الأرض المحروقة التي يعتمدها".

دعم الإمارات العربية المتحدة
وسلط تقرير الأمم المتحدة الضوء على الدعم الخارجي وخطوط الإمداد التي تعتمد عليها قوات الدعم السريع. وأكد الخبراء معلومات نشرت سابقًا من صحيفة لوموند، حول الدعم الحيوي الذي تقدمه الإمارات لهذه القوات غير النظامية، وقد ذكر التقرير العديد من شحنات الوقود والسلاح القادمة عبر جنوب السودان وأفريقيا الوسطى وليبيا، ولكن بشكل أكثر كثافة عبر تشاد، وهي شحنات تنظمها الإمارات التي فرضت نفسها كحليف محوري للرئيس التشادي محمد إدريس ديبي.

ونوهت الصحيفة في نفس الوقت إلى أن أبوظبي نفت بشدة هذه المعلومات، ولكن يبقى السودان البلد الغني بثرواته وموقعه الإستراتيجي بين دول الساحل والبحر الأحمر، في قلب المنافسة الدولية التي تتجاوز حدوده، وهو ما أظهرته على سبيل المثال شحنة الطائرات المسيرة الإيرانية مهاجر-6 التي قدمت للجيش السوداني، بحسب معلومات حصلت عليها "لوموند".

واعتبرت الصحيفة أن الجولة الأفريقية التي أداها حميدتي أثارت الفزع لدى الجيش النظامي، وسارعت الحكومة السودانية التي تتخذ من مدينة بورتسودان مقرًّا لها بسحب سفيرها من كينيا بعد زيارة حميدتي لهذا البلد، وعلقت عضويتها في الهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا (إيغاد)، التي كان يفترض أن تنظم لقاء مباشرًا بين الجنرالين المتحاربين.

وفي الختام قالت الصحيفة إن الجنرال حميدتي يواصل في نفس الوقت تحريك بيادقه الدبلوماسية والسياسية على الميدان، ولكن يبقى الخيار الأول لطرفي الصراع لحد الآن هو قوة السلاح، من أجل إخضاع الخصم والسيطرة على البلاد.

التعليقات (0)