أفكَار

الفرنسية في البلاد العربية جريمة احتلال أم "غنيمة استحلال"!؟ (1من2)

أحمد بن نعمان: من الخصائص والمميزات الوظيفية للاستحلال أنه يقلب الأوضاع السائدة ويعكس القاعدة فيحرم الحلال ويحلل الحرام ويجعل المتغيرات الانتقالية ثوابت أبدية..
أحمد بن نعمان: من الخصائص والمميزات الوظيفية للاستحلال أنه يقلب الأوضاع السائدة ويعكس القاعدة فيحرم الحلال ويحلل الحرام ويجعل المتغيرات الانتقالية ثوابت أبدية..
إذا كان الاحتلال معروفا لدى القراء اصطلاحا وسلوكا كواقع فلسطين المحتلة منذ تطبيق وعد بلفور على الأرض قبل قرن من الزمان.. فإن المصطلح غير المعروف وغير المألوف هنا هو "الاستحلال" ولذلك وجب توضيحه ابتداء ليعرف القراء ملامحه حتى لا يلتبس عليهم أمره وهو مصطلح منحوت من الفعل العربي (أحل يحل) و(استحل يستحل) ومعناه وضع شيء مكان غيره أو استباحة الشيء وجعله حلالا!

ومن معاني هذا الوزن العربي (استفعل يستفعل) هو طلب الشيء والحصول عليه مثل استغفر يستغفر (طلب الغفران) واستنجد يستنجد (طلب النجدة)... واستطعم يستطعم (طلب الطعام...) وهكذا......

ففعل (أحل يحل) أو (استحل يستحل) هنا هو طلب شارل وجاك وفرانسوا من هذا العميل أو ذاك الوكيل، الحلول محله في الحكم والتصرف بالوكالة في رزقه وشعبه... إلى ما شاء الله في ملكه ما دام الشعب راضيا عن وضعه بخيره وشره!!

ومعناه هنا هو طلب الموكل الأجنبي من الوكيل المحلي الحلول محله والمقاولة لحسابه من الباطن لجمركة وجوده على حدوده وتبييض جرائم جنوده وترسيم بنوده في دستوره (مسخا وفسخا وسلخا) في الفكر والسلوك والاستعداء والاستعلاء والاستقواء بالموكل المراقب المتحكم في أهم المراتب والمناصب!!

وذلك بواسطة شبكة من الوكلاء (على رأي أستاذنا مالك بن نبي) ذوي حظوة في الطاعة والإخلاص والولاء من الذين يربيهم المحتل السابق على عينه ويده ويختارهم بعناية حسب المراتب والمراحل والاحتياجات والسوابق والاختصاصات والولاءات للأشخاص والطوائف والمذاهب والفئات والجهات.!؟

وليس للمبادئ والمرجعيات الوطنية والدينية وحتى الأعراف الاجتماعية والثقافية إذا كانت هذه الأخيرة تتعارض مع مصالح الموكل قبل أن يتوكل ويرحل !!وهو ما يعبر عنه أصدق تعبير متعهد الاحتلال والاستحلال ذاته الجنرال دوغول في كتابه (الأمل صفحة 49) من الترجمة العربية الصادرة عن دار عويدات بيروت 1968 وذلك أثناء حكمه بعد تأسيس "أكاديميته البربرية" في باريس سنة 1966 بقوله حرفيا: "ستبقى الجزائر فرنسية.. مثلما أصبحت فرنسا رومانية !؟".

هل الهوية الوطنية الموحدة للإنسان إلا دين وثقافة ولسان كما تؤكد كل الأحداث العالمية والصراعات الإقليمية على الحدود والحروب بين البلدان من الصين واليابان إلى تركيا وإيران وسوريا وفلسطين والعراق وأرمينيا وأذربيجان وروسيا وأوكرانيا وأسبانيا والسودان!؟
وأضاف مؤكدا ومفسرا ذلك القرار أو الحكم بقوله: "ولئن تركناهم يحكمون أنفسهم..."، والملاحظ أنه لم يقل يستقلون بما يعني أن ما يعتبره بعضنا استقلالا ناجزا لا يعدو أن يكون عنده مجرد حكم ذاتي؟!، ليضيف: "فهل يعني ذلك أننا نتركهم بعيدين عن أعيننا وقلوبنا"!؟ وهنا يجيب بالقطع مباشرة بقوله: "لا".. ثم يبرر ذلك القطع بكل ثقة في نفسه وفي ورثته من بعده قائلا: "لأنهم يتحدثون لغتنا ويتقاسمون معنا ثقافتنا!؟"..

تلك هي (جريمة الحرب) إذن بالنسبة للشعب و(غنيمة الحرب) بالنسبة لأعداء الشعب من وكلاء الاستحلال (في الاستقلال) بعد الاحتلال كما أشرنا إلى ذلك في العنوان أعلاه لذا الغرض بالذات.. وشتان بين الاثنين كما ترون وتستنتجون وتقارنون بأنفسكم فيما سنفصله بعد حين..

ولعلكم تدركون هنا خلفيات المأساة التي كانت وما تزال وراء تجميد قانون اللغة العربية في الجزائر منذ صدوره في الجريدة الرسمية بعد التصويت عليه بالإجماع في المجلس الشعبي الوطني سنة 1991!؟ ولم يلغ رسميا منذ صدوره رغم إبعاد رئيسين من أجله هما الشاذلي بن جديد سنة 1992 واليمين زروال سنة 1998 وما زال مجمدا عمليا دون إلغاء حتى الآن عكس قانون اللغة الفرنسية أو قانون اللغة العبرية الصادرين في الفترة ذاتها ولنفس الغرض والمطبقين بصرامة في هذين البلدين اللذين ليس عندهما (غنيمة الحرب) مثل بلداننا العربية المغاربية!؟!!

وهل الهوية الوطنية الموحدة للإنسان إلا دين وثقافة ولسان كما تؤكد كل الأحداث العالمية والصراعات الإقليمية على الحدود والحروب بين البلدان من الصين واليابان إلى تركيا وإيران وسوريا وفلسطين والعراق وأرمينيا وأذربيجان وروسيا وأوكرانيا وأسبانيا والسودان!؟

وبهذه الكيفية من التسليم والتسلم المضمون للعهدات يتمكن المحتل السابق من الاطمئنان على مصالحه الإستراتيجية والحيوية في أيدي المستحل اللاحق من المحتل السابق بعد تغيير ألوان العلم واسم الجنسية الورقية والعملة المحلية من الفرنك والدولار.. إلى الدرهم والريال والدينار.. فيصبح الاستقلال المأمول من الشهداء استحلالا مشروعا وشرعيا لدى الخفراء ولا خلاص للشعب المستضعف من قبضته ولا أمل له في أي استقلال سيادي آخر من بعده لا بالانتخاب ولا بالانقلاب ولا بالإضراب ولا حتى بتحالف الأحزاب .. لأن مفتاح الحل والغلق لباب الحرية خارج عن أصحاب الدار والقضية وفي حصن مكين مغلق الأبواب إلا لمن شاء له رب الأرباب المتحكم في الأنفاس والرقاب...!!

وإن واقع ومآل ثورات الشعوب المحاولة للتغيير والتحرير (مشرقا ومغربا) يغني عن أي أمل في التخلص من المقاولين الباطنيين والانقلابيين على الشرعية في البلاد المستحلة من أعداء الخارج بوكلاء وعملاء الداخل من الفاعلين الحقيقيين ومن نواب الفاعل الموسميين في كل حين!!

ومن الخصائص والمميزات الوظيفية للاستحلال التي يعجز حتى الاحتلال نفسه عن القيام به (كما في حالتنا هذه) هو أنه يقلب الأوضاع السائدة ويعكس القاعدة فيحرم الحلال ويحلل الحرام ويجعل المتغيرات الانتقالية ثوابت أبدية ويصير الثوابت الوطنية متغيرات مرحلية وعوائق ضد التنمية والانفتاح على العالمية والانسياح دون بوصلة ثقافية أو هوية وطنية أو قومية موحدة ويعتبر الجهاد من أجل التحرر من الظلم والظلام الاستحلالي إرهابا وظلامية والتطلع إلى التغيير طموحات أنانية فردية تحركها أياد أجنبية.. ضد أمن الدولة الوطنية...!!؟؟

إن واقع ومآل ثورات الشعوب المحاولة للتغيير والتحرير (مشرقا ومغربا) يغني عن أي أمل في التخلص من المقاولين الباطنيين والانقلابيين على الشرعية في البلاد المستحلة من أعداء الخارج بوكلاء وعملاء الداخل من الفاعلين الحقيقيين ومن نواب الفاعل الموسميين في كل حين!
ويعتبر دك القلاع وكشف القناع سياسة واقعية ونزع الحجاب وخلع الأبواب ضرورة سياسية.. وإلغاء حق الأغلبية لصالح الأقلية الوهمية (المصطنعة في المخابر) حتمية مرحلية وشجاعة أدبية ومصلحة وطنية... فيعكس "الاستحلال" كل القيم ليصبح الوضيع فوق الهرم والشريف تحت القدم، والخصم في الإدارة وصندوق الانتخاب والرقابة هو الحكم والمزور حامي الحرم وربما حاكما والعميل السابق واللاحق يظل سالما والمقاوم والمجاهد السابق يصبح نادما والجاهل يغدو ناقما والعالم يمسي واجما أو هائما على وجهه مهاجرا في أرض الله الواسعة !!

وللأقلية المحظية الفاعلة في نفسها وأهلها والمقاولة لحساب غيرها حصانة ضد القانون ولها أحزاب وجمعيات وبرامج وأولويات..!؟.

وفي هذا السياق نقول للذين يحاولون أن يضحكوا على الأحياء منا فضلا عن الأموات ويرددون عبارة: "الفرنسية غنيمة حرب"، ويحاولون أن يصيروا لنا الهزيمة غنيمة والغنيمة هزيمة بقولهم (إذا عربت خربت!؟) نقول لمن يعتقد هذا من المستحلين أنه كمثل فرد أو أفراد في عائلة محترمة فاضلة تعرضت لعملية اعتداء واغتصاب، استحل المغتصب خلالها كل محرماتها، وكسر أهم "طابوهاتها" وثوابت هويتها وفي مقدمتها دينها واستعمال لسانها المكتوب على أرضها، وبعد أن تمكن الأبناء الشرفاء والشهداء من التغلب على المعتدين طوال عشرات العقود من المقاومة عبر السنين (من مثل هذا الشهر سنة 1830 إلى الشهر ذاته من سنة 1962 ثم إلى يومنا هذا) بالنسبة للمغرب الأوسط بالذات الذي كانت منه البداية وستكون عنده النهاية!!؟؟

بعد كل هذا الكفاح الطويل الذي لم يوجد له بعد في التاريخ مثيل... بادر بعض "الشواذ" الأهلين بالدفاع عن المغتصبين، وحمايتهم في عقر الديار لتمكينهم من مواصلة عملية الاغتصاب بدعوى أنه هو القصاص والعقاب وعين الصواب!!؟! في حين أن ذلك هو الوضع المعيب والمريب الذي لم يوجد له في التاريخ مثيل في غير هذه البلاد المغاربية وخاصة الجزائر، مقارنة بتضحياتها الجسيمة (وبمساعدة كل الأشقاء مشرقا ومغربا كما هو معلوم).

من أجل الحرية والاستقلال والسيادة الوطنية كما ينص عليه بيان ثورتها المعروفة عربيا وعالميا "بثورة المليون ونصف المليون شهيد!!" في أول بنوده التي تحدد الهدف منها، حيث يقول البيان صراحة:

1 ـ "إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الاسلامية" (غير الشيوعية وغير اللائكية!؟)

2 ـ "تحقيق وحدة شمال إفريقيا في إطارها الطبيعي العربي الإسلامي". ونلاحظ هنا الإعلان الصريح عن الانتماء الطبيعي والهوية الوطنية ذات الأصل الثقافي والبعد الجغرافي والطبيعي (العربي الإسلامي)، وليس الإفريقي أو المتوسطي أو حتى النوميدي، فضلا عن الروماني أو اللاتيني أو "الفرنكوشوني".

3 ـ "احترام جميع الحريات الأساسية دون تمييز عرقي أو ديني".

ونلاحظ بجلاء هنا عدم وجود كلمة "لغوي" في البند، وهو ما يعني صراحة أن البيان النوفمبري الوحدوي والسيادي يقر حرية الاعتقاد وتعدد الأديان داخل المجتمع، كما هو شأن كل البلاد الإسلامية في العالم، وكما يقره الإسلام ذاته حيث يقر مبدأ (لا إكراه في الدين).. في نص القرآن الكريم، ولكن البيان يرفض التعدد اللغوي الرسمي، لأنه الفيصل القاطع في السيادة، وأن التلاعب فيه أو التلاعب به يؤدي حتما إلى ما لا يقبل التعدد على الإطلاق ألا وهو الانتماء ووحدة الهوية الوطنية للشعب (لسانا ووجدانا). مثل فرنسا في فرنسا الحالية. لأن الإنسان الجزائري لا يمكن أن يكون عربيا وغير عربي في الوقت ذاته والعروبة هنا بالثقافة والرسالة وليس بخرافة السلالة على الإطلاق. وفرنسا بخليطها البشري من كل الألوان والأصول.. ووحدتها الوطنية اللسانية أقوى الأدلة على ما نقول!؟..

4 ـ وتفاديا لاحتمالات المستقبل الذي قد تخبئه للدولة المستقلة التي نعيش تحت رايتها الهلالية اليوم... يطالب البيان بحس وطني منقطع النظير، وكأنه استشرف ما يدور في أيامنا هذه من محاولة التلاعب بأسس الكيان والهوية والانتماء لغير الأمة المحمدية (دينا ولسانا) فيقول البيان في أحد بنوده "نطالب فرنسا بـ "الاعتراف بالجنسية الجزائرية بطريقة علنية ورسمية ملغية بذلك كل القرارات والقوانين التي تجعل من الجزائر ارضا فرنسية التاريخ والجغرافيا واللغة والدين والعادات للشعب الجزائري".

ونعتقد أن هذا الرفض القاطع للجنسية الفرنسية وهويتها اللغوية والدينية والثقافية، من أصحاب البيان، والذي يصرح فيه قادة الشعب من الثوار بأن للجزائر هوية وشخصية متميزة تتكامل فيها كل المقومات التاريخية والجغرافية واللغوية والدينية والثقافية التي تجعلها غير فرنسية بكل المقاييس!!

وإذا لم تكن لغة الشعب الجزائري هي الفرنسية كما ينص البيان، ولم يكن دين الشعب هو المسيحية كما ينص البيان أيضا، فما هو بديل هذه اللغة وبديل هذا الدين غير العربية والإسلام المؤكدين في البندين (1 و2 المذكورين آنفا).

وإذا قال بعضهم بأن اللغة المقصودة هنا في البيان ليست العربية بالضرورة فإننا نحيلهم على نص نشيد "فداء الجزائر" لحزب الشعب الجزائري، الذي ينتمي إليه كل مفجري الثورة المجيدة والقائل في أحد مقاطعه: فلتحي الجزائر مثل الهلال، ولتحي فيها العربية "ويجسد شعاره الخالد المطبوع على بطاقات انخراط كل المناضلين في كافة أنحاء الوطن، وهو" الجزائر وطننا، الإسلام ديننا والعربية لغتنا "وهو الشعار ذاته الذي كانت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين قد وضعته عند تأسيسها سنة 1931 غداة أحياء الذكرى المئوية للاحتلال والذي رفع فيه المحتلون نَعْشًا يرمز إلى موت الإسلام ولغة القرآن في الجزائر يومها والى الابد كما كانوا يظنون ويخططون!!؟

ولكن لم تنقض سنة بعد هذا الحدث الأليم يصدح صوت أمام جهاد الجزائر الروحي والإصلاحي والثقافي والهوياتي بقوله الخالد:

شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب..
من قال حاد عن أصله أو قال مات فقد كذب...
أو رام إدماج له رام المحال من الطلب...
يانشأ أنت رجاؤنا وبك الصباح قد اقترب...
خذ للحياة سلاحها وخض الخطوب ولا تهب...
واهزز نفوس الجامدين فمنهم كل العطب...

إلى أن يقول:

وإذا هلكت فصيحتي تحيا الجزائر والعرب!!

ويتبين من روح البيان النوفمبري أن الجزائر لم تخرج عن هذا الخط الباديسي على الإطلاق وإن انهزمت عسكريا بعد وقوعها تحت الاحتلال سنة 1830 فإنها لم ترضخ أبدا ولم تستسلم قط لإرادة المحتل، ولم تتخل عن روحها الوطنية الأصيلة، ولم ترض بالاندماج في الكيان الأجنبي الدخيل!؟

وطوال 132 سنة لم تعرف المقاومة الشعبية معنى الراحة بدليل مئات الجماجم الشاهدة على ذلك في المتاحف الفرنسية حتى هذه اللحظة!!!

بعد أن كان الشعب المغاربي الموحد اللسان لعدة قرون يعلم أورويا كلها في حواضره العلمية في قرطبة وفاس والقيروان وبجاية وتلمسان كل أنواع العلوم العصرية بالعربية وحدها (حتى في جامعة السوربون) ولعدة قرون أصبح الآن يدرس العلوم في المدارس والجامعات المغاربية بـ (جريمة الحرب الفرنسية) وينصبها سيدة على لغته الوطنية ويسلمها مفاتيح الدار والمصير والتبعية الثقافية والسيادية المذلة والمخزية أحيانا بين كل الشعوب العربية المشرقية!!
وقد سارت هذه المقاومة في خطين متوازيين (ثقافي هوياتي وسياسي جهادي) دون هوادة أو انقطاع إلى توقيف القتال والتوقيع على (أوراق الانفصال) وليس السيادة والاستقلال كما يبدو من واقع أصحاب (غنيمة الحرب) والقتال !!؟؟

وللرد على هؤلاء الشواذ عقليا والمرضى نفسيا والخونة وطنيا وقد حكمت عليهم الثورة بالإعدام في أول مؤتمر لقيادتها سنة 1956، نقول:

1 ـ  إذا كان المهزوم في الحرب المذكورة هو فرنسا، والمنتصر هو الشعب العربي المسلم في هذه البلاد كما يبدو من ظاهر الطرح، فهل هذه الشعوب المغاربية الثلاثة تونس والمغرب 1953 ثم الجزائر بعد ذلك سنة 1954 قد فجرت ثوراتها التحريرية من أجل استرجاع استقلالها وسيادتها ومقومات شخصيتها الوطنية (كما أسلفنا) والتي قضى العدو كل حياته في محاولة استئصالها من الجذور باعتبارها أرضا فرنسية (أو تحت الحماية الفرنسية) ليتم له تسوية سكانها بسكان فرنسا، وصيانة وحدتها الترابية (من دانكيرك إلى تمنراست كما كان يقول...)!؟

فهل تلك الحرب الطاحنة بين الشعب المغاربي (أو الشمال الأفريقي) العربي اللسان المسلم الوجدان وفرنسا المحتلة قامت من أجل الاستقلال وتنمية مقومات البقاء لهذا الاستقلال مستقبلا، أم قامت أصلا لمساعدة فرنسا على تحقيق أهدافها في تأصيل لسانها وفرضه على إدارة البلاد والعباد تحت شعار (غنيمة الحرب) المرفوع من عملاء الاستحلال، بعد أن فشلت في ذلك طوال وجودها العسكري المباشر أثناء سنوات الاحتلال الأصغر قبل "الاستحلال" الناعم الأخطر الذي هو محور هذا المقال!! فهل أخطأ الشهداء في الاحتلال وإصاب الجنرال دوغول في الاستحلال !؟ فالجواب وجدناه بنصه عند الجنرال ذاته وبقلمه في كتابه (الأمل) كما أسلفنا ذكره قبل حين...!؟

فإذا كان الجواب بالنفي إذن على السؤال السابق فإن الطرح "الغنائمي "لجريمة الحرب يصبح مهزلة ملغاة، وإذا كان الجواب بالإيجاب فيجب أن يقر هؤلاء  المغتنمون"معنا بأن ثورات الشعوب المغاربية (حسب كلام الجنرال دوغول السالف الذكر) كانت ثورة فرنسية ثانية لتوحيد الشعب الفرنسي لغويا مثلما فعل الزعيم (طاليران) ورفقاؤه من قادة الثورة الفرنسية سنة 1789م.!؟

وإذا كان الأمر كذلك فيجب ـ  حتما ـ اعتبار فرنسا هي المنتصرة والشعوب المغاربية المكافحة هي المنهزمة، وبالتالي حق للمنتصر تغيير أو إلغاء بيان الشهداء "الانعزالي" لأن مفجري ثورته (كما يبدو من نصه الصريح السالف الذكر) قاموا ضد فرنسة وتنصير الشعب الوطني المحتل بالحديد والنار من أجل استرجاع مقومات هويته وممارسة سيادته وتأكيد انتمائه القومي والديني (العربي الإسلامي)... كما هو واضح في البيان السالف الذكر والذي حرم منه رسميا بحد السيف والصليب طوال 130 سنة، كما أثبتنا ذلك بنصوص من أفواههم وبأقلامهم، وحينئذ يجب أن يطلق على الفرنسية في المغرب العربي "هزيمة حرب" أو"جريمة حرب" وليست غنيمتها، على الإطلاق إلا في أذهان أهل العمالة والشقاق والنفاق الذين حكمت عليهم الثورة بالإعدام في مؤتمرها الأول المنعقد في قلب الجزائر سنة 1956 كما اسلفنا ثم في طنجة سنة 1958 حتى قبل تقرير المصير وترسيم استقلال الجزاير على الورق سنة 1962!؟

ذلك هو منطق الأشياء في الحالات العادية مثل كل الشعوب السيدة المستقلة بحجة أنه لا يعقل أن يخوض عاقل على وجه الأرض حربا ضارية لأكثر من قرن وثلث القرن ضد عدو جائر، وبعد أن ينتصر عليه كما يقر أصحاب (المنطق الغنائمي) أنفسهم الذين يحتفلون مع الشعب باسترجاع السيادة والاستقلال وينظمون الاستعراضات ويفجرون الألعاب النارية في بعض الساحات!!؟

في الوقت الذي يعتبرون لسان المحتل السابق ورمز سيادته وعامل توحيد شعبه على كامل أرضه يعتبرونه (غنيمة حرب) ذات حظوة في البلاد على العباد إلى درجة أن قسمت الشعب الواحد بعد التحرير وتقرير المصير إلى شعبين بلسانين مختلفين (منكم أمير ومنا أمير..)!؟

وبعد أن كان الشعب المغاربي الموحد اللسان لعدة قرون يعلم أورويا كلها في حواضره العلمية في قرطبة وفاس والقيروان وبجاية وتلمسان كل أنواع العلوم العصرية بالعربية وحدها (حتى في جامعة السوربون) ولعدة قرون أصبح الآن يدرس العلوم في المدارس والجامعات المغاربية بـ (جريمة الحرب الفرنسية) وينصبها سيدة على لغته الوطنية ويسلمها مفاتيح الدار والمصير والتبعية الثقافية والسيادية المذلة والمخزية أحيانا بين كل الشعوب العربية المشرقية!!
التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم