كتب

العقل الإسلامي وفكر الاختلاف.. كتاب في تأصيل فلسفة التمايز

ليس هذا الكتاب تأريخا لفلسفة الاختلاف بقدر ما هو سعي إلى تأصيل فكره في تراثنا الإسلامي
ليس هذا الكتاب تأريخا لفلسفة الاختلاف بقدر ما هو سعي إلى تأصيل فكره في تراثنا الإسلامي

الكتاب: شريعة الاختلاف
الكاتب: علي أمليل
الناشر: المركز الثقافي العربي
عدد الصفحات: 162 صفحة

1 ـ الاختلاف اليوم مع مراعاة فارق السياق الإبيستيمولوجي

يبدأ علي أومليل كتابه بإثارة جملة من الإشكاليات جميعها على صلة بفكرة الاختلاف. فيتساءل حول موقف المفكرين المسلمين القدامى من الآخر المختلف وحول كيفية تعاملهم معه فكريا مستقرئا تراثنا الفكري للبحث في مدى حصول التراكم الضروري الذي يشرّع الحديث عن فكر الاختلاف في هذا التراث. ويفصل الكاتب بين نوعين من الاختلاف في تراثنا. الاختلاف داخل المعتقد الواحد. وهذا الوجه يقتضي اشتراك المختلفين في جملة من الثوابت العقائدية وقصر اختلافهم في حيّز الفروع، أي في التأويل الذي ينتج تعدد المعاني ويولد تباينات داخل المذهب الواحد. والتباين مع من يكون خارج دائرة المعتقد فيكون في مستويات متعدّدة منها الثقافي والحضاري والعرقي. ولكن يبقى أخطرها الاختلاف الديني. وما يركز عليه الكاتب هو ذلك الاختلاف خارج دائرة الثوابت بين الأديان.

ولم يكن هذا الآخر المختلف يحظى بالقبول نفسه في المجتمع الإسلامي. فتمتلك معتقدات الكتابيين شرعية الوجود. أما عبدة الأوثان والظواهر فلا شرعية لهم، على المستوى النظري على الأقل. ولا بد من أن نأخذ بعين الاعتبار هنا الاختلاف بين المسلم والمؤمن والمشرك والكافر. فالمؤمن قد يخرجه عن الإسلام الصحيح عامل ما. وكل مسلم مؤمن وأما العكس فغير صحيح. بينما يعدّ مشركا من أشرك مع الله غيره في الخلق فيما ينكر الكافر وجود الله. 

2 ـ الإسلاميون والعقائد الأخرى.. إطار المشروعية

قنن الفقهاء المسلمون العلاقة مع العقائد المخالفة. فسيجوا إسهام أهل الذمة بحدود لا يمكن تجاوزها. فأكدوا حقهم في ممارسة عباداتهم وأوجبوا على الدولة حمايتهم وبالمقابل فرضوا عليهم دفع الجزية ومنعوهم من تشييد معابد جديدة لمقاومة التبشير. ولكن الواقع غير ما يحبّر في الكتب. فيحدث أن يتمّ التشديد عليهم. ولا ينجم ذلك عن خلفيات دينية وإنما تفاعلا مع ظروف سياسية بعينها ومسايرة للمزاج العام الذي يتشكلّ متأثرا بالأحداث هنا أو هناك. ولكن غالبا ما كان التعامل معهم أميل إلى التسامح فلم يتم تنفيذ ما يقرره الفقهاء وسمح لهم بتشييد الكنائس والمعابد. وخوّلت لهم مساحة الحرية التي أتيحت لهم عقد مناظرات مع مخالفيهم من المسلمين. فكتب اليهود والنصارى ليمجدوا دينهم وردّ عليهم المفكرون المسلمون ليبرزوا أن الدين الإسلامي هو الدين الحق: "ومهما كان الجدال حادا في كثير من الأحيان فالمهم أنه وقع. أي أنّ الثقافة الإسلامية تجاوزت بمناظراتها الغنية الحدودَ التي رسمها الفقهاء".

وأفاد غير الكتابيين بدورهم من هامش الحرية هذا. فظهرت كتابات تتخصّص في الملل والنحل فتعرضها بموضوعية. منها خاصة أديان الفرس. فقد أحصى المستشرق غي مونوت (Guy monnot) 160 مؤلفا تبسط عقائدهم وتعرف بها أو ترد عليها. وترسخت أدبيات المجادلة ضمن ما سمي بالمقالات أو كتب الردّ والمناقضة وبرز فيه المعتزلة خاصة. ورغم هذا النشاط الفكري يجد الباحث أن معارف المسلمين بالتيارات الغنوصية تبقى محدودة وغير دقيقة مقارنة بما وصلت إليه الكتابات المسيحية وقتها أو علم الأديان المقارن اليوم. يردّ ذلك إلى تأخر معرفة المسلمين بهذه العقائد الغنوصية. وهي اسم شامل للكثير من العقائد والأديان الشرقية. جادلها المسيحيون الذين عاصروها منذ بداياتها الأولى ثم استحالت إلى عقيدة خاصة تعتنقها النخبة. 

ورغم أنّ المسلمين لم يعرفوها إلا في أزمنتها المتأخرة، انشغل متكلموهم بالمسائل نفسها التي شغلت المسيحيين، من ذلك صلة الله بالعالم. فالأديان الكتابية تعتبره خالق العالم خلقا مباشرا. أما الغنوصيون فيعتقدون أنّ الله هو مثال الخير والعقل. ومن ثمة لا يجوز أن يصدر عنه هذا العالم المليء بالشر والنقص. واستمر هذا الجدال في فروع المذاهب. فاحتدّ بين المانوية، وهي أحد فروع الغنوصية، والمعتزلة. ويردّ دارسو الأديان المقارنة الجدال الحاد الذي دار بينهما إلى نخبوية المذهبين التي خلقت بينهما تنازعا على النفوذ في أجهزة الدولة. فقد غذّته المصالح الخاصة. وفي هذا الإطار ينزلون أثري القاضي عبد الجبار "تثبيت دلائل النبوة" و"المغني في أبواب العدل والتوحيد".

3 ـ أسباب النزول أو "تاريخ فوق التاريخ"

ترتبط النصوص القرآنية بسياقات محدّدة تناولها علماء الإسلام ضمن مبحث أسباب النزول. وترتبط الأحاديث النبوية بظروف بعينها وتدرس ضمن مبحث أسباب الورود. والمبحثان يكشفان وعي العقل الإسلامي بدور السياق في فهم النص وعمله على فحص الدواعي التي أدت إلى تشريع الأحكام. ومن شأن هذا الوعي أن يفتح على جدل الثابت والمتحوّل وعلى ثنائية التاريخي والمتعالي. ومن شأنه أيضا أن يجعل المشرّع في حالة تفاعل مستمر مع النص يسائله بما يضمن تحقيق المقاصد العليا للشرع. ولكن العقل الإسلامي قرّر أن يتوقف في منتصف الطريق. 

ففي مآل مخالف للمصادرات قدّر أنّ الأحكام المرتبطة بالتاريخي والناشئة عن أسباب قائمة في السياق الظرفي لا يمكن أن تكون ظرفية وأن أسباب الخاصة والقائمة في التاريخ تحمل أجوبة نهائية مغلقة تتعالى على التاريخ. وسيج المبحث بالقاعدة التالية: "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب". وهكذا جعلت هذه المقاربة أسئلة الراهن التي تندرج في سياق مستجد تواجه باستمرار بأجوبة عن أسئلة تنزّل في سياقات معرفية وحضارية واقتصادية مغايرة. ويقول أمليل: "لقد فتح البحث في أسباب النزول إمكانيات ممتازة لتجديد معنى النص، وبالتالي لتجديد التشريع، لو لم يضعوا كل تلك التحفظات والقيود التي ألغت كل اعتبار للتاريخ، فجعلوا هذه الأسباب موقوفة والأسئلة مقفلة".

4 ـ تأويل النص والاختلاف فيه

يطرح ضمن بحثه للاختلاف في مختلف المواقف من تأويل النص القرآني. فالمنطق يقول بما أن القرآن واحد وغير مختلف فيه فلماذا الاختلاف في فهمه؟ ويبني انطلاقا من هذه الأسئلة مصادراته ويقدّر أنّ الاختلاف حول فهم النص  يمثل خلافا معه. ولا تخفى المغالطة في هذا المسار الاستدلالي. فرأي الآخر يتضمن في الحقيقة خلافا مع فهمهم هم لهذا النص. وموقف الغزالي من خلل البرهنة في هذا المسار بيّن. يقول: "ليس المراد اختلاف الناس فيه [أي القرآن] بل نفي الاختلاف عن ذات القرآن". بمعنى أنّ الاختلاف حول القرآن لا يعني اشتمال النص ذاته على دلالات متناقضة تحول دون أن يكون "واحدا وغير مختلف"، وإنما هو اختلاف الأفهام والتقديرات. فيتوقّع الاختلاف في فهمه ويشرّعه.

والموقف نفسه يذهب إليه ابن قتيبة في "تأويل مختلف الحديث". فيرى أنّ صاحب الرأي الرافض للاختلاف يرى أنّ المختلفين معه هم من اتبعوا الباطل وأنّ الحق في صفه ولكن الله أوجد الاختلاف حتى "تكمل الحكمة والقدرة.. بخلق الشيء وضده ليعرف كل واحد منهما صاحبه".

ويتخذ الموقف من الاختلاف صيغة مختلفة عند بعض الشيعة. فيغالي في رفضه على نحو متطرّف يقصي النص القرآني ذاته ويعوّضه بالبشري. ويستند الكاتب هنا إلى القاضي النعمان بن محمد على عهد الدولة الفاطمية، وهو شيعي إسماعيلي كان يرى أنّ الدين قد اكتمل وقد اكتمل العلم به وأن الله انتخب الإمام المعصوم وليّا له. فهو وحده دون سائر البشر صاحب العلم الكامل به وهو الوحيد الوريث له. ومن ثمة يحرّم على عموم المسلمين أن يستنبطوا مباشرة من القرآن والسنة. فالاختلاف فيه أنهاه الإجماع الذي هو رأي صاحب العلم.

5 ـ الموريسكيون أو الفكر المحاصر

تمنحنا وضعية الموريسكيين في الأندلس بعد حرب الاسترداد صورة مغايرة لهذا الآخر المختلف الكائن في الأطراف فيما يكون المسلم في المركز والتي نجدها في كتب الفقهاء وروايات الرحالة وكتب الجغرافيين. فبوجود المسلمين تحت سلطان آخر ستنقلب المعادلة ويصبح المسلمون ذميين أي الكائنين تحت ذمة سلطان آخر. وهنا أيضا سنجد مسافة بين العمل التنظيري الذي يتعهّده الفقهاء والواقع. فيرى الونشريسي في "المعيار المعرب في فتاوي أهل الأندلس والمغرب" أنّ المسلم مخيّر في هذه الحالة بين خيارين: الجهاد أو الهجرة لأن المساكنة بين المسلمين وغيرهم لا تُقبل إلاّ إذا كان المسلمون في المركز من السلطة لا من الذميين بل إنّ "مساكنة الكفار من غير أهل الذمة والصغار [فإنها] لا تجوز ولا تباح ساعة من النهار".

 

التعددية ليست غاية في حد ذاتها، لأن الطائفية والقبلية اللتين تعيقان المجتمعات العربية اليوم شكل من أشكال التعدد. ولذلك لا بدّ أن تكون هذه المطالب مشروطة بالتوافق على مشروع مجتمعي يجعل الديمقراطية وسيلة لإدارة التعدد بواسطة مؤسسات متعاقد عليها

 



ويسرد شيئا من الفظاعات التي تعرّضوا لها ممّا تحفل بها كتب التاريخ كتلك المآسي التي تعرضوا لها بسبب محاكم التفتيش والقسوة التي عاملهم بها المسيحيون لإدماجهم في الديانة المسيحية. فوضعوا لهم المصنفات بالعربية لتعليمهم أصول ديانتهم الجديدة وفرض عليهم الزواج في الكنيسة وأجبروا على تعميد أطفالهم وأجريت لهم الاختبارات العلنية للتأكد من سلامة تدينهم. وكانوا يوضعون باستمرار أمام امتحاني أكل لحم الخنزير وشرب الخمر وأحرقت كتبهم ومصاحفهم. وأضحوا عرضة للمكائد. فكان يكفي التبليغ عن الواحد منهم بأنه ما زال يحتفظ بإسلامه ليتخلص منه خصمه. وافتقدوا للأمن بين أزواجهم وأبنائهم.

ولجأوا إلى التهجير بعد فشل محاولات إدماجهم. ولكن شرط أن يتخلوا عن أموالهم من ذهب وفضة وسلع أساسية وشرط أن يركبوا البحر وألاّ يسافروا عبر المسالك البرية وألا يصطحبوا معهم أبناءهم دون الرابعة عشرة وبناتهم دون الثانية عشرة. ولكن كان على الموريسكيين أن يتعاملوا مع الواقع حفاظا عن ذاتهم الثقافية. فليقوُوا عزائمهم وليحافظوا على الأمل صنعوا مخيالا فيه جفر ينبئهم بمستقبل موعود وانتحلوا إنجيلا سمي بإنجيل برنبا انتشر بينهم وشاع في بلدان المغرب الكبير التي هاجروا إليها وكان يؤكد العقيدة الإسلامية في التوحيد وينفي ألوهية عيسى ويتبأ بمجيء رسول لإسلام محمّد. ودار حوله جدال في مجلة الهلال التي أسسها حورجي زيدان وفي مجلة المنار التي أنشأها محمد رشيد رضا أحد أقطاب السلفية. فكانت تلك الحيل وجها مبتكرا لمجادلة الآخر المختلف.

6 ـ عين على الاختلاف في زمننا الرّاهن 

ليس هذا الكتاب تأريخا لفلسفة الاختلاف بقدر ما هو سعي إلى تأصيل فكره في تراثنا الإسلامي وبحث عن التراكم الضروري الذي يشرّع لنا أن ننسبه اليوم إليه، رغم ما يبرز فيه من انتقاء للعينات وتوجيهها لخدمة تصوّره. ولا يخفي الكاتب سعيه هذا. فيصرّح بأنه يجري بحثه ضمن أفق يتقصّد وغرس فكرة القبول بالآخر المختلف ضمن تصوّر إسلامي في سياق حضاري معاصر يجعل من الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان مطالب أساسية. 

ولا يمكن للمجتمعات أن تنهض إلا بتحقّق هذا المطالب مجتمعة. فالتعددية ليست غاية في حد ذاتها، لأن الطائفية والقبلية اللتين تعيقان المجتمعات العربية اليوم شكل من أشكال التعدد. ولذلك لا بدّ أن تكون هذه المطالب مشروطة بالتوافق على مشروع مجتمعي يجعل الديمقراطية وسيلة لإدارة التعدد بواسطة مؤسسات متعاقد عليها. فـ"الاختلاف" يقول أمليل "هو الشرط الأولي لتأسيس تقاليد الحوار، ولقيام المشروع الاجتماعي المبني على الوفاق العام بين أطراف متعددة، مع ضمان حرية الرأي والتنظيم والمشاركة. وهو أساس النظام الديمقراطي الذي هو في حقيقته نظام تعددي يسعى باستمرار إلى التوصل إلى وفاقات عامة أو الحفاظ عليها". 

وهذه العناصر أساسا للديمقراطية التمثيلية ـ أو الشكلية من منظور مناهضيها. فـ"كثير من النظم تطعن في الديمقراطية الشكلية وسمت نفسها ديمقراطية مباشرة أو شعبية لتخفي وراء هذه الشعارات أشكالا من الاستبداد العصري.. ويبقى مقياس الديمقراطية في مدى احترام أي نظام يدّعيها لكرامة مواطنيه ومشاركتهم الحرة والفعلية في الشؤون العامة".


التعليقات (0)