قضايا وآراء

العرب والدروس الأوكرانية

أحمد موفق زيدان
1300x600
1300x600
ثمة دروس مهمة للعرب والثورات العربية من الحرب الأوكرانية، تفرض على الكتاب والمحللين والمفكرين ملاحظتها ومراقبتها وتدوينها، ونقلها للقارئ العربي، لعله يستفيد منها في معركة التحرر العربي.

فقد أتى تشكيل الفيلق الأجنبي على جناح السرعة وبدعم وتوجيه وإدارة من رؤوساء حكومات ووزراء خارجية غربيين لينسف كل السرديات التي قامت عليها انتقادات الغرب ومؤيديه في العالم العربي والإسلامي، تجاه ظاهرة الأفغان العرب وأمثالها. فالأفغان العرب استأثروا باهتمام عربي وغربي كبيرين، نقداً ورفضاً لتلك الظاهرة، ونرى اليوم تهليلاً وترحيباً بظاهرة الفيلق الأجنبي في أوكرانيا، وحتى بعمليات انتحارية يقوم بها بعضهم. وعلى الرغم من أنها ظاهرة حصلت في أجواء عربية ودولية لقيت ترحيباً ودعماً يومها، لكن مع هذا بدأ الكل يهاجمها ويعتبر الأممية الإسلامية في الدفاع عن المظلومين والوقوف بوجه الظالمين خطر على العالم، وهو ما ظهر عكسه بدعمهم لظاهرة الفيلق الأجنبي.

اليوم نرى تشكيل الفيلق الاجنبي، والذي يشارك في الحرب الأوكرانية وعلى الهواء مباشرة، مما يحسن بنا كعرب ومسلمين أن نستفيد من هذه الظاهرة في شرعنة ظواهرنا. فلماذا المليشيات الطائفية عابرة للحدود، ولها الحق في كسر حدود وحواجز الدولة الوطنية؟ ولماذا يحق للفيلق الأجنبي كسر أطر وحدود الدولة الوطنية؟

والأغرب أن يظل علمانيو الدول العربية والإسلامية يعزفون على نفس السيمفونية القديمة، ومصرين على الكيل بمكيالين ومستخدمين معايير مزدوجة في التعاطي مع ظاهرة الأفغان العرب، أو الأممية الإسلامية، وظاهرة الفيلق الأجنبي، أو المليشيات الطائفية.

ولعل قائلا يقول بأن هذا الفيلق لم يدع لخلافة ولا لتشكيل إمبراطورية، ولم يمارس قتلاً وهجمات على مصالح غربية، وهنا يمكن الردّ على ذلك من عدة زوايا: فالهجمات التي شُنت على الغرب إن كان في الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر أو غيره، رغم أنها غير مبررة، ولكن لم تحصل إلاّ بعد أكثر من عقدين على نفرة هؤلاء الشباب للقتال في أفغانستان، وبالتالي ما الذي سيضمن لنا هدوء وسكون الفيلق الأجنبي بعد عشرين عاماً من تأسيسه اليوم في أوكرانيا؟ ومن الذي سيضمن لنا عدم قيامه بنشاطات وعمليات مماثلة لما قامت به القاعدة أو داعش بعد عشرين أو أكثر من تأسيسهما؟

والأمر الثاني ما حصل في الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر -بغض النظر ثانية عن رفضنا له- فإنه حصل بعد أن سعى الغرب محموماً لحرمان المجاهدين من ثمرة النصر في أفغانتسان، وحتى امتدّ ذلك لمعاقبة باكستان من خلال فرض قانون بريسلر عام 1991، الذي فرض على باكستان عقوبات اقتصادية وعسكرية مشددة، فضلاً عما يدور من شكوك أمريكية وغربية في تصفية الرئيس ضياء الحق وجنرالاته كعقوبة على خروجهم عن النص، وخشيتهم من حصول كونفيدرالية باكستانية- أفغانية تهدد مصالح الغرب على يديه.

أما الأمر الثالث والأخير فهو الصمت الأمريكي المطبق على المليشيات الطائفية المدعومة إيرانياً، والتي تتحرك كاسرة كل أطر وحدود الدولة الوطنية من صنعاء إلى العراق وسوريا ولبنان دون أن يعترض عليها أحد، بينما يطارد أي شخص يهبُّ في نفس هذه الدول لمواجهة عصابات طائفية مدعومة من محتلين روس وإيرانيين، ويسمح بالمقابل بمشاركة أجانب مع حزب العمال الكردستاني دون اعتراض أحد.

من الدروس المهمة للثورات العربية هو تأثير مواقع التواصل الاجتماعي وتحديداً التيك توك في الحرب الأوكرانية، والذي أثبت جدارة وتأثيراً كبيرين في الداخل الروسي وتحريك شارعه، مما دفع البيت الأبيض إلى استقبال 20 من روّاد التيك توك، الذين أثّروا في الحرب الأوكرانية.

كما ظهر خلال هذه الحرب فشل الحرب الهجينة أو الحرب غير التقليدية التي طرحها رئيس أركان الجيش الروسي غراسيموف، بحيث يكون للجانب العسكري ربع المشاركة فيها، مع الجانب السيبراني، وكذلك الاقتصادي والحاضنة المجتمعية، حسب توصيفه. ولكن تبين ان الجانب الأوكراني قد قرأ وفهم وطبق العقيدة العسكرية الروسية أكثر من الروس أنفسهم، ولذا رأينا فشل وعجز الروس عن التواصل مع العالم، وانعكس ذلك في الأداء الهزيل للإعلام الروسي، بعد أن أُغلقت معظم الوكالات الروسية غير الرسمية بأوامر من بوتين، وحتى أن مقابلة الرئيس الأوكراني زيلينيسكي الأخيرة مع أربعة صحافيين روس منعت من النشر داخل روسيا.

يأتي انشغال الروس بالحرب في أوكرانيا، وبالمواجهة مع الغرب كله، ليؤكد أن روسيا لن تخرج سليمة من هذه المعركة، وحتى لو تم التوصل لاتفاق سلمي قريب مع أوكرانيا، إلاّ أن العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، بالإضافة إلى هروب الأوليغارشية برؤوس أموالها من موسكو، سيظل شبحاً يطارد الروس وسمعتهم، بالإضافة إلى تشويه سمعتها وتظهيرها كدولة مارقة، خصوصاً بعد الهجوم الشرس الذي شنه الرئيس الأمريكي جو بايدن على الرئيس الروسي واصفاً إياه بمجرم حرب وجزار. كل ذلك سيزيد من صعوبة التعافي الروسي السريع، وستظل تدفع موسكو ثمنه من رصيد مجالاتها المختلفة.

تجرؤ أذربيجان على خرق اتفاق قره باغ وإطلاق أربع مسيرات لضرب مواقع أرمنية موالية لروسيا، يؤكد أن صورة موسكو لم تعد كالسابق، وزاد الجرأة هذه تصريح لنائب وزير الخارجية الإيراني من أن النفوذ الروسي يتراجع في المنطقة، وهو ما قد ينعكس سلباً على مناطق وساحات أخرى، وتستطيع من خلاله الثورات العربية أن تستفيد منه بشكل كبير، إن كان في ليبيا أو في سوريا، ولكن مع التنبه والحذر من سرعة التحرك، فهذه الحرب كما قال عنها عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا يصلح لها إلاّ الرجل المكيث".
التعليقات (0)