كتاب عربي 21

لماذا يبدو تحالف بهذه القوة ضعيفاً إلى هذا الحد في اليمن؟!

ياسين التميمي
1300x600
1300x600
أثار اهتمامي بعض التقارير والتحليلات والكتابات الصحفية ومعظمها لكتاب بارزين قريبين إلى حد ما من وجهة نظر الإمارات والسعودية ومقارباتهما الجيوسياسية لمشاكل وقضايا المنطقة، وتتناول هذه الكتابات بشكل خاص مأزق العلاقة الحالي بين رجلي أبو ظبي والرياض القويين اللذين أمسكا بزمام السلطة، ولم يحتلا بعدُ رسمياً الموقع الأول في قيادة الدولتين.

تذهب بعض هذه التقارير والكتابات إلى حد تسفيه الرئيس الأمريكي جو بايدن وتصفه بالحماقة، والفوضى الذهنية، وبأنه أطرش، لم تقل بعد إنه "نائم" كما يصفه سلفه وخصمه اللدود دونالد ترامب.. كل ذلك لأن بايدن لا يلقي بالاً لخطورة الحوثيين على حلفائه التاريخيين في المنطقة، فيما يمكن أن نسقط التوصيفات نفسها على سلوك قادة هاتين الدولتين الذين أسهموا في بلوغ الحوثيين هذه المكانة العسكرية المهددة لوجودهم؛ جراء انتهاجهم الحرب التي اعتمدوها في بلدنا طيلة هذه السنوات.

لذا فإن أكثر ما يثير الاهتمام في محتوى الكتابات أنها فيما تُغَيِّبُ اليمنَ كدولةٍ وشعب عن المعادلة، فإنها ترى في المواجهة مع جماعة الحوثي أحد المؤشرات الأساسية للحكم على عافية العلاقة بين الإدارة الأمريكية الحالية وبين كل من أبو ظبي والرياض، وإن كانت الحرب ضد الحوثيين تعبر عن مأزق الرياض بصورة أكبر وتكاد بالفعل أن تتحول إلى مأزق وجودي، ومعه ترى الرياض أن إدارة الرئيس بايدن تتخلى عن شراكتها الطويلة الأمد مع السعودية وتعيد ترتيب علاقاتها مع الدور المدمر لإيران في المنطقة.
تُغَيِّبُ اليمنَ كدولةٍ وشعب عن المعادلة، فإنها ترى في المواجهة مع جماعة الحوثي أحد المؤشرات الأساسية للحكم على عافية العلاقة بين الإدارة الأمريكية الحالية وبين كل من أبو ظبي والرياض، وإن كانت الحرب ضد الحوثيين تعبر عن مأزق الرياض بصورة أكبر وتكاد بالفعل أن تتحول إلى مأزق وجودي

وللأسف، لا يجري الربط بشكل أخلاقي، في معظم التصريحات الرسمية الصادرة عن البلدين والكتابات المتصلة بأجندتهما، بين جرائم الحوثيين العابرة للحدود وبين المشكلة الجوهرية التي تكمن في سيطرتهم على عاصمة اليمن ومقدرات الدولة، وعلى الكتلة السكانية الأكبر، وهي العوامل التي تكرس من دور الحوثيين وتكاد تحول اليمن إلى منصة منيعة لاستهداف المنطقة.

وفي المقابل يجري الاشتغال في وضح النهار على أجندة ترمي إلى منح السعودية والإمارات صلاحيات مفتوحة للتعامل مع الأزمة والحرب في اليمن، بذريعة مواجهة الحوثي المدعوم من إيران، فيما تبرز الأولويات الميدانية لهذه الحرب المفتوحة في التوجه نحو إعادة إحياء الدولة السابقة "التابعة" التي أسسها صالح تحت أنظار "اللجنة الخاصة" للاستخبارات السعودية، واستحداث أدوات سياسية تتكامل مع هذا المخطط، وهو استثمار مكلف للغاية لأنه يهدم مبنى الثقة الهش أصلاً، القائم بين اليمنيين وهذا التحالف، قيمةً قيمة ولبنةً لبنة.

وهو كذلك يعد بكوارث مشتركة، لأنه يستسهل التآمر على حلفاء أقوياء وشديدي الولاء للتحالف، وحريصين على الدولة اليمنية، ورافضين بقوة للنفوذ الإيراني، ولا يلقي بالاً إلى الكلف الباهظة التي يتكبدها اليمنيون جراء هذا التوجه الفوضوي، ويتكبدها التحالف نفسه كل يوم جراء استفحال العدو المشترك وتنامي قدرته على إيقاع الضرر البالغ في المنشآت الحيوية للدولتين، عبر هجمات عابرة للحدود كان آخرها الهجوم على منشأة تكرير النفط العملاقة جنوب الرياض الجمعة، أخذاً بعين الاعتبار أن منفذ الهجوم ليس بالضرورة هم الحوثيون.
لا نحتاج إلى ذكاء استثنائي لنصل إلى استكشاف هدف الحوثيين أو من قام نيابة عنهم باستهداف المنشأة النفطية جنوب العاصمة السعودية، فالأمر يأخذ أبعاداً إقليميةً ودوليةً، ويرتبط بصورة وثيقة بالصراع في أوكرانيا، وبرغبة الولايات المتحدة في تحييد النفط الروسي، عبر الحصول على تعويض للسوق الدولية من المنتجين العالميين الكبار تتقدمهم السعودية

لا نحتاج إلى ذكاء استثنائي لنصل إلى استكشاف هدف الحوثيين أو من قام نيابة عنهم باستهداف المنشأة النفطية جنوب العاصمة السعودية، فالأمر يأخذ أبعاداً إقليميةً ودوليةً، ويرتبط بصورة وثيقة بالصراع في أوكرانيا، وبرغبة الولايات المتحدة في تحييد النفط الروسي، عبر الحصول على تعويض للسوق الدولية من المنتجين العالميين الكبار تتقدمهم السعودية. وهجوم كهذا يرمي إلى التقييد من خيارات السعودية في استخدام سلاح النفط لإعادة ترميم تحالفاتها المتهتكة مع واشنطن والتأثير في السوق الدولية.

لطالما تعامل التحالف باستعلاء مع المعسكر الواسع الذي تحمس لتدخله العسكري في اليمن، مستغلاً الشخصية الموتورة للرئيس الذي هرب مرتين من العاصمة صنعاء ومن العاصمة المؤقتة عدن، وقرر أن يمارس هواياته الرئاسية البائسة من الرياض عبر قرارات تهدم في مبنى الدولة اليمنية وفي عزيمة وبأس اليمنيين؛ أكثر مما تحدث المؤامرات والطائرات والقناصة والمشاريع التخريبية، الطائفية والمناطقية.

والنتيجة أنه يقع في المأزق ذاته الذي يعيشه كرام اليمن من المناضلين والمقاتلين والسياسيين والمفكرين والمهتمين بالشأن العام، والقطاع العريض والواسع من الشعب اليمني، الذي انسد أمامه أفق الحركة بسبب طغيان التحالف وجبروته واستهانته بتضحيات هذا الشعب، وعدم اكتراثه ببؤسهم ومعاناتهم، واستعداده المنفلت لعمل أي شيء يمكن أن يحررهم من مأزق الحصار السياسي والمعنوي الذي تمارسه الإدارة الديمقراطية وتيار اليسار الأمريكي.

twitter.com/yaseentamimi68
التعليقات (1)
الكاتب المقدام
الأحد، 13-03-2022 05:03 م
*** كاتب المقال صحفي يمني مخضرم، وخدم خلال حياته المهنية في مناصب إعلامية رسمية في اليمن لعقود طويلة، ويتوقع ممن كان مثله في خبرته المهنية وانتماءه الوطني، أن يرد الجميل لبلاده وشعبه، بأن يكون حريصاُ على طرح الحلول التوافقية والعملية التي تساعد في الخروج من الأزمة اليمنية المستفحلة التي استمرت لسنوات، والتي طالت آثارها المدمرة الشعب اليمني بجميع طوائفه، الذي يعيش في ظل مأساة إنسانية، هزت الضمير العالمي فضلاُ عن الضمير الإسلامي والعربي، وفي الأساس اليمني الأكثر معرفة بطبيعة المأساة اليمنية ومدى المعاناة منها، التي لم تعد تقبل الاستمرار في تجاهل مواجهة الوقائع، ولم تعد تتحمل اللف والدوران واللعب على كل الحبال تحقيقاُ لمصالح شخصية رخيصة، وأنه بعد سبع سنوات من معركة السعودية والإمارات في اليمن، ارتكب فيها جنود البلدين جرائم حرب ضد الإنسانية في حق المواطنين اليمنيين، قد بات واضحاُ للجميع بأنها لا تهدف لمصلحة الشعب اليمني، كما لن تحقق في الأمد القصير أو الطويل أي مصالح وطنية أو استراتيجية للشعبين السعودي والإماراتي نفسيهما، وأن تلك الحرب العبثية لا تعكس إلا الطموحات المريضة لابن زايد وبن سلمان، في اطماعهما لمد نفوذهما الشخصي وبسط سلطتهما على كافة أرجاء اليمن لاستغلال موقعه الاستراتيجي الهام، بالوصول إلى وضع أيديهم على موانئ اليمن وكافة أراضيه، ولتحقيق اطماعهم فهم قد جندوا زمرة من الساسة اليمنيين العملاء الذين شاخوا في مناصبهم، ولهم باع طويل في خدمة مصالحهم الخاصة، حتى ولو كان تحقيق تلك المصالح على جثث أبناء شعبهم، والكاتب يعلم أكثر من غيره أن الحوثيين هم حزب سياسي يمني أصيل، ويمثلون طائفة عريقة من الشعب اليمني، وأن محاولات سحقهم واستئصالهم وشيطنتهم ستبوء بالفشل، وستنقلب محاولات الاستئصال تلك على الساعين إليها، وأن المصالحة الوطنية والمشاركة في بناء اليمن قد باتت ضرورة لا تحتمل التأجيل، والعمالة لجهات خارجية لن تفيد أصحابها، والله أعلم بعباده.