قضايا وآراء

استهداف الغنوشي.. ضَربٌ لرمز الاعتدال

بحري العرفاوي
1300x600
1300x600
يُعتبر الأستاذ راشد الغنوشي من أبرز الشخصيات الإسلامية المعتدلة فكرا وسياسة وممارسة، وهو يتجاوز صفته كونه رئيس حركة النهضة التونسية ذات المرجعية الإسلامية، ليكون رمزا عالميا معاصرا من رموز الفكر الإسلامي "الحيوي"، حيث يجمع بين جذور الانتماء وحركة العصر ونداءات المستقبل دون تعصب أو تردد.

يقود الغنوشي مع رفاقه في الحركة تجربة سياسية فريدة في البلاد العربية، تجربة المزاوجة بين الإسلام بما هو عقيدة الشعب وبما هو فلسفة حياة؛ وبين الديمقراطية بما هي نظرية في الحكم دخيلة على ثقافتنا العربية الإسلامية.

ولعل حركة النهضة نجحت حيث فشل غيرها في تأكيد أن الشعب العربي المسلم يمكنه ممارسة الديمقراطية وتمثلها؛ مؤسساتٍ ودستورا وآلياتِ احتكام وفصل خلافات.
استهداف الرجل من قبل قوى خارجية وداخلية لا يعود إلى كونه يمثل تهديدا للحريات وللمدنية، وإنما في الحقيقة لأن نجاح تجربته السياسية ستغري شعوبا أخرى بالثورة على حكامها ممن لا علاقة لهم بالديمقراطية والمدنية والحريات

استهداف الرجل من قبل قوى خارجية وداخلية لا يعود إلى كونه يمثل تهديدا للحريات وللمدنية، وإنما في الحقيقة لأن نجاح تجربته السياسية ستغري شعوبا أخرى بالثورة على حكامها ممن لا علاقة لهم بالديمقراطية والمدنية والحريات.

الرجل يعتمد في تجربته على الصبر، ويراهن على وعي الناس ولا يُبدي استعجالا على "التمكن" من السلطة كما يدعي خصومه، بل يعنيه أن تكون ثمة حريات وثمة مؤسسات مدنية يحتكم إليها التونسيون في فض خلافاتهم وإدارة شؤون حياتهم، وقد شهد له التاريخ بذلك في عدة مناسبات، وشهد له كثير من خصومه بأنه رجل دولة.

ففي شهر رمضان من سنة 2013 وإثر عمليتين إجراميتين بشعتين؛ الأولى اغتيال النائب محمد البراهمي في ذكرى عيد الجمهورية يوم 25 تموز/ يوليو، والثانية ما تعرض له ثمانية من عناصر جيشنا الوطني يوم 29 تموز/ يوليو من قتل وذبح وتشويه بمنطقة التلة من جبل الشعانبي شمال البلاد، شهدت تونس حالة من الانشطار لم تشهدها من قبل، حتى أيام الانقسام البورقيبي/ اليوسفي، نظرا لحدة التوتر الإقليمي وتسارع الوقائع والفواجع.. المشهد السياسي منقسم إلى فسطاطين بين ساحة باردو حيث اعتصام المعرضة (اعتصام الرحيل) وحيث تُرفع شعارات تحمل الغنوشي شخصيا مسؤولية الجرائم والاغتيالات، وبين حشود القصبة بساحة الحكومة؛ حيث تنادى أنصار الشرعية من كل فجاج البلاد وفي يوم رمضاني ساخن، يُحصّنون حكومة يرونها شرعية ويرون خطرا ماحقا يوشك أن يحيط بالبلاد.

عشرات أو مئات الآلاف الذين كانوا يهتفون للشرعية يوم 3 آب/ أغسطس 2013 في القصبة ويعلنون إصرارهم على مواجهة الانقلابيين ويرسلون شعارات ساخرة هازئة ومتحدية؛ لم ينتبهوا كثيرا إلى مفردات دقيقة في خطاب زعيم حركة النهضة الأستاذ راشد الغنوشي وهو يخطب في الأمواج البشرية ويدعوها إلى أن تردد وراءه شعارات تؤكد على الوحدة الوطنية وعلى وحدة الشعب والأمن والجيش.. كان الزعيم يدرك أن الحرائق الكبرى إنما مُوقدُها عود ثقاب أو عُقب سيجارة وكان يُدرك أن لكل انفجار صاعقا.
لم ينتبهوا كثيرا إلى مفردات دقيقة في خطاب زعيم حركة النهضة الأستاذ راشد الغنوشي وهو يخطب في الأمواج البشرية ويدعوها إلى أن تردد وراءه شعارات تؤكد على الوحدة الوطنية وعلى وحدة الشعب والأمن والجيش.. كان الزعيم يدرك أن الحرائق الكبرى إنما مُوقدُها عود ثقاب

ومن أبرز ما جاء في خطابه يومها من معان:

1- بهذا الحشد العظيم تصنعون تاريخا جديدا لتونس، وتبرهنون على أن الثورة التونسية متجددة ولم تمت.

2- جئنا اليوم لنلقي التحية على أبطال جيشنا التونسي، التحية لأبطال جيشنا، التحية لوزارة الدفاع، والرحمة والغفران لشهدائنا الأبرار.

3- جئنا لنؤكد على أن شعبنا موحد وهو لا يزال مستيقظا وحارسا للثورة وهو سد منيع في وجه الانقلابيين، وستفشل كل محاولاتهم الانقلابية.

4- صدّرنا الثورة إلى مصر، وهم يريدون أن يستوردوا انقلابها وجيشنا الوطني ليس انقلابيا.

5- من مظاهر الانقلاب هي الاغتيالات التي حصلت، فقد أرادوا أن يغتالوا الثورة ببث الفتنة بين أبناء الشعب الواحد.

6- نحن دعاة مصالحة وطنية في هذه البلاد، نريد لتونس أن تتصالح مع نفسها ومع دينها ومع شعبها.

7- إن هؤلاء الانقلابيين هاربون من الاحتكام لصناديق الاقتراع لأنهم جربوها ولم تعطهم الشيء الكثير.

8- نحن مع مصالحة وطنية شاملة، نريد لتونس أن تتصالح مع تاريخها.

9- النهضة حلقة في تاريخ تونس، لذلك نحن نعتز بتاريخ دولة الاستقلال ونعتز بمنجزاتها، ولكن حصلت إخفاقات يجب أن يعتذروا عنها.

10- لسنا مشروع انقلاب ولا حرب أهلية ولا فتنة.. نحن نستنّ بسنة نبينا "و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".. نريد أن نكون في هذه البلاد كالإسمنت يجمع التونسيين.

11- الثورة قامت بسبب الظلم وضد التعذيب، ولكننا نريد أن نطوي هذه الصفحة بلا أحقاد ولا ثأر من أجل الوحدة الوطنية.

12- قدمت حركة النهضة تنازلات من أجل تحقيق التضامن الوطني.

13- أقول لكم: قفوا لثورتكم ولا تتركوا أحدا يسرقها أو يحتويها.

14- نقول للانقلابيين: احذروا أن تنقلبوا على الثورة ففي البلاد حراس لها.

15- لم نأت اليوم لنقول إننا نريد أن نأخذ من هذا الحشد "شرعية"، فهي موجودة والشرعية تؤخذ بصناديق الاقتراع وليس بالحشود.

16- من يريد الوصول إلى السلطة عليه أن يدخل البيوت من أبوابها، والحكومات في الديمقراطية لا تأتي إلا بالانتخابات.

17 نحن لا نتمنى الشر لمعارضينا وإنما نتمنى لهم الخير، فكلهم أبناء تونس.

18- نريد لرجال الأعمال أن تُطلق أيديهم للاستثمار، نريد أن يرفع حجر السفر عنهم.

19- المجلس التأسيسي خط أحمر ونعتبر رئيس الحكومة أيضا خطا أحمر.

20- الحكومة جاءت بإرادة شعبية ديمقراطية ويمكن تغييرها، ولكن نقول لهم ادخلوا البيوت من أبوابها.

21- نحن نمد أيدينا للتفاوض والحوار دفاعا عن وحدتنا الوطنية، نحن نرحب بكل من يريد أن يشارك في السلطة للتسريع في المسار الانتقالي.

22- في نهاية السنة سيكون لتونس دستور يجمع بين الإسلام والديمقراطية إن شاء الله.

23- حركة النهضة انتخبها التونسيون ولهم الحق في أن يبقوها أو أن يخرجوها من السلطة، وسوف نقبل بذلك.

24- هذا الحشد العظيم هو رسالة واضحة للانقلابيين بأنهم لن يمروا، ولن نترك الثورة المضادة تنتصر.

25- بلادنا أحوج ما تكون إلى روح وثقافة العمل: "يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون".

كانت المفاجأة - يومها - كبرى على جماهير النهضة وعلى المعارضين أيضا، حين بدأ خبر يتسربُ بهدوء عن لقاء تاريخي حصل بباريس يوم 15 آب/ أغسطس بين زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي وزعيم نداء تونس الباجي قائد السبسي رحمه الله.

وسواء كانت المبادرة من أحدهما، كما صرح زعيم النداء في إحدى القنوات يوم الأربعاء 28 آب/ أغسطس بأنه هو من بادر بالدعوة للحوار، أو بوساطة رجل أعمال كما نسب السيد سليم الرياحي إلى نفسه، فإن آثار اللقاء كانت جد إيجابية، حيث تنفست البلاد الصعداء وخفتت حدة التحريض، وتقلص جمهور اعتصام الرحيل بسبب عدم حماسة الباجي له، وراجت أخبار عن دور للسبسي في حوار سري بين النهضة ومعارضيها للخروج من الأزمة، بل وتدخل الأمن لاحقا لإزالة الخيام والأسلاك لتتسلل إلى الخطاب السياسي مفردات جديدة من جنس طاولة الحوار، الرباعي الراعي، استقالة الحكومة، خارطة طريق، التوافق حول الدستور وحول رئيس حكومة جديد..

بالتوصيف الوطني، كان ذهاب الغنوشي إلى السبسي مدخلا لمرحلة جديدة جنبت الوطن مآلات سيئة على الجميع، وبالتوصيف السياسي كانت تلك الزيارة اقتحاما شجاعا لخيمة تحالف الخصوم وتحييدا لـ"شيخ التحالف القبلي" وإفلاتا من شبكة العنكبوت.
سيكتشف أنصار الشرعية والنهضويون تحديدا أن سياسةَ دولة ليست بمستوى صياغة نص أو نظرية، ولا بمستوى سياقة سيارة بمجرد الحصول على رخصة سياقة أو تغيير البطاقة الرمادية.. الدولة أسرار وأعماق وتاريخ، وشبكات ومصالح وامتدادات في الداخل والخارج في الماضي والحاضر والمستقبل.. سيكتشفون أنهم لم يكونوا يحكمون فعلا

سيكتشف أنصار الشرعية والنهضويون تحديدا أن سياسةَ دولة ليست بمستوى صياغة نص أو نظرية، ولا بمستوى سياقة سيارة بمجرد الحصول على رخصة سياقة أو تغيير البطاقة الرمادية.. الدولة أسرار وأعماق وتاريخ، وشبكات ومصالح وامتدادات في الداخل والخارج في الماضي والحاضر والمستقبل.. سيكتشفون أنهم لم يكونوا يحكمون فعلا وأن مفاتيح الخزائن كانت مخبأة في "عتبة قديمة" لن يقدروا على تجاوزها ولن يمنعوها من فعل الأفاعيل.. سيكتشفون كم كانت شعارات شباب حماية الثورة بريئة صادقة ولكن بغير "جهاز".

"خلّ بيننا وبينهم يا شيخ".. "دعنا نموت واقفين".. بمثل هذه الشعارات كان يواجَه الشيخ راشد من قِبل بعض الغاضبين من "اللقاء"؛ يعتبرونه تنازلا للأزلام وتخليا عن شعارات الثورة، وتنكرا للاستحقاق الانتخابي، وهروبا من مواجهة النظام القديم.

الشيخ راشد كان كمن يقف بين جدارين يتداعى كل منهما على الآخر فيقاوم حتى لا تنقطع أنفاسه ولا يَخرج من المشهد، وحتى لا يصطدم الجداران فيُهلك بعضهم بعضا.. سيقبل بالتفاوض على خروج آمن لحركته من السلطة وهو يعرف أن الرباعي الراعي للحوار الوطني إنما هو الراعي المدني لمشروع انقلابي قد تكون تداعياته على المستقبل السياسي والأمني للحركة كارثية.. وسيتحمل بمرارة كبيرة إكراهات الإمضاء على نص خارطة طريق يوم 5 تشرين الأول/ أكتوبر 2013، ويتحمل معها عِتابات شديدةً وقاسية من بعض شركائه في قيادة الحركة؛ ممن يرون أن الوفاء للجماهير يقتضي الصمود أمام العواصف ودفع ما يقتضيه النضال والوفاء من ثمن.

twitter.com/bahriarfaoui1
التعليقات (0)