قضايا وآراء

شَارعُ البُؤْسِ، وسَلَّةُ القَشِّ.. ومَدارِجُ الرَّمْل

علي عقلة عرسان
1300x600
1300x600

الشَّارعُ بؤسٌ ممتدٌ من سيف البحر إلى أعماق التِّيه.. مخيفٌ شارعُ بؤسٍ.. يبلَعُ مَن يرتاده.. من يصرخ، يمشي فيه.. يبلعُ دمعَ الناسِ، غضبَ الناسِ، دماءَ القتلى، سَيلَ الناسِ.. يبحرُ فيهم نحوَ الرملِ.. يغيب بجوف الرمل.. وينشفُ عَبرَ الرمل.. صمتاً يغدو الشارع.. رُعباً يُنجبُ رُعباً ويناغيه..

بؤسٌ شارعُ حَيٍّ نسكن فيه.. نَكْرُجُ، نَصخَبُ، نصرُخ، نغضب.. يبقى كِبْرَ الصمتِ.. ونبقي نحنُ الأمَّةَ سلَّةَ قَشٍّ فيه.. سَلَّةُ قَشٍّ فوق كثيبٍ تنثرُه الريحُ مَدارجَ رملٍ يُرَقِّصُها الوقتُ.. يزوبعُها الفكرُ، الماضي، الحُلمُ، الذِّكْرُ.. ترفرف فوق رؤوس النَّخلِ، وتهبط فوقَ تلال الرمل، وتغفو، تصحو.. فوقَ الرمل.  

2
 
قُرْبَ الشطِّ.. بسيف البحر.. جَلسَ الولدُ الغَزَّاويُّ حزيناً يبكي الأهلَ.. يبكي الأمَّ، الأب، الأقران الـ "ماتوا" تحتَ الرَّدم.. البيتَ، المدرسةَ، معلِّمةَ الصفِ، الأُسَرَ الثكلى.. يبكي الأقصى، القدس، وغزَّة.. يشكو الفقدَ، الخذلانَ، العَزْلَ.. الفقرَ، الجوعَ، الرعبَ..

يصيحُ: "القتلُ يعربدُ في الطرقات.. القاتل حرٌ يقتُل.. يفتكُ بالحُرُمات.. فأين الأهل، الناس، العدل، الأُمَّة؟!"..

خمَدَ الصوتُ، هَمَدَ الطفل، وأبحر دمعٌ نحو البحر.. وغاب هناك بلا عنوان.. موجاتٌ جاءتْ أصواتُ الأطفال الأقران.. قواربَ موتٍ جاءت، وجنازاتٌ، وجثامين بلا أَكفان.. أصواتٌ من كل الأركان.. تبكي الأهل، وتشكو الذلَّ، الجوع، الفقر، القهر، الجهل.. وتصرخُ: 

"قتلٌ يا أهلي الخُذلان.. عارٌ يكسو وجه الأمَّة.. عارٌ تحفظه الأزمان.. عارٌ يا أهلي الخُذلان"..

3

غَامَ الجوُّ، وهاجَ البَحرُ، وبكى الغيمُ، المَوجُ، الريح.. اشتدَّ الحزنُ اشتدَّ.. امتدَّ من الإبحار إلى الإرْمال.. 
توكأ طيفي فوق سراب يلمَعُ.. قال:

" يبستُ.. مثلَ القشِّ بحقلٍ محصودٍ صرت.. يبسْتُ.. خضرة قلبي خَلفي، قدَّامي رمضاءُ الوقت، وسيف المَقت.. وقهرٌ أوهى العظم، وأزمن في تكثيف الكبت.. من حولي يصرخ صوت الحق: "انهض.. انهض أو مُت".. 

لم أنهض لكن ما مُت.. فما من موت يسعى نحوي. صوت الوعي انداح يقول: "العُزلةُ موت.. هَوْناً يمضي الوقت.. العُزْلةُ موت. انهض، احلم، واجه، قاوم.. افتح نافذة للشمس.. واشرح صدرك للإيمان.. فنور الله يجلل كون الله، ويغمرُ خلق الله.. ويعلي من شأن الإنسان.. تشرَّب نور الله، وسبح باسم الله، تفتّح وقفة عِزٍّ، نُصرَة حقٍّ، موقفَ عدل.. لا تيأس.. أرحام العزم حبالى..

 

قُرْبَ الشطِّ.. بسيف البحر.. جَلسَ الولدُ الغَزَّاويُّ حزيناً يبكي الأهلَ.. يبكي الأمَّ، الأب، الأقران الـ "ماتوا" تحتَ الرَّدم.. البيتَ، المدرسةَ، معلِّمةَ الصفِ، الأُسَرَ الثكلى.. يبكي الأقصى، القدس، وغزَّة.. يشكو الفقدَ، الخذلانَ، العَزْلَ.. الفقرَ، الجوعَ، الرعبَ..

 


 
كن صيف الحزم.. ففصلُ الصيف عطاء.. جرِّب حرقة شمسَ الوعيِ.. انبذ عتمة قلبٍ تحجب عنك النورَ وتخنق روحك في الفلوات..

القتل يعربدُ في الطرقات.. القاتلُ يَرتعُ، يفتك، يقتل، يبقى سيفاً ما لم يردعه السيف.. والدمُّ يسيل، دمُ الأطفال الرُّضع سال وسال.. مَن يحمى الأطفال، ويرعى الجيل.. يا للعار.. ويا للعار.. أمم لا تحمي الأطفال تنزُّ صديداً.. هذا عار العُري وعريُ العارِ.. إجرامُ العصرِ تَربَّعَ غولاً وسْعَ مدارات الأرض، البلدان، المدن، الدورِ.. صار المُجرم رَبَّاً يُعبَد، صارَ الدارَ، وربَّ الدارِ، ومالك أعناق الأحرار..

فيا للعار.. عار العصر، وعار الخزي، وعُري الضَّعف.. الضَّعفُ حِصار.. الضَّعفُ حِصار.. الضَّعفُ حِصار.."..

4

أومضَ برقٌ، قصفَ رعدٌ.. شعر الطيف الغارق في لألاء الآلِ برعدة جسم بوغِتَ صحواً.. نفضَ الرملَ سراب الوهمَ.. وقال: 
 
"عدْتُ إليَّ.. تَنفّسَ فيَّ الصُّبحُ.. سمعتُ، رأيتُ، عرفت، وعيتُ.. سأدفع عني الذل العار القتل وأبعث ذاتي.. أَنبش صخر الأرضِ وأصنع عزماً يدفع عني، عنَّا الذل ، القهر، القتل.. يحمي الناس، يعيد الذات، الدار، الحق، العدل، ويشفي الداء.. يباساً كنتُ.. وكُنّا.. يُسْلِم كلٌّ منا الآخر للظلم، الخوف، الكابوس، وسيف السفاح البتار.. كنتُ.. وكُنَّا..

بزغَ الفجرُ الآن.. سطعَ الحقُّ، وضُحَ الدربُ.. إنَّا ندفع عنا الخوف، القتل، البؤسَ بوحدة صفٍّ، رؤيا.. أسرع أنت، وأنت، وأنت.. كفُّك كفي، كفي كفُّك.. نحن رفاق الدرب، ذراع الحق، ضياء الوقت.. لا تبعد عينك عن عيني.. لا تبعد وجهك عن وجهي.. لا تبعد خطوك عن خطوي.. أحمي ظهرك، تحمي ظهر.. نحن خيار واحد.. نحن مصير واحد.. اسمع يا بَغْواً في صَدَفة.. اسمع قصة حيٍّ ميتٍ، ميتٍ حي.. لمع البرق، قصف الرعد.. 
 
" وقعَت قربي اليوم حمامة، جرها قط كي يأكلها في ظل شجيرة غار، راقبت المشهد حتى الغاية، حتى آخر نهشة نابٍ.. لم يقشعر بدني، لم يتغير لوني، لم يرتجف جفن، ولم يبلل الدمعُ عيني.. لم أشعر بالقسوة.. لم أحتج.. شعرت بالموت يتربع في أحضاني.. كان الماثل في قلبي مشهدُ موت الناس على دروب الناس، بأيدي الناس، ماتت في نفسي الأنفاس.. ومات الناس.. مزّقني بؤس الناس حتى أَنساني الإحساس.
 
مرَّ بقربي نفَرٌ يمرح يضحك، قالوا: عيد.. نظرْت.. سألت وغابت عني الشبهة: أية أمشاج للعيد؟ أية أشباح للعيد؟ هذا الدَّم يسيل، هذا البؤس يحصد أنفس خلق الله.. الوقت موت.. أية أمشاجٍ للعيد؟! هل هذا أضحى من نوع فيه العيد فريدٌ.. عيدٌ يحصد فيه الأطفالَ الموتُ ضحايا..؟! يا الله.. يا لهذا العيد من عيد.. 
منذ دهر دهير وصور الأعياد هنا معاناة للعباد.. منذ زمن طويل ونحن الجرح والسكين وولاءٌ للحاقدين، تبعٌ لمن يعمق الجرح فينا ويتشهى الأنين.. لا عيد بأرض الخلق، لا عدل، ولا حق.. فكيف يضَّاحك خلقٌ بينما يمعن في القتل خلق.. سألت.. سألت.. سلْتُ أسئلة.. لم يشف توقي لمعرفة وفهم، لم تر عيني إشارة رحمة أو شارة علم، بقي العيد في طرقات الوقت وحيداً، وبقيت التيه يلوب في غَمرات الموت، أبحث عن أجوبة لأسئلة قلبي الباكي، وعيني الدمع، أنوس بين الوعد والوعيد، بين الأضاحي والعيد، وأنزف في كل الأوقات.

5

كلٌ إلى مُنتهى.. يا فَتى.. يشرق الليل ويظلم النهار.. وتبقى في فضاء النفس حاجةٌ لا تُقضى في ليل أو نهار.. كل إلى منتهى يا فتى.. والأمر الأعظم يصغُر.. وعين الوجود لا تضيق. الإنسان ضيّق، وبعض الناس ضيق. أنت الذي يتلاشى في النور.. وأنت الذي يخفيه الظل.. وأنت الباحث في العتمة والظل والنور عن أنت.. لتعرف مَن أنت.. كن أنت.
 
لكن.. من يا ترى يعثر في هذا الوجود على ذاته، من تصفو في عينيه الرؤية؟ كلُّ العيون رَمَد.. كلُّ الألسنة خَرَس، وكلُّ العمران قفر.. ومع هذا لا بد من أمل فلا حياة مع اليأس، ولا بد من أمل كي لا يقتل اليأسُ الحياة.. فكّر في الذَّات.. وفي من أنت.. فلن ينقذك إلا أنت.. لن ينقذك إلا أنت.

يا عين العقل لا تصرفي النظر عن هذا الوجود.. ولا ينقطعنْ عزمُك بعد كل رؤية وبعد كل سقوط.  فبعد كل سجود رحمة، وبعد كل رحمة سجود. يا عين العقل أبصري بعين القلبِ وعين الوقت.. ويا قلب ابصر بالعقل.. فما خُلقنا عبثاً.. ولسنا زبَد الناس.. ولا زبد الوقت. ويا أيها الوجود امنحنا شعاع نور لنرى ذواتنا في كل ما يمزق ذواتنا، وفي كل ما ينتشر امتحانات ومحِناً وقبور من حولنا.

امنحننا الصحوَ.. الصدق.. الرؤية.. رؤية ذواتنا في سقطاتنا، في نزواتنا، في غَشَياتنا.. إن بعض الموت حياة وبعض الحياة موت.. فلنبحث عن الحياة في الموت. اليوم، وأمس، وغداً.. كلها زوايا حادة.. والزمن حِراب مُشرعة في كل اتجاه.. وحربٌ ضروسٌ في كل الأوقات.. مخارز في العيون.. ومخارز هي اليعون.

آه.. من ينتشل مخرزاً من بؤبؤ العين..؟! مَن يريح القلب من سهم مسموم ينسكب فيه موتاً..؟! مَن ينتشل السالك من بئر الوقت، من جوف العتمة وفم الفتنة.. ومِن زحمة خلق في ميدان الرزق..؟! آهٍ.. مَن.. مَن.. ومَن..؟

يا فضاء الأمة الممتدِّ سلَّة قَش ف.. في مدٍّ مِن ماء راكد ولألاء آلٍ وسراب.. أرسل ريحاً تحرك الماء ليصفو.. في مهب الريح.. أرسل نوراً يخترق الظلمة.. أرسل أملاً يخدع السراب.. أرسل عزماً، أملاً، صحواً، قوة..

أهٍ.. آهٍ.. آه.. بلقعٌ تمرح فيه الآه.. لا عينٌ ترى ولا أذن تسمع.. والوقت سُبات.. هذا مقت الأوقات.. يا يومي لا تقتل أمسي كي أحيا لحظةَ صمتٍ ثرثار في ظل الوقت.. المقت.. يا أمسي لا تقتل يومي كي أبصرَ ظلَّ اليوم القادم بين صليل الورق المُصلَت سيفاً، والسيف الصاهل في الدم.. 

يا زمني لا تبذر شَوكاً كي أحصد قمحاً.. لا تفعل.. فالقمح حياة.. والعيش عبادة.. والوقت سيف.. يا زمني.. ارحم.. لا تقتل أنفاس الوقت، الناس.. فلكل وقت طعم .. وكل إلى منتهى.


التعليقات (0)