الذاكرة السياسية

يحيى المتوكل.. هاشمي انشق عن أسرته ودمر القصر الملكي

يحيى المتوكل كان ركنا أساسيا في كل الحكومات الجمهورية التي تلت ثورة سبتمبر 62 في اليمن (عربي21)
يحيى المتوكل كان ركنا أساسيا في كل الحكومات الجمهورية التي تلت ثورة سبتمبر 62 في اليمن (عربي21)

اللواء يحيى المتوكل أحد أبرز ضباط الثورة اليمنية الأحرار ضد الملكية. هاشمي انشق عن أسرته وكان ركنا في كل الحكومات الجمهورية التي تلت الثورة السبتمبرية 1962. ساهم في الانقلاب على المشير عبدالله السلال وفي الإطاحة بحكم القاضي عبد الرحمن الإرياني وكان عضوا في مجلس القيادة في حكم إبراهيم الحمدي وصولا إلى عهد علي عبدالله صالح اذ كان مستشاره الأول ونائبه في الحزب الحاكم. تولى سفارات اليمن في باريس وواشنطن والقاهرة. توفي عام 2003 في حادث سيارة مفجع.

الحلقات الثلاثة التالية من ذاكرة المتوكل مستمدة من مروياته الخاصة لي والتي كان من المفترض أن تصدر في كتاب مستقل عن النخبة السياسية اليمنية لكن المشروع لم يكتمل مع الأسف الشديد لأسباب مختلفة.

 

 

التقيت اللواء يحيى بن محمد المتوكل للمرة الأولى في جلسة خاصة ومطولة على هامش العيد الأول للوحدة اليمنية عام 1991. دعاني إلى الغداء في منزله وقال لي إنه كان من المتابعين عن كثب  لمقالاتي في مجلة "اليوم السابع" التي كنت أعمل فيها حينذاك، وأنه يتمنى أن نكون أصدقاء نتبادل الأفكار والرؤى السياسية حول اليمن وعالمنا العربي، واستدعى نجليه إلى تلك الجلسة، وقال لهما أنني سأكون بمثابة فرد في أسرة المتوكل أدخل إلى المنزل بهذه الصفة وفي أي وقت، فشكرته على ترحيبه ولطفه وبأدلته المشاعر نفسها. تعددت لقاءاتنا في صنعاء وفي بيروت على هامش المؤتمرات والندوات العربية ومازلت أذكر عندما اصطحبته بسيارتي في العاصمة اللبنانية تلبية لدعوة عشاء وندوة مفتوحة، أنه حذرني ثلاث مرات من السرعة ولا أدري إن كان في لا وعيه يخشى من المأساة التي حلت به من بعد.


ذكر لي في تلك الجلسة أنه كان صباح اليوم نفسه في مكتب الرئيس علي عبد الله صالح الذي أبدى إعجابه بقراءتي للتجربة الوحدوية اليمنية. سألني المتوكل عن تلك القراءة فقلت إن من بين الدروس المهمة للوحدة اليمنية هو إثباتها للمرة الأولى، بعد تجربة الانفصال السوري عن مصر عام 1961 ، أن الوحدة العربية ممكنة وليست مستحيلة وأن المثال اليمني يؤكد هذه الإمكانية، وأن الانفصال السوري ليس قدرا. 

وذكرت له أن توحيد اليمن لم يكن مرتبطا بأيديولوجيا الوحدة الكلاسيكية التي نشرها حزب البعث والحركة الناصرية. هذه التجربة لم تعتمد على الحزب الواحد والجيش الحديدي والاندماج القسري والإقليم القاعدة، بل تذهب في الاتجاه المناقض، فهي ناجمه عن اتفاق حزبين ورئيسين، وحدة طوعية تستمد شرعيتها من استفتاء شعبي عام وفرحة عارمة شملت جنوب وشمال اليمن أقله في سنوات الود الأولى، ناهيك عن أن الاندماج فيها لم يكن من "الإقليم القاعدة" الشمالي المفترض وإنما من الجنوب الذي أصر زعيمه علي سالم البيض أن تكون الوحدة اندماجية وليست فيدرالية كما كان يرغب الرئيس الراحل علي عبد الله صالح.

كنت قبل هذه الجلسة قد التقيت اللواء المتوكل في مقيل الشيخ مجاهد أبو شوارب وفي مناسبات بروتوكولية وكانت لقاءات عابرة ومجاملة لكن هذا اللقاء كان رحبا تخلله حديث من القلب حول أشياء كثيرة تتصل بالانقلابات اليمنية السابقة والتجربة السياسية جنوبا وشمالا والأدوار التي لعبها المتوكل في الثورة الجمهورية حتى نهاية الألفية الثانية.
 
كنت ألجأ إلى اللواء المتوكل والدكتور عبد الكريم الأرياني والدكتور عبد العزيز عبد الغني لفهم خلفيات حدث يمني غامض أو موقف طارئ أو قضية يتعذر حلها، فكان من الطبيعي أن يرحب بمشروعي لتقديم هذه الوجوه البارزة من النخبة السياسية اليمنية وغيرها في كتاب مستقل. لكن سوء الحظ قضى بان نعقد جلستين فقط إذ تعذرت الجلسة الثالثة بسبب وفاة نجله أحمد في 14 تشرين الأول (أكتوبر) عام 2002 بطريقة مأساوية فقد توفي في منزل الأسرة أثناء محاولته نجدة عامل كان يصفي المجاري الصحية واختنق بمادة الحمض (الأسيد) التي كان يستخدمها في التنظيف فسمع أحمد صيحاته وبادر إلى نجدته لكنه قضى هو الآخر بالمادة نفسها وكانت يده معلقة على سلم النجدة والأخرى تمسك بقميص العامل.

وتشاء الصدف أيضا أن يقضي اللواء يحيى المتوكل في العام التالي أثناء حادث سير على الطريق بين عدن ولحج في جنوب اليمن، حيث كان بمهمة حزبية إذ شغل منصب نائب الأمين العام للمؤتمر الشعبي العام الحاكم وكان لهذه الحادثة صدى الفاجعة في صنعاء، وقد عبر عنها الشاعر الكبير عبد العزيز المقالح بقصيدة رثاء شهيرة قال فيها:
 
قضى يحيى" فأورق ماء حزني  ...     أسى وانحل في يأسي رجائي 
فتىً حمل البلاد بمقلتيه      ....      وكان إذا دعت نهر العطاء 
وكان إذا اشتكى زمني مجيبًا  ...     وإن هي أظلمت يومًا سنائي 
أأنساه غداة الشعب نادى     ...     من الكهف المسور بالعماء
رأى التلف الذي أردى بلادًا    ...       وأودى بالجياع وبالظماء

ينتمي اللواء الراحل يحيى المتوكل إلى أسرة هاشمية معروفة حكمت اليمن في فترات زمنية مختلفة وتربطه بآل حميد الدين علاقات أسرية غير مباشرة، إذ يلتقي الطرفان عند الإمام القاسم والد الإمام المتوكل على الله إسماعيل الذي حكم اليمن وأجزاء من عمان في القرن السابع عشر وهو أول من وّحد أراضي اليمن، لكن هذا الرابط ما كان حاسما في الانتماء السياسي فقد ثار اللواء يحيى على الحكم الامامي ويعود له الفضل في تدمير قصر الإمام البدر بمدفعيته المنصوبة في مقبرة خزيمة صبيحة الثورة.
 
بيد أن شائعات كثيرة تتحدث في صنعاء عن انتمائه إلى ما يسمى بـ "بيت الهاشميين السري" الذي يجمع شخصيات هاشمية من كل التيارات وأنه هو الذي أقنع الرئيس على عبد الله صالح بدعم "حركة الشباب المؤمن" بقيادة حسين بدرالدين الحوثي الهاشمي أيضا، ناهيك عن اتهامه بترشيح الحوثي للانتخابات. ولعل الاتهام ليس نقيصة فالحوثي كان ينتمي في حينه إلى "المؤتمر الشعبي العام"، وكان المتوكل مكلفا بتقديم المرشحين باسم المؤتمر في حين أن الرئيس صالح لم يتنصل يوما من مشروع دعم "حركة الشباب المؤمن" التي كانت بزعامة محمد عزان قبل أن يصبح الحوثي قائدا لها.

تبقى إشارة إلى أن اللواء المتوكل تولى قيادة الوحدات العسكرية التي سيطرت على مدينة شهارة ومحافظ حجة معقل الهاشميين والنظام الإمامي قبل الثورة، وكان دوره حاسما في الحؤول دون تمركز الإمام البدر في هذه المنطقة كما فعل والده الإمام أحمد من قبل حين أجهض ثورتي 1948 و1957 .

في هذه الحلقة سيحدثنا المتوكل عن نشأته في تلك المدينة وعن ظروفه الاجتماعية القاسية. وسأتدخل للتوضيح فقط ودائما بين قوسين.

 

بطاقة تعريف

أنا يحيى بن محمد المتوكل، ولدت عام 1943 (ثمة من يذكر ان ميلاده كان في العام 1938) في مدينة "شهارة" في محافظة حجة وهي مدينة تاريخية في اليمن تقع على رأس جبل ومنقطعة تقريبا عن العالم ومتخلفة يعمل أبناؤها في الوظائف الرسمية أو في الجيش، والزراعة محدودة ولا شيء فيها يغري بالإقامة المريحة. أسرتي صغيرة بالقياس إلى غيرنا من اليمنيين. لدي أربع إخوة أكبرهم عباس ويعمل مستشارا في وزارة الإدارة المحلية وأحمد وهو سفير في بيروت وأخي الدكتور عبد الرحمن ويعمل في المستشفى الجمهوري في صنعاء.

ليس لدي أخوات ولكن أخوين من أم ثانية أحدهما يعمل في الشرطة والثاني في البنك المركزي. تزوجت عام 1966 بعد الثورة من سيدة من بيت منصور وهي عائلة صنعانية (عائلة هاشمية عريقة وتضم عددا من كبار رجال الدين) وأنجبنا أربعة أطفال.. البنت وإسمها بشرى عمرها 27 عاما وهي متزوجة والولد عمره 25 عاما وهما درسا في الجامعة الأمريكية. الولد يعمل في وزارة النفط والثالث أحمد وعمره 20 سنة ويدرس في جامعة جورجتاون في واشنطن وأصغر أولادي علي وعمره 15 عاما ويدرس في صنعاء. 

بالمقاييس اليمنية تبدو أسرتي صغيرة. كلما زاد الوعي قل الانجاب وقل تعدد الزوجات لان الوعي يحفز الشعور بالمسؤولية حول تربية الأولاد وكلفة تعليمهم.
 
توفي أبي عام 1956 توفي قبل أربعين عاما وكان عمري 13 سنة وتوفيت والدتي قبل 45 عاما. كان والدي موظفا حكوميا في محافظة حجة وكان يعيش مع جدتي وزوجته الثانية. كنا نعتمد على دخله المحدود وعلى بعض العائدات من الأراضي الزراعية التي كانت لدينا. كان والدي قاضيا شرعيا موظفا في الدولة اليمنية ومتعلما علوما دينية (ثمة من يؤكد أنه كان عامل الإمام  في شهارة من دون دليل برهاني). عشت متنقلا معه من مدينة إلى مدينة بحكم وظيفته.

تعلمت في كتاتيب مدينة شهارة حتى السن الثامنة. كانت المدرسة تسمى مكتب التعليم ويُدرّسُ فيه القرآن وبعض مذاهب الحساب. كانت سنوات التعليم في هذه السن قاسية وصعبة. حفظت المصحف وكان هذا زادنا الوحيد. طموح جيلنا الأبرز في تلك الفترة هو الخروج من مكتب التعليم والالتحاق بالجامع الكبير في صنعاء وفيه نتأهل للعمل مع الحكومة. ما زلت أذكر زملائي في تلك الفترة ومن بينهم أولاد عمي الذين يعملون في مجالات مختلفة وعبد الوهاب الآنسي (أحد أبرز قادة التجمع اليمني للإصلاح ) وتربطي به علاقات قرابة وثيقة.

انتقلت بعد تخرجي من مكتب التعليم إلى مدينة المحابشة في محافظة حجة، حيث يعمل والدي، وفيها فتحت عيني على نمط جديد من الحياة، حيث التجارة والزراعة مزدهرة. التحقت بالدراسة في الجامع الكبير وهو يشبه الجامع الكبير في صنعاء، تلقيت فيه علوم الدين والنحو واللغة والفقه. 

وفي هذه المدينة تعرفت على الراديو للمرة الأولى، كان يملكه تاجر كبير ومعروف. كنا نتحلق حوله في إحدى الساحات مع أبناء المدينة كلهم، لنستمع إلى إذاعة القاهرة وصوت العرب بخاصة. جذبتني أخبار القاهرة وبدأت التفكير بمغادرة محافظة حجة والاستقرار في صنعاء لمواصلة دراساتي العليا في مدرسة مهمة ولأشاهد الوسائل الحديثة التي سمعت أنها دخلت إلى اليمن، علما أنني لم أر سيارة في حياتي قبل سن 14 عاما. كانت سيارة الإمام تصل إلى حجة لنقله أو لنقل المساجين. حلم السيارة كان يلح على ذاكرتي لأنها توفر علي قطع مسافة 60 كلم في ثلاثة أيام سيرا على الأقدام من مدينة المحابشة إلى مدينة شهارة أو 40 كلم لمدة يومين من مدينة شهارة إلى حجة.

 

الطريق إلى صنعاء

قطعت شوطا متقدما في علوم الدين والنحو.. عندما بلغت سن الرابعة عشر. كان أخي أحمد قد سبقني إلى صنعاء ودخل إلى المدرسة فيها. في إحدى رحلاته إلى المحابشة اقترح أخي على أبي أن يصحبني معه وكانت فرحتي لا توصف. كنت خائفا أن لا يوافق والدي على هذا الاقتراح خصوصا أن أخي بقي في صنعاء خلافا لرغبته. أدرك أن أحمد حقق قفزة علمية كبيرة في النحو والحديث والرياضيات وكان سعيدا بهذا الإنجاز لذا وافق على سفري معه. استغرق سفرنا خمسة أيام قطعناها ركوبا على ظهور الحمير. كانت رحلة صعبة لكن تطلعي إلى الدراسة العليا وإلى مستقبل أفضل جعل المسافات تهون في نظري.

دخلت إلى المدرسة التحضيرية في صنعاء التي كانت تضم عددا من المدرسين المصريين وكان أخي يدرس فيها. كان عدد المدارس في العاصمة محدودا، من بينها الثانوية والمدرسة العلمية لعلوم الدين ومدرسة الأيتام.
 
أقمت مع أخي في السكن المدرسي المتواضع لناحية الغذاء ووسائل الراحة.

في صنعاء تعرفت على الكهرباء للمرة الأولى ورأيت السيارة في الشارع وشعرت أنني وصلت إلى جنة الخلد. درست بهمة عالية، إذ اختصرت برنامج ثلاث سنوات في سنة واحدة وانتقلت إلى الثانوية في المدرسة نفسها. تخرجت عام 1957 وكنت الأول في دفعتي. كان من بين زملائي في الصف نفسه في صنعاء إبراهيم الحمدي رحمه الله (رئيس الجمهورية  الذي اغتيل عا م 1977). كان أبي في هذا الوقت قد توفي ولا شيء يشدني إلى القرية ولم يكن لدينا جامعة في صنعاء وما كان السفر إلى الخارج متاحا، فسرت على خطى أخي أحمد الذي انضم إلى الكلية الحربية ووجدت فرصة في كلية الطيران التي افتتحت للتو (عام 1958) بمناسبة حصول اليمن على مجموعة من الطائرات الصغيرة من تشيكوسلوفاكيا بمسعى من الإمام البدر الذي زار تلك الدولة (انشقت بعد نهاية الحرب الباردة إلى دولتين تشيكيا وسلوفاكيا).


التعليقات (0)