قضايا وآراء

لماذا يسعى "الكباشي" و"قحت" لتغييب الأمين داؤود عن المشهد؟

عبد الرحيم قرية
1300x600
1300x600
لا أحب الكتابة في السياسة أيّا كانت نوعية موضوعاتها التي أكتب عنها، لكن موضوع اعتقال رئيس الجبهة الشعبية المتحدة للتحرير والعدالة بالسودان، الأمين داؤود، له جوانب أخرى تجبرني للكتابة عنه؛ فالمؤامرة أكبر من أن يستطيع الأمين بمفردها مقاومتها، بالإضافة إلى رغبة عارمة تدفعني دفعا للكتابة، أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر الذي وقع عليه. وكذلك رغبة أخرى جامحة في أن أقول الحقيقة التي أعرف تفاصيلها جيدا حتى لا أساءل عنها أمام الله سبحانه وتعالى يوم العرض الكبير، خاصة وأنه ليس هناك مَن يمكن أن اتكئ عليه ليقول هذه الحقائق، كما أن هناك مؤشرات انحراف كبيرة في مسار ثورة ديسمبر يمكن رصدها من مثل هذه الترصدات التي تحدث للأمين داؤود وغيره يجب علينا جميعا مقاومتها، وإلا ستجرفنا جميعا .

في قضية سجن الأمين داؤود أول ما يخطر على البال بعد سماع خبر سجنه في كوبر أن الجهات التي تقف وراء تغييبه من المشهد هي الجهات التي تضررت مصالحها من ظهوره بعد غياب أكثر من عشرة سنوات عن السودان في ديسمبر 2019م حاملا للواء مسار الشرق، وهؤلاء كُثر أغلبهم من الإدارات الأهلية تساندهم أقطاب كبيرة وفاعلة في ولاية البحر الأحمر، إلا أن هؤلاء من الضعف بمكان لفعل ذلك، حيث لا تتجاوز مقدراتهم حد البلاغات الكيدية، والتي أقواها يمكن أن يخرج منه الأمين بكفالة لأنها قضايا متخلية ومجرد أمنيات شخصيات حاقدة لا تصمد في أول جلسة أمام أي قاضي محايد.

وطالما الأمر هكذا ما الذي حدث ومن هم الآخرون الذين يقفون خلف هذا التغييب غير الذين ذكرناهم عاليه؟، نعم هناك أخرون أكثر قوة ومنعة وفاعلية يستغلون مناصبهم الحكومية العليا، منهم الفريق الكباشي عضو مجلس السيادة، وكذلك قوى الحرية والتغيير شريكة المجلس العسكري في حكم السودان، وصاحبة اليد الطولى في تكوين ورعاية حكومة حمدوك.

والسؤال المنطقي الذي يفرض نفسه بإلحاح في هذا المقام، ولا بد أن يكون قد طرأ في ذهن القارئ أيضا: لماذا يعاديه الفريق الكباشي؟ ولماذا تعاديه قحت وتعمل على تغييبه من المشهد؟، في الحقيقة الإجابة على هذا السؤال مُعقدة بعض الشيء، إلا أننا سنحاول أن نبسطها قدر الإمكان ونأمل أن ننجح في ذلك؛ فالمسألة لها علاقة بقوى خارج السودان لها مصالحها التي تتعلق بالموانئ في السودان، وهي تبذل جهود مضنية لرسم المشهد السوداني رغبة منها في الوصول لتلك المصالح.

وهذه القوى منذ بداية الثورة، وهي تسعى لاحتواء الجميع بشكل فردي وجماعي، وأول الذين أوقعتهم في فخها وحسمت مواقفهم لصالحها عسكريي الحكم في السودان، ثم عملت على استيعاب الشق المدني المتمثل في قوى الحرية والتغيير (قحت) فتمكنت بعد جهد من ترويضها ببعض المكونات الفاعلة فيها؛ فأصبحت قحت تابعة لها تأتمر بأمرها عبر بعض مكوناتها.

وهذه القوى غير راغبة في الأمين داؤود، ليس لأسباب شخصية إنما لأسباب استراتيجية؛ فالرجل ببساطته البدوية وطهره ونقاءه الثوري وقضايا شعبه الحاضرة دائما والتي تغرب من أجلها خارج السودان لمدة طويلة وجماهيريته الجارفة وصعوبة ترويضه قد أزعجها كثيرا؛ ففي كل مرة تعتقد أنها تمكنت منه يفلت منها.

ففي البدء حركت كل أياديها في الإدارات الأهلية في شرق السودان التي صادف هواها هوى تلك القوى فهي الأخرى قد أضر بها ظهور الأمين فنجاحه سيفتح الكثير من الملفات التي تود أن تكون مغلقة مثل صندوق إعمار الشرق، وكذلك ظهوره القوي سيخفي ظهور البعض الذي كان يعتقد أنه القائد الأوحد للشرق، إلا أن تلك القوى قد فشلت فشل ذريع، بل أن بعض مكوناتها أصبحت داعمة لمسار الشرق الذي يمثله الأمين داؤود وشركاءه.

لهذا، كان على تلك القوى صاحبة المصالح في الميناء أن تحاول احتواءه عبر زملاءه السابقين في الجبهة الشعبية المتحدة عبر إغداق المال عليهم حتى يبعدوا رئيسهم ويتنكروا له، وبالفعل هؤلاء نفذوا التعليمات حرفيا وقاموا بفصل رئيسهم، إلا أن إجراءاتهم ضده لم تجد آذان صاغية، لأن جماهير الحزب تعرف وتعشق الأمين داؤود لبساطته وصدقه وكاريزمته، كما أن الدور الذي لعبه مسؤولو الحزب في الولايات كان له الدور الحاسم عندما رفضوا سلوك زملاء الأمين ووقفوا بجانبه وأصدروا بيانات ترفض تصرفهم ولا تعترف به، فأصبح تصرفهم وبالا عليهم وحجم من دورهم بدلا أن يحجم من دور الأمين ويعزله .
لكن أخيرا تمكنوا من سجنه عندما دخل السودان عبر الحدود مع إثيوبيا بتهمة التسلل للبلاد، رغم أنه دخل البلاد عبر معبر من المعابر التي أعتاد القادمون برا من إثيوبيا الدخول عبره، وسلّم نفسه للحجر الصحي وبعد إكماله لفترة الحجر الصحي في منطقة القلابات فوجئ بترحيله على عجل لمدينة القضارف وعرض على محكمتها التي أصدرت حكمها عليه بالسجن لمدة عام مع النفاذ دون أن تسمح له حتى بتكليف محامي.

ثم في اليوم الثالث تم نقله من سجن القضارف لسجن كوبر الشهير، في الوقت أن غرامة الدخول متسللا أقصاها خمسة آلاف جنيه سوداني، وكان بإمكان الأمين دفعها، إلا أن هناك مَن منع حدوث ذلك لأنه يريد أن يسجن الأمين ويُغيّبه عن المشهد لمدة سنة، وهذا الكيد غير متاح سوى للشخصيات النافذة مثل الفريق كباشي عضو مجلس السيادة، والذي يملك الكثير من الدوافع لفعل ذلك، فهو الوحيد الذي كان يُشهر به ويظهر عداءه الصريح له، فقد كان يتحدث بتفاخر ينقصه الكثير من اللياقة أنه قد قام برفض الجلوس في التفاوض معه، لأن عليه بلاغات ومطلوب للعدالة في الوقت الذي كان يعلم أنها بلاغات كيدية وربما كانت له يد فيها، وتصريحاته الفجة مسجلة في الكثير من مقاطع الفيديو، كما أن كباشي ينتمي عرقيا لقبيلة النوبة والأمين لقبيلة البني عامر ووقعت بين هاتين القبيلتين الكثير من المصادمات العنيفة خلال السنة الماضية، وهذه السنة التي أزهقت جراءها الكثير من الأرواح البريئة، وهذا عامل آخر يجعلنا نضعه في الاعتبار للعداء غير المفهوم مع الأمين داؤود.

أما قوى الحرية والتغيير فهي الأخرى ما يجعلنا نتهمها أن لها يد في سجن الأمين داؤود فهي من ناحية مسيطر عليها من قبل تلك القوى الخارجية التي تصارع في ترتيب المشهد في السودان، ومن ناحية أخرى تكن عداء للجبهة الثورية السودانية (المكونة من الحركات المسلحة المعارضة للنظام السابق)، والتي يفترض أن تكون إحدى مكونات الحرية والتغيير، إلا أنها قد تنكرت لها، والأمين داؤود أحد أقطاب تلك الجبهة، لهذا فهو من ناحية يستهدف لذاته لأنه غير مروض، ومن ناحية أخرى يستهدف لأنه من الجبهة الثورية.

وقبل الختام، لم يتبق لنا سوى أن نعرف موقف الرجل القوي الفريق حميدتي، حقيقة لا ندري موقفه من المؤامرات التي تُحاك ضد الأمين لكن عادةً ما تكون مواقفه جيدة في المواقف المشابهة، فالرجل نقي السريرة تغلب عليه بساطة البدوي، لكن قد تم استهدافه وإشغاله عبر فتح الكثير من الجبهات عليه بصورة تكاد تصرفه عن الكثير من الأمور، لأنه غير مرغوب فيه من قبل عدة أطراف أولها الدولة العميقة التي يقف حجر عثر أمام مخططاتها في ضرب أمن واستقرار السودان الذي تسعى لإحداثه بهدف إسقاط حكومة قحت، لهذا جعلته هدفها الأساسي لاعتقادها أنها بجره لحروب جانبية بإمكانها إسقاطه وإخراجه من المشهد حتى تستفرد بحكومة قحت الهشة.

وثانيها زملاءه في حكم السودان (المكون العسكري والمدني) الذين أصبح كل همهم إحراقه وإخراجه من المشهد، لأنه من ناحية ليس من الشمال النيلي الذي لا يرضى أبناءه أن تلعب باقي المكونات الأدوار الرئيسية في حكم السودان، وهو دارفوري، ومن ناحية ثانية يخشون من القوة التي تحت تصرفه "الدعم السريع" الذي أثبت قوته وجدارته في إنجاح كل ما شارك فيه .

ختاما، هناك ظروف موضوعية حدت من ردات فعل الكثيرين على سجن الأمين داؤود بهذا الأسلوب الكيدي غير اللائق منها الظرف الصحي الذي يعيشه السودان، والذي تسبب في وقف السفر بين الولايات، بالإضافة لحالة الاحتراب التي يعيشها المكون الاجتماعي الذي ينتمي إليه الأمين داؤود في مدينة كسلا وتأثر بقية المكون في المدن الأخرى بمتابعة تلك الأحداث، بالإضافة لقلة المعلومات عن ملابسات سجن الأمين وإلا عندما تنجلي تلك الظروف نتوقع أن تكون هناك ردات فعل قوية لا ندري إن كان من كادوا لسجن الأمين قد حسبوا حسابها.

كما نتوقع أن تأتي ردات فعل من الجبهة الثورية، والتي نتوقع تأخر حدوثها بسبب شح المعلومات عن أسباب سجنه؛ فلم نرصد حتى الآن سوى رد فعل القائد مني أركوا ميناوي رئيس حركة جيش تحرير السودان الذي أستهجن واستنكر هذا الفعل عبر صفحته في تويتر ووعد بتكليف محاميين لتولي القضية، أما بقية أقطاب الجبهة الثورية إذا لم يفعلوا ذلك سيكون الغباء في حد ذاته، لأنهم إذا مرروا حادثة سجن الأمين بهذه الطريقة الكيدية سيلاقون نفس المصير متى ما اختلفوا مع رجال المركز أو حسوا بخطرهم.
6
التعليقات (6)
محمود
الأحد، 21-11-2021 07:51 م
الله ينور عليك مقال جميل جدا
Ali
الأربعاء، 08-09-2021 02:06 م
الأمين داؤاد يطلع شنو هو أصلا حبشي اريتري
عثمان آدم
السبت، 12-12-2020 10:17 ص
تقرير وهمي
كاوندا
الجمعة، 22-05-2020 04:55 ص
لانه ارتري بكل بساطة
محمحد عثمان إدريس
الثلاثاء، 19-05-2020 10:48 ص
الأمين داود قائد الجبهة الشعبية المتحدة للتحرير والعدالة سجنه هو سجن شعب شرق السودان،لكن لن نتركه وحيدا أبدا وسنقف معه في محنته .