أفكَار

العودة للدين في عهد كورونا.. قناعة دائمة أم حالة عابرة؟

الناس يفزعون إلى الدين إذا ما داهمتهم جائحة عامة.. الصورة من الأردن في زمن كورونا  (الأناضول)
الناس يفزعون إلى الدين إذا ما داهمتهم جائحة عامة.. الصورة من الأردن في زمن كورونا (الأناضول)

يفزع كثير من الناس إذا ما داهمتهم جائحة عامة إلى سلوك سبيل التدين، بطلب العون والمدد من الله تعالى، والتضرع إليه كي يرفع عنهم ما أصابهم، وهم إذ يفعلون هذا إنما يستشعرون ضعفهم البشري في مواجهة ما يعجزون عن رده ودفعه بما يتوافر لديهم من أسباب.

ووفقا لعلماء الأديان فإن استشعار الإنسان لضعفه الشديد في حالة وقوع الكوارث الطبيعية، أو انتشار الأوبئة الفتّاكة، وحاجته إلى خالقه العظيم إنما هي حاجة فطرية، تنمُّ عن أهمية الدين في حياة الإنسان، وأنه لا يستغني عن خالقه في استمداد أسباب وجوده وقوام حياته. 

ويركز الخطاب الديني في مقاربته للكوارث والمصائب العامة على أن الإنسان مهما بلغ في معارفه واكتشافاته الدنيوية يظل ضعيفا عاجزا عن دفع ضر ألم به، أو إخماد بركان تفجر من باطن الأرض فأحرق الأخضر واليابس، إو إسكان الأرض إذا ما حركها زلزلال فيهدم ما بناه الإنسان وعمّره في لحظات معدودة.   

وتأتي جائحة كورونا بتداعياتها المقلقة التي حاصرت الإنسان وأقعدته في بيته رغما عنه، لتشعره بضعفه وحاجته الفطرية إلى سلوك سبيل التدين، وهو ما يظهر في حياة كثير من الناس، برجوعهم إلى عبادة الله والإكثار من ذكره ودعائه، وإظهار مدى افتقارهم إليه، وطلبهم إعانته ورعايته بإلحاح شديد. 

لكن استحضار سلوكيات الناس في ظل تجارب سابقة، يكشف عن أن البشر إذا ما حلت بهم كارثة عامة، أو أصابتهم جائحة مهلكة، فإنهم يلجأون إلى الله، ويكثرون من التضرع إليه، ويهرعون إلى المساجد والكنائس ودور العبادة، لكنهم إذا ما زال ذاك الخطر الداهم فإنهم سرعان ما يعودون إلى ما كانوا عليه، وينسون ما كان منهم، ويغرقون مرة أخرى في شؤون حياتهم الدنيوية بحسب ملاحظة الأكاديمي المصري، الباحث في الفكر الإسلامي، محمود السماسيري.

 



واستذكر السماسيري في هذا السياق حادثة وقوع زلزال سنة 1992 في القاهرة، والذي راح ضحيته ما يقارب 500 شخص، وأصاب ألاف الأشخاص، وشرد عشرات الآلاف من بيوتهم وأحيائهم، وكان من تداعياته إقبال عموم الناس على المساجد بأعداد هائلة، لكن سرعان ما عادوا إلى حياتهم المألوفة بعد ذلك. 

وأضاف في حديثه لـ"عربي21": "هذا ما أتوقعه بخصوص عودة كثير من الناس إلى حالة من التدين الظاهر بعد جائحة كورونا، لكن وبالقياس على وقائع وحالات سابقة يمكن القول بأن هذه العودة  لن تعدو أن تكون آنية ظرفية، وسيرجع الناس بعد أن يتخلصوا من ضغط المخاوف والهواجس التي سببتها الجائحة إلى سلوكياتهم المعتادة".
 
وتابع: "يكاد هذا أن يكون سلوكا ملازما للإنسان، وهو ما أبرزه القرآن الكريم في أكثر من موضع، كما صور سبحانه ذلك في مقطع مؤثر في سورة يونس {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}.

وأردف: "لكن ماذا كان حالهم بعد أن نجاهم من ذلك الكرب الشديد؟ تجيب الآية بكل وضوح: {فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}.

من جهتها قالت الكاتبة اللبنانية، روعة النابلسي "من الواضح للعيان أثر الجائحة الديني على صعيد الأفراد والمجتمع، والتي أحدثت ردّة فعل إيجابية محمودة، فعاد المسلمون – في غالبهم – إلى الله تعالى بالتوبة والندم على التقصير، والتفّ الناس حول العلماء، ولجأوا إلى الصلاة، وباتوا يبحثون عما يشرع قوله من أذكار وأدعية تحصنهم وتدفع عنهم الضرر". 

وردا على سؤال "عربي21" عما سيكون عليه تدين الناس بعد انحسار خطر الجائحة؟ توقعت النابلسي أنه "لن يكون أثر الجائحة بعد زوال خطرها عميقا في تدين أولئك الذين رجعوا خوفا منها، لكن ستكون هناك حالات فردية خصها الله برعايته، وستبقى في مرحلتها الجديدة ثابتة، وهذا شأن المحن والابتلاءات، فرصة ليعود البعض، لكن لا معنى لها لمن يظل معاندا حال الرخاء".

ولفتت إلى أن "الأيام المقبلة ستكون أسوأ من كل النواحي، والعاقل الحصيف يدرك أن ما راكمه من يقين وإيمانيات وممارسات للعبادة اليوم، ستكون زادا جيدا لقابل الأيام، ومن غير المعقول أن ينكص العاقل بعد ذهاب الأزمة، وهو يعرف مدى ما أحدثته الجائحة من تغيرات على مستوى العالم بأسره".

وفي الإطار ذاته وصف الكاتب والباحث العراقي، إياد العطية جائحة كورونا بأنها "بلاء عمَّ المجتمعات الإنسانية في كثير من دول العالم، في إشارة ربانية لعباده، ورسالة إلهية تحذيرية واضحة، بأن الله قادر على قلب موازين الكون، وتعطيل الحياة الدنيا بأصغر كائناته، من حيث لا نحتسب، بما يعني توجيه الناس إلى عدم الاغترار بكثرة أموالهم، وتطور إمكاناتهم، لأنها لا تغني عنهم إذا ما داهمهم ما يعجزون عن دفعه". 

 



وواصل حديثه لـ"عربي21" بالقول: "والعاقل من فهم الرسالة، وأدرك طبيعة النازلة، فعاد لربه نادما مستغفرا تائبا، حتى أدركت ذلك بعض الدول الغربية فهرعت للمسلمين في بلدانهم، تطلب منهم الدعاء والتضرع لله لرفع هذا البلاء، حتى بادروا برفع الآذان والتكبير في مدنهم بعد أن منعوا ذلك لسنين طويلة". 

ورأى العطية في"جائحة كورونا على الرغم من حجم ضررها الكبير على البشرية بأسرها، أن الله أراد بنا خيرا، بتذكيرنا بما يريده منا، ومن المؤكد أنها ستترك فينا أثرا كبيرا، سينعكس على علاقتنا بالله، والتزامنا بدينه". 

بدروه وبنظرة تحليلية، أبدى المستشار العلمي في مركز عالم الآراء بالأردن، محمد شرف القضاة تحفظه من إطلاق الأحكام والتقييمات بشأن تأثير الجائحة على تدين الناس لأن "عملية قياس تدين الناس تحتاج إلى دراسة علمية تستخدم فيها أدوات قياس مناسبة، وهو أمر ليس باليسير". 

وأردف "لكن من خلال الاستقراء، وتحليل بعض استطلاعات الرأي والدراسات تتشكل بعض الانطباعات، وتُبنى بعض الآراء، إذ يعتمد سلوك الناس الديني كثيرا على طريقة تعاطيهم وتفسيرهم لسبب حصول المصائب سواء للفرد أو المجتمع، فينطلق البعض من أن المجتمع متدين بالعموم، وأن ما يصيبه إنما هو ابتلاء لرفع الدرجات أو لتكفير الخطايا".

 

وتابع: "أما البعض الآخر، فينطلق من أن ما يصيب الإنسان هو نتيجة سلوكه المنحرف، ويعتبر المنطلق الأول هو الأقرب لطبيعة وثقافة المجتمعات المؤمنة عموما، وهذا ما لوحظ من خلال دراسة المحتوى (الالكتروني غالبا) لطبيعة الرسائل المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتي انصب معظمها على أن هذا ابتلاء ويحتاج لتوبة واستغفار لرفعه". 

 



وإجابة عن سؤال "عربي21" حول إمكانية فهم أعمق لحالة التدين بشكل عام بعد جائحة كورونا، لفت القضاة إلى "إمكانية ذلك من خلال علاقتين تحكمانها، وهما: علاقة الإنسان بربه (علاقة رأسية) بالتوسل بالصلاة والدعاء والتوبة، وعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان (علاقة أفقية) بمدى تحسن علاقته مع الآخر وإغاثة المحتاجين وتقديم العون لهم، وكان واضحا ارتفاع منسوب التدين لدى الناس في هذا الظرف باستقراء هاتين العلاقتين". 

ولاحظ القضاة أن "عموم المسلمين يشعرون بحالة من الحزن على إغلاق المساجد، وتعليق صلوات الجماعة فيها خصوصا في شهر رمضان المبارك (الذي يزيد فيه منسوب التدين عموما)" متوقعا أنهم "سيفزعون بعد انكشاف البلاء مباشرة إلى المساجد التي أُوصدت لفترة طويلة، شكرا لله على زوال الابتلاء، وتفريغا للشحنات الإيمانية المتراكمة بعد إغلاق المساجد". 

وتوقع في ختام حديثه أن "تعود الحالة إلى سابق عهدها بعد مرور وقت قصير، وهذا هو الأمر الطبيعي، الذي نشاهده سنويا بعد انتهاء شهر رمضان إذ يعود معظم الناس إلى سابق عهدهم، وحياتهم التي ألفوها من قبل"، وفق تعبيره.  

التعليقات (1)
عبد الإله
الثلاثاء، 05-05-2020 08:36 م
هذه عادة الناس، تدين في المواسم والمناسبات، ثم يرجع الناس لعاداتهم.