ملفات وتقارير

لماذا تحولت مصر إلى استيراد الغاز رغم توجهها للتصدير وتحقيق الاكتفاء الذاتي؟

تراجعت صادرات مصر من الغاز عام 2023 بنسبة 350 بالمئة
تراجعت صادرات مصر من الغاز عام 2023 بنسبة 350 بالمئة
في تحول كبير في موقعها بأسواق الطاقة، تدرس مصر العودة إلى أسواق الغاز ليس للتصدير ولكن للاستيراد لتأمين احتياجاتها من الغاز الطبيعي بعد أزمة نقص الغاز العام الماضي وانقطاع التيار الكهربائي الذي أجبر ملايين المصريين على البقاء في الظلام لساعات طويلة وسط درجات حرارة مرتفعة تجاوزت 45 درجة مئوية.

كشف موقع  "Middle East Economic Survey- MEES" المتخصص في شؤون الطاقة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن مصر تستعد لمواجهة نقص في الغاز الطبيعي مع استمرار انخفاض الإنتاج واقتراب الاستهلاك من الذروة، مشيرا إلى عزمها استيراد الوقود فائق التبريد مرة أخرى هذا الصيف لتجنب أزمة انقطاع التيار الكهربائي المؤلم.

كما كشفت وكالة "بلومبيرغ" أن مصر تدرس شراء الغاز الطبيعي المسال من الأسواق، بهدف تفادي حدوث نقص في الوقود خلال هذا الصيف، لكن الأزمة في البحر الأحمر تشكل تحدياً أمامها، في خطوة وصفتها بمثابة تحوّل كبير بالنسبة لمصر، التي توقفت إلى حد كبير عن استيراد الغاز الطبيعي المسال في عام 2018، عندما عزز حقل "ظُهر" الضخم الإنتاج المحلي، مما حوّل البلاد إلى مُصدّر للوقود.

اظهار أخبار متعلقة


بالتوازي مع هذا التوجه، اتفقت مصر على زيادة كميات الغاز الطبيعي الواردة من دولة الاحتلال الإسرائيلي بنحو 26 بالمئة لتصل إلى 1.450 مليار قدم مكعب يوميا خلال النصف الأول من العام المقبل 2025، بدلا من 1.15 مليار قدم مكعب يوميا الآن.

مصر تفقد 24 بالمئة من إنتاج الغاز
كانت مصر توقفت عن استيراد الغاز منذ عام 2018 بعد تحقيق اكتشافات كبيرة في البحر المتوسط وبدء إنتاج حقل ظهر العملاق للغاز لكنه أخذ يتناقص بمرور الوقت لأسباب فنية وتقنية بسبب زيادة الضغط على الحقل لزيادة الإنتاج والذي يشكل 40 بالمئة من الإنتاج الإجمالي.

وفي صفقة وصفت بالتاريخية عقدت مصر و"إسرائيل" اتفاقية تجاوزت 19 مليار دولار لتوريد 85 مليار متر مكعب من الغاز على مدار 15 عاما من أجل إعادة تسييله في أكبر محطتي تسييل في المنطقة على البحر المتوسط وهما دمياط وإدكو، ولكن مع زيادة الاستهلاك المحلي لجأت مصر إلى استخدام الغاز الإسرائيلي في السوق المحلي.

تراجع إنتاج مصر من الغاز من مستوى قياسي 7.2 مليارات قدم مكعب يوميا عام 2020 إلى نحو 5.5 مليارات قدم مكعب بسبب تقادم الحقول والمشاكل الفنية في حقل ظهر، والتي كشف عنها خبراء لأول مرة في تقرير سابق لـ"عربي21"، بنسبة تراجع حوالي 24 بالمئة.

ما جعل مصر تحت ضغط نقص الغاز وزيادة الاستهلاك حيث تستهلك مصر نحو 5.9 مليارات قدم مكعب يوميا ما يعني وجود عجز بنحو 400 مليون قدم مكعب يوميا أو ما يعادل 12 مليار قدم شهريا أو ما يعادل نحو 145 مليار قدم مكعب سنويا.

وكانت واردات الغاز الإسرائيلي إلى مصر هبطت إلى صفر بعد وقف عمليات إنتاج الغاز من حقل تمار، عقب اندلاع الحرب في غزة، ولكنها تجاوزت حاليا مستويات ما قبل الحرب، حيث ارتفعت خلال كانون الثاني/ يناير 15 بالمئة على أساس شهري لتسجل نحو 1.15 مليار قدم مكعب يوميا.

ربط الغاز الإسرائيلي بقدرات مصر على التصدير
بمرور الوقت أصبحت مصر تعتمد على الغاز الإسرائيلي بشكل كبير لسببين؛ أولهما استخدام الغاز في إعادة تصديره إلى أوروبا وآسيا بعد تسييله في محطتي إدكو ودمياط بطاقة إنتاجية 2.1 مليار قدم مكعب يوميا، وتوفير عملة صعبة، وثانيهما، استخدام الغاز الإسرائيلي في السوق المحلي لتعويض النقص في الإنتاج الطارئ.

ورغم امتلاك مصر أكبر محطات توليد الكهرباء على مستوى المنطقة والعالم بتكلفة 6 مليارات يورو وقدرتها على توليد فائض كبير في الكهرباء مكنها من تصديره في وقت ما، إلا أن المحطات لم تجد الوقود الكافي من الغاز أو المازوت لتشغيلها لسببين الأول؛ نقص الغاز، ونقص الدولار لشراء المازوت، حيث أطبق الظلام على مصر لساعات طويلة العام الماضي وسط غضب شعبي كبير.

يشكل هذا التراجع في الإنتاج بحسب خبراء ومتخصصين تحدثوا لـ"عربي21" ضربة لجهود مصر وخططها الطموحة للتحول إلى مركز إقليمي لتجارة وتصدير الغاز المسال، وتتراوح تدفقات الغاز الطبيعي الإسرائيلي الواردة إلى محطتي الإسالة في مصر (إدكو ودمياط) بين 1.05 و1.1 مليار قدم مكعبة يوميًا ومنهما تُضخ كميات إلى السوق المصري وكميات إلى الخارج آسيا وأوروبا.

وتراجعت صادرات مصر من الغاز عام 2023  بنسبة 350 بالمئة إلى 2.5 مليار دولار، مقارنة بصادرات من الغاز الطبيعي المسال بلغت حوالي 8.4 مليارات دولار عام 2022، وأصبح معظم الغاز المحلي يوجه للسوق المحلي؛ 57 بالمئة لقطاع الكهرباء، و25 بالمئة لقطاع الصناعة، و10 بالمئة لقطاع البترول ومشتقات الغاز، و6 بالمئة لقطاع المنازل، و2 بالمئة لتموين السيارات، وفقا لوزارة البترول المصرية.

ماذا وراء تراجع إنتاج الغاز
أرجع رئيس مجلس إدارة شركة "بيت" الأمريكية للطاقة البروفيسور عبد الحكيم حسبو، رغبة مصر في استيراد الغاز مجددا إلى "تراجع إنتاج الحقول من الغاز بسبب ما قلناه سابقا وهو زيادة الضغط على حقل ظهر من أجل زيادة الإنتاج، ما أدى إلى حدوث عيوب فنية حالت دون زيادة الكميات بل تراجعت من مستوى 2.7 مليار قدم مكعب يوميا إلى أقل من 2 مليار قدم".

لم يكن هذا السبب الوحيد بحسب تصريحات حسبو لـ"عربي21"، فـ"هناك أسباب تتعلق بتراجع الاستثمار والاكتشافات التعويضية في مجال التنقيب عن الغاز بسبب تراكم مديونيات الشركاء الأجانب لدى الحكومة المصرية أو وزارة البترول، وبالتالي تراجع الإنتاج من ذروته البالغة أكثر من 7 مليارات قدم مكعب يوميا إلى نحو 5.5 مليارات قدم مكعب".

ورأى أن "العودة إلى زيادة الإنتاج تحتاج إلى ضخ مليارات الدولارات وبعض الوقت من أجل دخول الحقول والآبار الجديدة على خط الإنتاج، وبالتالي إما أن تواصل مصر سياسة تخفيف الأحمال وقطع الكهرباء في الصيف المقبل، أو تزيد الكميات الواردة من "إسرائيل" لاستخدامها في السوق المحلي، وعدم قدرة مصر على الحفاظ على الإنتاج أو زيادته يضعف بلا شك جهودها الطامحة في التحول إلى مركز إقليمي لتجارة وتداول الطاقة بالمنطقة".

اظهار أخبار متعلقة


"هل يصبح الغاز المستورد والإسرائيلي بديلا"؟
رغم تراجع الإنتاج 25 بالمئة وزيادة الاستيراد 25 بالمئة من الغاز الإسرائيلي، يعتقد خبير الطاقة رمضان أبو العلا أن مصر "لا تزال موجودة على ساحة الدول المنتجة والمصدرة للغاز، والحكومة تدرك جيدا أنها بحاجة إلى ضخ المزيد من الاستثمارات في مجالات الاستكشاف والتنقيب من أجل تعويض الفاقد وزيادة الطلب المحلي على الغاز".

وأعرب عن اعتقاده في حديثه لـ"عربي21" أن "استيراد وتصدير الغاز هو جزء من خطط الحكومة المصرية في التحول إلى مركز إقليمي لتجارة الطاقة الجديدة والمتجددة، بما فيها الغاز والهيدروجين والطاقة الشمسية والتي سوف توفر زيادة الإنتاج كميات مقابلة من الغاز".

واعتبر الخبير في مجال الطاقة أن "تنويع مصادر استيراد الطاقة سواء بغرض التجارة أو الاستخدام في السوق المحلي هو سياسة تحكمها ضوابط الاستفادة من الموقع الاستراتيجي، ومن محطتي الإسالة في دمياط وإدكو، وأي زيادة في الإنتاج مرهونة بأمرين هما زيادة الاحتياطي الاستراتيجي وكذلك زيادة الإنتاج اليومي"، مشيرا إلى أن "واردات مصر من الغاز الإسرائيلي ارتفعت بسبب زيادة الطلب المحلي ومن ثم لإعادة تصديره إلى الخارج".
التعليقات (0)